باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

سجل فيها رحلاته لعدد من أهم دول العالم القديم

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات
TT

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

ضمن منشورات الهيئة العامة للثقافة الليبية صدر حديثا مجلد ضخم بعنوان «من مصادر التاريخ القديم... تاريخ هيرودوتوس» تضمن ترجمة للكتب التسعة من أعمال المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت، والتي تعتبر أحد أعمدة تراث الحضارة الإغريقية. ونقل المجلد عن لغته الأصلية الباحث الليبي الدكتور محمد المبروك الدويب أستاذ اللغات القديمة بقسم التاريخ والآثـار، بكلية الآداب، جامعة قاريونس، وهي أول ترجمة عربية كاملة لنص هيرودوت.
يقول الدكتور الدويب في تقديمه لهذا المجلد: «لا يعرف أحد بالضبط ما إذا كان هيرودوتوس كتب عمله دفعة واحدة أم مجزءاً، وهل قام بذلك اعتماداً على مخطط مُعد مسبقا، أم صاغه مباشرة أثناء فترات مختلفة من حياته في فصول متنوعة خصص بعضها لتاريخ بعض الشعوب، وعدد من شخصياتها المهمة».
ويلفت الدويب إلى أن هيرودوت نفسه لم يشر إلى أنه كتب «تاريخه» في مكان واحد أو أماكن متعددة، لكن أغلب الباحثين يرجحون أن العمل كُتِب مُجزءا، وهناك من يقولون إن المؤرخ الإغريقي لم يكمله، استنادا إلى أنه قطع على نفسه بعض الوعود، ولم ينجزها، وقد قسم العمل إلى تسعة كتب منح كل واحد منها اسم ربة من ربات الفنون التسع.
وأشار الباحث الليبي إلى أن هيرودوتوس قدم تاريخه في الفقرة الافتتاحية التي استهل بها عمله بقوله: «هذا هو تقديم البحث التاريخي لهيرودوتوس الهاليكارناسوسي، حتى لا تُنسى بمرور الزمن منـجزات البشر، وحتى لا تنتهي شهرة الأعمال والأعـجوبات العظيمة التي حقـقها الإغـريق والـبربر الأجانب، والسبب الذي حارب بعضهم بعضاً من أجله».
ويتحدث هيرودوت في كتابه الأول عن القوة الفارسية، وبداية العداء الفارسي ضد بلاد الإغريق، ويتعرض لفترة حكم كيروس، ومعارك الفرس ضد بابل، التي يسميها آسيرية «آشورية - آشور»، وينتقل في الكتاب الثاني إلى فترة حكم كامفيسيس «قمبيز» الذي كان يرى الأيونيين عبيداً ورثهم عن أبيه. وفي هذا الكتاب يقع الجزء المسمى «الكتاب» المصري، الذي يصف فيه البلاد وتاريخها وطبيعتها وسكانها وعاداتهم، ثم يورد في الكتاب الثالث الحملة الفارسية على مصر واحتلالها من قبل «كامفيسيس»، المعروف بـ«قمبيز»، بعد ذلك يتحدث عن حملة الأسبرطيين ضد ساموس، وفترة حكم داريوس، ثم يقدم وصفاً موجزاً للهند وأهلها.
وفي الكتاب الرابع يصف هيرودوت حرب داريوس ضد السكيثيين، ويقدم في الجزء المسمى «الكتاب» السكيثي، وصفا للبلاد والسكان وعاداتهم، ويخصص الربع الأخير منه في الفقرات من «14 - 205» للحديث عن ليبيا، ويبدأ روايته بتاريخ مدينة كيريني «قوريني» وملوكها، ثم يصف المنطقة التي كانت تسمى قديماً ليبيا، ويذكر القبائل التي كانت تسكنها، وعاداتهم وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية، وينهي ذلك بالحملة الفارسية على ليبيا وأسبابها.
وينتقل هيرودوت في الكتاب الخامس إلى الحديث عن إخضاع تراكي «تراقيا» إلى الثورة الأيونية وانتصار الإغريق في معركة الماراثون، ويصف هزيمة الفرس في الكتاب السادس، ثم يخصص الكتاب السابع لبقية تاريخ الفرس وفترة حكم كسيركسيس وحملته على بلاد الإغريق، وينتهي العمل بانسحاب الفرس المهزومين.
يقول الدويب: «رغم الانتقادات التي وُجِهت إلى هيرودوتوس وعمله، فقد ظل مصدراً أساسياً لتاريخ كثير من الشعوب والبلدان، بل إنه أحيانا يُعد المصدر الأدبي الوحيد المعاصر لكثير من الأحداث التاريخية، مما يُكسبه أهمية كبرى، تدفع الباحثين للعودة إليه والاعتماد على المعلومات التي وردت فيه»، وقد اتجهت لترجمته، حيث إنه يتسم بهذه السمات، وإن المكتبة العربية تخلو من ترجمة كاملة ومباشرة عن النص الإغريقي لأي من الكتب التسعة.
وذكر الدويب أن تاريخ هيرودوت يكتسب أهميته بفضل ما تمتع به صاحبه من ذكاء حاد وفطنة عالية وحرص في الحصول على المعلومات من مصادرها الأساسية، وذلك بفضل ما قام به من رحلات سمحت له بالتَنقل والتجوال في أغلب مناطق العالم المعروف خلال عصره، حيث قام بزيارات قصيرة وطويلة التقى خلالها بمشاهير عصره، وحدثهم واستمع إليهم، وتعرف أثناء رحلاته على كثير من الأخبار، وفحص كثيراً من المعلومات، وكون بذلك وجهة نظر خاصة به، برزت فيما جاء في عرضه لبعض الأحداث، وقد نسب بعض المعلومات التي لم يرها أو لم يصدقها إلى أصحابها مما جعل هذا العمل محل اهتمام من الباحثين.
ويؤكد الباحث والمترجم الليبي أن ترجمته لهذا الكتاب تأتي نتيجة لما لعمل هيرودوت من أهمية في تاريخ العالم القديم بشكل عام والبلاد العربية على وجه الخصوص، وذكر أنه لم يسبقه أحد إلى ترجمة الكتاب الرابع الذي نشرته جامعة قاريونس ضمن سلسلة «من مصادر التاريخ القديم» عام 2003م، ثم الكتاب الثاني عام 2006م، وأخيراً الكتاب الثالث 2019م، والذي جاء ضمن السلسلة نفسها، فكل ما قام به المترجمون العرب ينحصر في نقل بعض الفقرات المحدودة المتعلقة بأقاليم معينة، وقد قاموا بذلك في الغالب عن اللغات الأوروبية الحديثة، دون اللجوء إلى النص الأصلي المكتوب باللغة اليونانية القديمة، وهو ما جعل هذه الترجمات بعيدة عن النص الأصلي في كثير من الأحيان بسبب التغيير الذي حدث أكثر من مرة أثناء الترجمة من لغة إلى أخرى.
ويضيف الدويب أن محاولة ترجمة أي عمل لا سيما من المصادر القديمة تُـعد مهمة شاقة جدا، ولا بد أن تخرج في النهاية بشيء من النقص أو القصور، لأنها تعتمد على مجموعة مقومات ومعطيات في مقدمتها فهم المترجم للنص الأصلي ودرايته بثقافة العصر الذي كُتِب فيه وفهمه للموضوع الذي يتناوله، وما يتمتع به المترجم من معرفة بالقواعد النحوية والأساليب البلاغية في اللغة المصدر (التي يترجم منها) واللغة الهدف (التي يترجم إليها) وهي مواصفات قل أن تُتاح لإنسان واحد.
من أجل هذا، عزم الدويب على نقل تاريخ هيرودوت كاملاً إلى العربية ليكمل حلقات السلسلة التي بدأها بالكتاب الرابع ثم الثاني والثالث مساهمة منه في إثراء المكتبة التاريخية العربية بهذه المصادر المهمة وتسهيلاً لمهمة الباحثين الذين يحتاجون للعودة إلى مصادر التاريخ القديم الأصلية. وقد كانت مهمة ترجمته، حسب قوله، لهذا الأجزاء شبيهة بسابقاتها في الصعوبة، وقد بذل فيها جهداً مضنياً، وحاول قدر الإمكان تقديمها في ثوب يشبه ثوبها الأصلي في الجمال والروعة، وربما كان ذلك أمراً عسيراً في بعض الأحيان لأسباب متعددة، منها أن العمل مليء بالجمل والتراكيب الغامضة التي تحتمل أكثر من تفسير، فضلاً عن الأسماء والمصطلحات التي لم تعد مستعملة، وقد دفعه ذلك إلى تغيير أسلوب بآخر أو استخدام زمن مكان آخر أو اللجوء إلى صيغة في التعبير بديلا عن أخرى، وغير ذلك من حالات التعديل النحوية بهدف الخروج بنص عربي سليم قريب من الأصل قدر الإمكان.
من هنا كانت حاجة المترجم ماسة للعودة لكتب قواعد اللغة الإغريقية ومعاجم اللغات القديمة (الإغريقية واللاتينية) والإنجليزية والإيطالية واليونانية الحديثة والعربية، كما استعان ببعض الموسوعات والمراجع المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا والرحلات والفلسفة والآداب والعلوم التطبيقية المتنوعة بحثاً عن تفسير صحيح لمصطلح أو ظاهرة أو للتعرف على اسم مكان أو أداة أو حيوان، كما لجأ إلى بعض المختصين في فروع المعرفة المختلفة لاستيضاح غموض حادثة ما أو للتعرف على أمرٍ مجهول، وذلك حتى يفهم النص محل الترجمة، ويكشف حقيقته للقارئ، وقد قام الدويب من أجل توضيح بعض الأشياء الغامضة في النصوص الأصلية، بوضع هوامش وتعليقات موجزة كلما وجد ذلك ضرورياً، كما أحال قراءه إلى بعض المراجع المتخصصة حال رغبتهم في الاستزادة، وقد بذل في ذلك جهداً كبيراً بسبب الاختلاف والتباين في المواضيع التي يتناولها النص الأصلي والهوامش الملحقة به.
واعتمد الدويب في ترجمة تاريخ هيرودوت على النص الأصلي المنشور باللغة الإغريقية ضمن منشورات جامعة أكسفورد، لما يتمتع به من دقة في التحقيق ووفرة في المخطوطات، الأمر الذي يجعل ترجمته أقرب من غيرها إلى النص الأصلي الذي كتبه هيرودوتوس، وقد احتفظ بصيغ أسماء الأعلام والأماكن والشعوب والقبائل وغيرها، ووضعها على حالها وصورتها في اللغة الإغريقية، ورسمها بالعربية وفقاً للنطق الذي رآه صحيحا، كما أورد النطق الشائع لها في العربية بين قوسين هلالين، وأوضح الغموض الوارد في النص بتفسير منه، وضعه بين قوسين مربعين، أمـا ما ورد في النص الأصلي بين قوسين أو في جملة اعتراضية فقد جعله بين مثلثين، وتسهيلا على من يريد العودة إلى معاجم الأماكن أو الموسوعات المتوفرة في اللغات الأوروبية رسم الدكتور الدويب الأسماء بالحروف الإغريقية واللاتينية، كما وضع في نهاية العمل كشـافاً للأعلام والأماكن الأكثر ذكراً في الترجمة لمساعدة الباحثين في الوصول بسرعة إلى الفقرات التي يبحثون عنها.
يقول الديب لـ«الشرق الأوسط» عن ظروف ترجمة الكتاب ونشره: «بدأت مهمة البحث عن ناشر يتكفل بطباعة العمل، وقد تمنيتُ أن تستمر هذه السلسلة ضمن منشورات جامعتي التي أحببتها (قاريونس) وقضيتُ فيها أربعة عقود بين دراسة وتدريس، لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ إن حركة النشر فيها لم تعد مختلفة عن غيرها من الجامعات الليبية، ولذلك اضطررتُ أن أعلن على حسابي الشخصي في (الفيسبوك) أنني أبحث عن أي جامعة ليبية أو عربية أو مؤسسة حكومية تنشر العمل وقد وقع اختياري على الهيئة العامة للثقافة الليبية لقدرتها على إخراج الترجمة بما يليق بأهميتها والجهد المبذول فيها.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended