مارلين شيابا: حكومة ماكرون اعتمدت إجراءات مبتكرة لحماية المرأة من العنف

الوزيرة الفرنسية كشفت لـ «الشرق الأوسط» أسباب تجنيس 17 ألف عامل أجنبي

مارلين شيابا
مارلين شيابا
TT

مارلين شيابا: حكومة ماكرون اعتمدت إجراءات مبتكرة لحماية المرأة من العنف

مارلين شيابا
مارلين شيابا

تحتل مارلين شيابا، الوزيرة الفرنسية المفوضة لشؤون المواطنة، موقعاً خاصاً في الهرم السياسي الحكومي. فرغم أنها لا تشغل وزارة سيادية، يتخطى حضورها السياسي والإعلامي وموقعها في الطاقم الحكومي بأشواط المهمة الوزارية المناطة بها، وهي إحياء معنى «المواطنة».
وتحت هذا الاسم، ثمة مهمات عديدة تتولاها الوزيرة شيابا المولودة في عام 1982، إذ إن عليها التعاطي مع ملفات اندماج المهاجرين والمواطنين الجدد في المجتمع الفرنسي، كما أن عليها أن تسهر على محاربة الظواهر التمييزية القائمة على العرق أو الجنس أو اللون، وبمختلف أشكالها أكان في المدرسة أو العمل أو السكن، إضافة إلى اهتمامها بالجمعيات الفاعلة في نطاق مهماتها. وهذا الجانب له معنى خاص في بلد كفرنسا نهض عبر القرون بفضل تواصل الهجرات المتدفقة عليه، أكانت أوروبية أو متوسطية أو شرق أوسطية أو أفريقية. وقبل أن تتحمل مسؤولية «المواطنة»، عيّنت الوزيرة الشابة في بداية عهد الرئيس إيمانويل ماكرون وزيرة دولة لشؤون المساواة بين الرجل والمرأة ولمحاربة التمييز الجنسي، وكان لها دور كبير في إقرار قانون محاربة العنف الأسري، خصوصاً ضد المرأة. من هنا، فإن مارلين شيابا، تتمتع بالشرعية للحديث عن المرأة ودورها في كل القطاعات، خصوصاً أنها بدأت بالاهتمام بهذه الملفات قبل أن تدخل عالم السياسة وبعده عالم الوزارة.
وفيما يلي نص الحديث الذي خصت به «الشرق الأوسط» بمناسبة يوم المرأة العالمي.

> ما الذي دفعك إلى السير في درب الالتزام بالدفاع عن حقوق المرأة؟
- لقد كنت دوماً ملتزمة بالدفاع عن المرأة. وصرت أمّاً في مقتبل عمري في سن الرابعة والعشرين تحديداً، فأسست جمعية «Maman travaille» (ماما تعمل)، وترأستها نحو عشر سنوات قبل أن أحوز على مقعد في الانتخابات المحلية (بمدينة رين، غرب فرنسا). بعدها التقيت (الرئيس) إيمانويل ماكرون عندما كان مرشحاً للانتخابات الرئاسية الماضية والتزمت العمل بجانبه بصفتي ناشطة في حملته الانتخابية. وعقب انتخابه في ربيع عام 2017، تم تعييني سكرتيرة دولة في حكومته. وعملت أيضاً خبيرة لدى مؤسسة «جان جوريس» السياسية، وألفت نحو ثلاثين كتاباً تناولت فيها هذا الموضوع بالذات.
> هلا أعطيتنا نبذة عن مساركِ الفكري وعن دور والدكِ...
- ترعرعت في وسط تتقارع فيه الأفكار، وعلمني والدي منذ سني المبكرة أن أفكر على نحو مستقل. وأود أن أقول إنني أعتبر نفسي امرأة عصامية، إذ إنني حصلت على شهادتي في علوم الاتصال وأنا ربة أسرة. وانطلقت من تجربتي الشخصية لإطلاق مفاهيم، منها «سقف الأم» مثلاً، ولإصدار أول كتاب في فرنسا عن ثقافة الاغتصاب. وأعتبر أنه كان لوالدي دور في مساري الفكري والمجتمع، إذ إنني ابنة مؤرخ مختص مشهود له في التيار الفكري المسمى «البابوفية» الذي أسسه غراكوس بابوف، وهو ثوري ناضل من أجل مساواة مطلقة بين جميع المواطنين ومن أجل السعادة الغالبة، كما أن والدي خبير أيضاً في العلمانية. وهو يساري إلى أقصى الحدود ولديه التزام سياسي كبير، غير أنه راعى على الدوام حرية اختياري، ولم يرغمني أبداً على الاحتذاء به فكرياً.
> ما أهم إنجاز تفتخرين بتحقيقه خلال هذا العهد الرئاسي الذي كنتِ وزيرة فيه منذ البداية؟
- اعتمدنا أربعة قوانين خلال خمس سنوات، ونظمنا حلقات نقاشية تناولنا فيها مسألة العنف الزوجي الذي كان بمثابة نقطة تحوّل أتاحت إدراج مكافحة العنف الأسري في صميم إشكاليات عصرنا، وذلك بدفع من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اتخذ المساواة بين الجنسين قضية العهد الرئاسي الكُبرى. وانبثقت عن هذه الحلقات النقاشية إجراءات مبتكرة لحماية المرأة من العنف، ولم ننتظر حركة #metoo (أنا أيضاً) النسائية لاستنفار طاقاتنا. وتشمل أبرز تلك التدابير مصادرة سلاح الزوج المعنّف فور التقدم بشكوى ضدّه، فضلاً عن استحداث منصة خاصة تتيح لضحايا العنف الجنسي التواصل مع رجال الشرطة على مدار الساعة، وتدريب قوى الأمن الداخلية وتلقي الشكاوى في المستشفى عندما لا تجرؤ الضحية على الذهاب إلى دائرة الشرطة، وتمديد آجال التقادم لكي تتمكّن الضحايا من إيداع الشكاوى على مدى ثلاثين سنة بعد بلوغ سن الرشد، والقائمة طويلة! كما أننا أول بلد يغرّم التحرش في الشارع. فكل هذه التدابير تغيّر حياة النساء. ويجب أن ينعكس اتجاه العار. وحان الوقت لكي يقضّ العنف الجنساني والجنسي مضاجع جميع المجتمعات. والطريق لا تزال طويلة. لكن هذا العهد الرئاسي حقق إنجازات مهمة في فرنسا ونحن نؤيد ذلك على الصعيد الدولي. ويكتسي كذلك عمل المجتمع المدني وتصرفات كل مواطن وأب وأخ وزوج وصديق أهمية كبيرة.
> تدافعين بصفتكِ وزيرة مكلفة بشؤون المواطنة عن قضية في غاية الأهمية في فرنسا، لا سيما منذ اغتيال المدرس صامويل باتي. ما قراءتكِ لمفهوم العلمانية من المنظور الفرنسي؟
- نحن نفهم العلمانية على أنها مبدأ «الفصل» بين الدين والدولة، إذ نعتبر أنه ليس للدولة أن تتدخل في شؤون الدين وأن الأديان، بالمقابل، لا تملي القوانين على الدولة. وتعني العلمانية، إذن، أننا نتمتع جميعاً بحرية المعتقد. ولا تفرض الدولة أي ديانة رسمية، فكل فرد حر في أن يؤمن بما يشاء وتعامل الدولة الجميع سواسية، سواء كانوا مسلمين أو يهوداً أو مسيحيين.
وإننا نموّل على سبيل المثال ضمان الأمن في المساجد، شأنها في ذلك شأن الكنس اليهودية والكنائس المسيحية، كي يتمكن كل فرد من ممارسة ديانته بحرية والعيش في كنف إيمانه بسلام. وخلافاً للمعلومات الخاطئة المتداولة بشأن هذا الموضوع، ليس ارتداء الحجاب ممنوعاً في فرنسا، شأنه في ذلك شأن القبعة اليهودية أو الصليب اللذين يجوز وضعهما في الشارع أو في الجامعة بفرنسا. كذلك، فإن المجتمع ليس ملزماً بأن يكون علمانياً، لكن بالمقابل يجب على المرافق العامة الالتزام بالعلمانية، فهي مبدأ الحرية بالنسبة للمجتمع ومبدأ الحياد بالنسبة للمرافق العامة. وأريد أن أضيف أن نموذجنا العلماني يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخنا، فلقد أنشأناه في القرن الماضي لحمايتنا من الحروب الدينية التي طالما مزقت بلدنا.
> ما فلسفة «قانون تعزيز مبادئ الجمهورية» الذي وضع عام 2021، والذي ينظر إليه البعض على أنه يستهدف المسلمين؟
- يرمي هذا القانون إلى تعزيز المبادئ الرئيسية للجمهورية ومكافحة جميع أنواع التطرف من أجل حماية حرية كل فرد في ممارسة معتقداته، من دون المساس بالقيم التي تجعلنا بلداً ديمقراطياً. وفي هذا الصدد، نحارب «النزعة الإسلامية المتطرفة» وهي إحدى الآيديولوجيات التي قد تؤدي إلى العنف، وقد عانت فرنسا وبلدان أخرى من هذا العنف، وغالباً ما يقع المسلمين أول ضحاياه. بيد أن هذه النزعة الإسلاموية المتطرفة لا تمت إلى الإسلام بصلة! فملايين المسلمين يعيشون في فرنسا ويكنّون كامل الاحترام لقوانين الجمهورية. ويخول قانون تعزيز مبادئ الجمهورية مكافحة اختراق الجمعيات، والكراهية التي تمارس على الإنترنت، وانتهاك كرامة الإنسان، فضلاً عن مكافحة الزواج القسري، وتعدد الزوجات والتمويل الخارجي، وما إلى ذلك.
> يتحدث أحد المرشحين للرئاسة في فرنسا (المرشح الشعبوي اليميني المتطرف) إريك زيمور، عن نظرية «الاستبدال العظيم». هل تتفهمين شعور المسلمين بكونهم مستهدفين؟
- إن «الاستبدال العظيم» نظرية عنصرية يمينية متطرفة، فضلاً عن كونها نظرية مؤامرة عبثية. أحارب هذا التصور منذ انخراطي في العمل السياسي، فهذه النظرية تتجاهل التاريخ الفرنسي الذي شهد موجات استيعاب متتالية. ووالد جدي مثلاً إيطالي الجنسية، وحاز على الجنسية الفرنسية. ونتحدر جميعاً من أجداد مهاجرين لأن فرنسا أمة متمازجة عظيمة. ويخلط أنصار هذه النظرية بين كل شيء، بين الدين والبلد ولون البشرة. وأن يكون المرء فرنسياً يعني أن يتحلى بالقيم عينها، قيم الجمهورية.
لقد حثّني إيماني بهذه الرؤية على تجنيس 17 ألف عامل أجنبي عملوا في الخطوط الأمامية خلال أزمة تفشي فيروس كورونا. وقد ساعد كلٌّ من المربيات وعمال الأمن والتنظيف والتجار ومقدمي الرعاية الصحية وغيرهم البلد على الصمود، مجازفين بصحتهم. وكان هذا التفاني في سبيل الجمهورية يستحق الاعتراف والتنويه به عن طريق التجنيس.
> هل تريدين توجيه رسالة للمرأة العربية بمناسبة يوم المرأة العالمي؟
- أودّ أولاً أن أوجه لها رسالة من أخت إلى أختها. إن وضعنا مختلف، ولا نواجه التحديات عينها. لكن يجب أن تتضافر جهودنا في نضالنا المشترك للنهوض بحرياتنا. وأرفع منذ خمس سنوات في فرنسا شعاراً يتمثّل في عدم التهاون مع أي شيء. لذلك أدعو النساء في جميع أنحاء العالم إلى عدم الاستسلام وإلى الإيمان في نضالهن. ومثلما قالت الصحافية والكاتبة الفرنسية فرنسواز جيرو: «إن النسوية تعني ألا نقبل لبنات غيرنا من النساء ما لا نقبله لبناتنا».


مقالات ذات صلة

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

المشرق العربي برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني بدورة أفراد الشرطة الأولى في معهد الشرطة النسائية (الداخلية السورية)

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

انطلق تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات لمعهد الشرطة النسائية السورية، ويشمل برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
صحتك الرجال غير المتزوجين كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسرطان بنسبة 70% تقريباً مقارنة بالمتزوجين سابقاً وفقاً للدراسة (أرشيفية - رويترز)

دراسة: المتزوجون أقل عرضة للإصابة بالسرطان مقارنة بغير المتزوجين

توصلت دراسة جديدة إلى أن المتزوجين أقل عرضة للإصابة بالسرطان مقارنة بمن لم يتزوجوا قط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يعرض موزع أدوية قوارير دواء مونجارو (تيرزيباتيد) في مكتبه بمدينة ثين في الهند (أ.ف.ب)

علاج هرموني يؤدي إلى فقدان وزن أكبر للنساء بعد انقطاع الطمث

أشارت دراسة جديدة إلى أن إضافة العلاج الهرموني إلى دواء شائع لعلاج السمنة قد يؤدي إلى فقدان وزن أكبر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي تعيين القيادي الكردي حجي محمد نبو المعروف باسم «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري (أرشيفية)

مسؤول سوري لـ«الشرق الأوسط»: «جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60»

أكد المتحدث باسم الفريق الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق 29 يناير مع «قسد» تعيين حجي محمد نبو المشهور بـ«جيا كوباني» معاوناً لقائد «الفرقة 60» بمحافظتَي الحسكة وحلب.

سعاد جرَوس (دمشق)

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».