مارسيلو بيلسا غيّر مسار ليدز يونايتد بالصبر والتواضع والعمل الشاق

رحيل المدرب الأرجنتيني سيترك فراغاً هائلاً ليس فقط لدى اللاعبين... لكن أيضاً في قلوب الجماهير

جماهير ليدز تحمل لافتة لمدربها السابق وهي متوجهة لمشاهدة المواجهة أمام ليستر التي انتهت بهزيمة الفريق (رويترز)
جماهير ليدز تحمل لافتة لمدربها السابق وهي متوجهة لمشاهدة المواجهة أمام ليستر التي انتهت بهزيمة الفريق (رويترز)
TT

مارسيلو بيلسا غيّر مسار ليدز يونايتد بالصبر والتواضع والعمل الشاق

جماهير ليدز تحمل لافتة لمدربها السابق وهي متوجهة لمشاهدة المواجهة أمام ليستر التي انتهت بهزيمة الفريق (رويترز)
جماهير ليدز تحمل لافتة لمدربها السابق وهي متوجهة لمشاهدة المواجهة أمام ليستر التي انتهت بهزيمة الفريق (رويترز)

بالنسبة لأي شخص بالخارج، قد يبدو عشق جمهور ليدز يونايتد للمدير الفني الأرجنتيني مارسيلو بيلسا أمرا غريبا، بل ويقترب من التعصب. لكن بالنسبة لأولئك الذين كانوا يتابعون كل تحركاته على مدار أربع سنوات مبهجة في ملعب «إيلاند رود»، فإن رحيله سيترك فراغا هائلا، ليس فقط في غرفة خلع الملابس، ولكن أيضا في قلوب عشاقه ومحبيه. هذا الفراغ الذي سيتركه رحيل المدرب الأرجنتيني ليس بسبب انتهاء أول مباراة يخوضها ليدز يونايتد في عصر ما بعد بيلسا بالخسارة 1-صفر أمام مضيفه ليستر سيتي السبت الماضي تحت قيادة المدير الفني الجديد الأميركي جيسي مارش، وإنما يعود إلى كل النجاحات التي حققها مارسيلو بيلسا مع النادي.
وفي تشيلي هناك من يُسمون أنفسهم «أرامل بيلسا». بل ويمكن العثور على المشاعر نفسها في ناديي مرسيليا وأتلتيك بيلباو، اللذين ينظران إلى الوراء إلى حقبة المدير الفني الأرجنتيني معهما بكل إعجاب وحنين واضح إلى الماضي. ولا يوجد أدنى شك في أن ليدز يونايتد هو الآخر أصبح في بداية هذه العملية المؤلمة، وسيجد صعوبة في التصالح مع الحياة في حقبة ما بعد بيلسا؛ نظرا لأن الحياة لن تعود كما كانت مرة أخرى. قد يبدو الحديث عن مدير فني في كرة القدم بمثل هذه المصطلحات المبجلة أمرًا مبالغًا فيه بعض الشيء، لكن الحقيقة هي أن ما فعله بيلسا للنادي والمدينة يتجاوز الرياضة في نواح كثيرة. إنه رجل يرى اللعبة الحديثة للشركات والجشع والغسيل الرياضي على ما هي عليه، لكنه نجح في شق طريقه وسط كل ذلك ولا يزال متمسكًا بمبادئه: الحشمة والتواضع وأخلاقيات العمل التي لا تتزعزع.


بيلسا والهزيمة أمام توتنهام بالرباعية التي أطاحته (رويترز)

لقد جعل بيلسا الجمهور يتساءل عن سبب شعوره بالانزعاج وهم يشاهدون كرة القدم في المقام الأول. هل السبب في ذلك هو البحث المستمر عن الحصول على البطولات والألقاب؟ لا يكون الأمر كذلك إلا إذا كنت تشجع ناديا من أندية النخبة. فهل يتعلق الأمر بإحراز هدف والتشبث بتحقيق نتيجة إيجابية؟ أم أن الأمر يتعلق بالمتعة والهوية وتحدي كل من يصفونك بأنك متهور؟ هذا هو السبب في أن جمهور ليدز يونايتد لا يزال يتغنى باسم بيلسا حتى بعد الأداء السيئ الذي قدمه الفريق والذي أدى إلى إقالته من منصبه في نهاية المطاف. وهذا هو السبب في أن أنصار ليدز يونايتد سيواصلون التغني باسمه لفترة طويلة بعد رحيله. ولهذا كتب لاعب خط وسط إنجلترا كالفن فيليبس رسالة إلى بيلسا مؤخرا قال فيها: «لقد رأيتم ما في داخلي وهو ما لم أره في نفسي».
من نواحٍ عديدة، يجسد صعود فيليبس كل العمل الذي قام به بيلسا. فكما كان الحال مع معظم لاعبي الفريق الذي تولى بيلسا قيادته في عام 2018، كان فيليبس يترنح ويبحث يائسا عن دور حقيقي له مع الفريق الذي كان يقبع في النصف الثاني لجدول ترتيب دوري الدرجة الأولى. كان ستيوارت دالاس لا يقدم نصف المستويات التي يقدمها الآن، وكان يُنظر إلى ماتيوز كليتش على أنه غير مفيد للفريق لدرجة أن المدير الفني السابق كان قد تخلى عنه لنادي أوتريخت على سبيل الإعارة.
وفي غضون سبعة أسابيع من التدريب قبل بداية الموسم الجديد، حوّل بيلسا هذه المجموعة من اللاعبين إلى فريق جديد تمامًا قادر على اللعب بكل سهولة وأريحية، وأصبح الفريق يقدم كرة قدم ممتعة من لمسة واحدة أو لمستين على الأكثر في جميع أنحاء الملعب، ولم يكن اللاعبون يتوقفون عن الركض طوال المباريات. لقد كان الأمر يبدو وكأن شخصا ما قد نجح أخيرا في الوصول إلى كلمة السر في ملعب «إيلاند رود»، أو كأن شخصا ما قد عثر أخيرا على مصدر التيار الكهربائي وأرسل موجة من الجهد الكهربائي إلى أدمغة وأجساد اللاعبين حتى يمكنهم اللعب بهذه القوة والشراسة. صحيح أن النادي ضم لاعبين جددا، لكن الفريق الذي يحوم حاليًا فوق منطقة الهبوط في الدوري الإنجليزي الممتاز لا يزال يضم عددا من اللاعبين الأساسيين الذين شاركوا في أول مباراة تحت قيادة بيلسا أمام ستوك سيتي في أغسطس (آب) 2018. وإذا ثبت أن الولاء هو الصفة التي أدت إلى تراجع النتائج تحت قيادة بيلسا، فمن المؤكد أنه عيب يستحق الاحتفال والثناء.
وعلى الرغم من كل صفاته التي تبدو غريبة للبعض، فإن أكثر صفة برزت في شخصية بيلسا هو التواضع الشديد. فخلال فترة تفشي وباء كورونا، وهي الفترة التي فقد فيها ليدز يونايتد العديد من أساطير النادي وواجه العالم بأسره واقعًا جديدًا مروعًا، كان من دواعي ارتياح الكثيرين أن يقود النادي رجل نزيه. وطوال فترة توليه القيادة الفنية لنادي ليدز يونايتد، لم يوجه بيلسا أي انتقاد لأي حكم، ولم يوجه اللوم لتقنية حكم الفيديو المساعد (الفار)، أو يتحدث بعبارات سلبية عن أي فرد. وعندما اتهم بيلسا بالتجسس على تدريبات خصمه ديربي كاونتي، عاتب نفسه على الملأ ودفع الغرامة التي فرضت عليه من جيبه الخاص. لقد كان رجلاً رائعاً يريد أي فريق أن يكون لديه عندما كانت الحياة خارجة عن السيطرة بسبب هذا الوباء.
لقد كان بيلسا أفضل مدير فني ممكن لليدز يونايتد في أفضل وقت ممكن. وبعد سنوات عديدة من الركود وسنوات من الضياع والغضب، أثبت المدير الفني الأرجنتيني أنه الحل المثالي لهذا النادي. وفي الأيام الأولى لولايته، كانت هناك مخاوف مستمرة من أنه قد يرحل عن النادي ببساطة، لكنه واصل العمل وتمسك بمعتقداته وأفكاره حتى بعد نهاية كارثية لموسمه الأول بعد الخسارة في مباراة الدور نصف النهائي لملحق الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز أمام ديربي كاونتي.
لقد تغير بيلسا كثيرا عما كان عليه في بداية مسيرته التدريبية عندما كان يعترض باستمرار وينزل إلى أرض الملعب. لقد كان رجلاً يعرف أن هذا قد يكون آخر اختبار لأفكاره وفلسفته، لكنه أظهر للعالم أجمع كيف يجب أن تُلعب كرة القدم. في الحقيقة، نادرًا ما يمكن أن نرى مثل هذه العلاقة القوية بين مدير فني وجمهور النادي الذي يتولى قيادته. والأكثر من أي شيء آخر هو أن بيلسا قد جعل جماهير ليدز يونايتد تحلم مرة أخرى. إن إقالته لا تعني مجرد خسارة مدير فني عبقري، بل فقدان صديق قديم!
ولعل ماقاله أندريا رادريتساني رئيس مجلس إدارة النادي يؤكد عبقرية المدرب الأرجنتيني: «كان هذا أصعب قرار اضطررت لاتخاذه خلال فترة وجودي مع ليدز يونايتد بالنظر إلى كل النجاحات التي حققها مارسيلو مع النادي». وحظي بيلسا بشعبية هائلة في ليدز بعد أن أعاد الفريق إلى دوري الكبار من خلال أداء هجومي فعال وممتع. وأضاف رادريتساني: «لقد غير (بيلسا) الثقافة في النادي ومنحنا جميعا فكر الانتصار وبالطبع ستبقى اللحظات التي صاحبت ذلك محفورة طويلا في أذهاننا أنا والجمهور... وخاصة ما حدث في موسم 2019-2020 عند الصعود للدوري الممتاز».
وأردف مسؤول النادي قائلا: «ورغم ذلك كان لابد لي من العمل من أجل حماية مصالح النادي بأفضل صورة وأعتقد أنه لابد من التغيير الآن من أجل الحفاظ على مكاننا في الدوري الممتاز. النتائج والأداء في الآونة الاخيرة كانا دون مستوى التوقعات. كان هذا أصعب قرار اضطررت لاتخاذه خلال فترة وجودي مع ليدز يونايتد بالنظر إلى كل النجاحات التي حققها مارسيلو مع النادي». وما أعلنه نادي ليدز أنه يخطط لتخليد ذكرى بيلسا في ملعبه إيلاند رود لهو خير دليل أيضا على النادي، وجماهيره ستظل تذكر بيلسا، كما فعلت أندية أخرى بجماهير مختلفة.



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.