باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

سجل فيها رحلاته لعدد من أهم دول العالم القديم

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات
TT

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

باحث ليبي يقدم الترجمة الكاملة لنص هيرودوت الأصلي في 9 مجلدات

ضمن منشورات الهيئة العامة للثقافة الليبية صدر حديثا مجلد ضخم بعنوان «من مصادر التاريخ القديم... تاريخ هيرودوتوس» تضمن ترجمة للكتب التسعة من أعمال المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت، والتي تعتبر أحد أعمدة تراث الحضارة الإغريقية. ونقل المجلد عن لغته الأصلية الباحث الليبي الدكتور محمد المبروك الدويب أستاذ اللغات القديمة بقسم التاريخ والآثـار، بكلية الآداب، جامعة قاريونس، وهي أول ترجمة عربية كاملة لنص هيرودوت.
يقول الدكتور الدويب في تقديمه لهذا المجلد: «لا يعرف أحد بالضبط ما إذا كان هيرودوتوس كتب عمله دفعة واحدة أم مجزءاً، وهل قام بذلك اعتماداً على مخطط مُعد مسبقا، أم صاغه مباشرة أثناء فترات مختلفة من حياته في فصول متنوعة خصص بعضها لتاريخ بعض الشعوب، وعدد من شخصياتها المهمة».
ويلفت الدويب إلى أن هيرودوت نفسه لم يشر إلى أنه كتب «تاريخه» في مكان واحد أو أماكن متعددة، لكن أغلب الباحثين يرجحون أن العمل كُتِب مُجزءا، وهناك من يقولون إن المؤرخ الإغريقي لم يكمله، استنادا إلى أنه قطع على نفسه بعض الوعود، ولم ينجزها، وقد قسم العمل إلى تسعة كتب منح كل واحد منها اسم ربة من ربات الفنون التسع.
وأشار الباحث الليبي إلى أن هيرودوتوس قدم تاريخه في الفقرة الافتتاحية التي استهل بها عمله بقوله: «هذا هو تقديم البحث التاريخي لهيرودوتوس الهاليكارناسوسي، حتى لا تُنسى بمرور الزمن منـجزات البشر، وحتى لا تنتهي شهرة الأعمال والأعـجوبات العظيمة التي حقـقها الإغـريق والـبربر الأجانب، والسبب الذي حارب بعضهم بعضاً من أجله».
ويتحدث هيرودوت في كتابه الأول عن القوة الفارسية، وبداية العداء الفارسي ضد بلاد الإغريق، ويتعرض لفترة حكم كيروس، ومعارك الفرس ضد بابل، التي يسميها آسيرية «آشورية - آشور»، وينتقل في الكتاب الثاني إلى فترة حكم كامفيسيس «قمبيز» الذي كان يرى الأيونيين عبيداً ورثهم عن أبيه. وفي هذا الكتاب يقع الجزء المسمى «الكتاب» المصري، الذي يصف فيه البلاد وتاريخها وطبيعتها وسكانها وعاداتهم، ثم يورد في الكتاب الثالث الحملة الفارسية على مصر واحتلالها من قبل «كامفيسيس»، المعروف بـ«قمبيز»، بعد ذلك يتحدث عن حملة الأسبرطيين ضد ساموس، وفترة حكم داريوس، ثم يقدم وصفاً موجزاً للهند وأهلها.
وفي الكتاب الرابع يصف هيرودوت حرب داريوس ضد السكيثيين، ويقدم في الجزء المسمى «الكتاب» السكيثي، وصفا للبلاد والسكان وعاداتهم، ويخصص الربع الأخير منه في الفقرات من «14 - 205» للحديث عن ليبيا، ويبدأ روايته بتاريخ مدينة كيريني «قوريني» وملوكها، ثم يصف المنطقة التي كانت تسمى قديماً ليبيا، ويذكر القبائل التي كانت تسكنها، وعاداتهم وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية، وينهي ذلك بالحملة الفارسية على ليبيا وأسبابها.
وينتقل هيرودوت في الكتاب الخامس إلى الحديث عن إخضاع تراكي «تراقيا» إلى الثورة الأيونية وانتصار الإغريق في معركة الماراثون، ويصف هزيمة الفرس في الكتاب السادس، ثم يخصص الكتاب السابع لبقية تاريخ الفرس وفترة حكم كسيركسيس وحملته على بلاد الإغريق، وينتهي العمل بانسحاب الفرس المهزومين.
يقول الدويب: «رغم الانتقادات التي وُجِهت إلى هيرودوتوس وعمله، فقد ظل مصدراً أساسياً لتاريخ كثير من الشعوب والبلدان، بل إنه أحيانا يُعد المصدر الأدبي الوحيد المعاصر لكثير من الأحداث التاريخية، مما يُكسبه أهمية كبرى، تدفع الباحثين للعودة إليه والاعتماد على المعلومات التي وردت فيه»، وقد اتجهت لترجمته، حيث إنه يتسم بهذه السمات، وإن المكتبة العربية تخلو من ترجمة كاملة ومباشرة عن النص الإغريقي لأي من الكتب التسعة.
وذكر الدويب أن تاريخ هيرودوت يكتسب أهميته بفضل ما تمتع به صاحبه من ذكاء حاد وفطنة عالية وحرص في الحصول على المعلومات من مصادرها الأساسية، وذلك بفضل ما قام به من رحلات سمحت له بالتَنقل والتجوال في أغلب مناطق العالم المعروف خلال عصره، حيث قام بزيارات قصيرة وطويلة التقى خلالها بمشاهير عصره، وحدثهم واستمع إليهم، وتعرف أثناء رحلاته على كثير من الأخبار، وفحص كثيراً من المعلومات، وكون بذلك وجهة نظر خاصة به، برزت فيما جاء في عرضه لبعض الأحداث، وقد نسب بعض المعلومات التي لم يرها أو لم يصدقها إلى أصحابها مما جعل هذا العمل محل اهتمام من الباحثين.
ويؤكد الباحث والمترجم الليبي أن ترجمته لهذا الكتاب تأتي نتيجة لما لعمل هيرودوت من أهمية في تاريخ العالم القديم بشكل عام والبلاد العربية على وجه الخصوص، وذكر أنه لم يسبقه أحد إلى ترجمة الكتاب الرابع الذي نشرته جامعة قاريونس ضمن سلسلة «من مصادر التاريخ القديم» عام 2003م، ثم الكتاب الثاني عام 2006م، وأخيراً الكتاب الثالث 2019م، والذي جاء ضمن السلسلة نفسها، فكل ما قام به المترجمون العرب ينحصر في نقل بعض الفقرات المحدودة المتعلقة بأقاليم معينة، وقد قاموا بذلك في الغالب عن اللغات الأوروبية الحديثة، دون اللجوء إلى النص الأصلي المكتوب باللغة اليونانية القديمة، وهو ما جعل هذه الترجمات بعيدة عن النص الأصلي في كثير من الأحيان بسبب التغيير الذي حدث أكثر من مرة أثناء الترجمة من لغة إلى أخرى.
ويضيف الدويب أن محاولة ترجمة أي عمل لا سيما من المصادر القديمة تُـعد مهمة شاقة جدا، ولا بد أن تخرج في النهاية بشيء من النقص أو القصور، لأنها تعتمد على مجموعة مقومات ومعطيات في مقدمتها فهم المترجم للنص الأصلي ودرايته بثقافة العصر الذي كُتِب فيه وفهمه للموضوع الذي يتناوله، وما يتمتع به المترجم من معرفة بالقواعد النحوية والأساليب البلاغية في اللغة المصدر (التي يترجم منها) واللغة الهدف (التي يترجم إليها) وهي مواصفات قل أن تُتاح لإنسان واحد.
من أجل هذا، عزم الدويب على نقل تاريخ هيرودوت كاملاً إلى العربية ليكمل حلقات السلسلة التي بدأها بالكتاب الرابع ثم الثاني والثالث مساهمة منه في إثراء المكتبة التاريخية العربية بهذه المصادر المهمة وتسهيلاً لمهمة الباحثين الذين يحتاجون للعودة إلى مصادر التاريخ القديم الأصلية. وقد كانت مهمة ترجمته، حسب قوله، لهذا الأجزاء شبيهة بسابقاتها في الصعوبة، وقد بذل فيها جهداً مضنياً، وحاول قدر الإمكان تقديمها في ثوب يشبه ثوبها الأصلي في الجمال والروعة، وربما كان ذلك أمراً عسيراً في بعض الأحيان لأسباب متعددة، منها أن العمل مليء بالجمل والتراكيب الغامضة التي تحتمل أكثر من تفسير، فضلاً عن الأسماء والمصطلحات التي لم تعد مستعملة، وقد دفعه ذلك إلى تغيير أسلوب بآخر أو استخدام زمن مكان آخر أو اللجوء إلى صيغة في التعبير بديلا عن أخرى، وغير ذلك من حالات التعديل النحوية بهدف الخروج بنص عربي سليم قريب من الأصل قدر الإمكان.
من هنا كانت حاجة المترجم ماسة للعودة لكتب قواعد اللغة الإغريقية ومعاجم اللغات القديمة (الإغريقية واللاتينية) والإنجليزية والإيطالية واليونانية الحديثة والعربية، كما استعان ببعض الموسوعات والمراجع المتعلقة بالتاريخ والجغرافيا والرحلات والفلسفة والآداب والعلوم التطبيقية المتنوعة بحثاً عن تفسير صحيح لمصطلح أو ظاهرة أو للتعرف على اسم مكان أو أداة أو حيوان، كما لجأ إلى بعض المختصين في فروع المعرفة المختلفة لاستيضاح غموض حادثة ما أو للتعرف على أمرٍ مجهول، وذلك حتى يفهم النص محل الترجمة، ويكشف حقيقته للقارئ، وقد قام الدويب من أجل توضيح بعض الأشياء الغامضة في النصوص الأصلية، بوضع هوامش وتعليقات موجزة كلما وجد ذلك ضرورياً، كما أحال قراءه إلى بعض المراجع المتخصصة حال رغبتهم في الاستزادة، وقد بذل في ذلك جهداً كبيراً بسبب الاختلاف والتباين في المواضيع التي يتناولها النص الأصلي والهوامش الملحقة به.
واعتمد الدويب في ترجمة تاريخ هيرودوت على النص الأصلي المنشور باللغة الإغريقية ضمن منشورات جامعة أكسفورد، لما يتمتع به من دقة في التحقيق ووفرة في المخطوطات، الأمر الذي يجعل ترجمته أقرب من غيرها إلى النص الأصلي الذي كتبه هيرودوتوس، وقد احتفظ بصيغ أسماء الأعلام والأماكن والشعوب والقبائل وغيرها، ووضعها على حالها وصورتها في اللغة الإغريقية، ورسمها بالعربية وفقاً للنطق الذي رآه صحيحا، كما أورد النطق الشائع لها في العربية بين قوسين هلالين، وأوضح الغموض الوارد في النص بتفسير منه، وضعه بين قوسين مربعين، أمـا ما ورد في النص الأصلي بين قوسين أو في جملة اعتراضية فقد جعله بين مثلثين، وتسهيلا على من يريد العودة إلى معاجم الأماكن أو الموسوعات المتوفرة في اللغات الأوروبية رسم الدكتور الدويب الأسماء بالحروف الإغريقية واللاتينية، كما وضع في نهاية العمل كشـافاً للأعلام والأماكن الأكثر ذكراً في الترجمة لمساعدة الباحثين في الوصول بسرعة إلى الفقرات التي يبحثون عنها.
يقول الديب لـ«الشرق الأوسط» عن ظروف ترجمة الكتاب ونشره: «بدأت مهمة البحث عن ناشر يتكفل بطباعة العمل، وقد تمنيتُ أن تستمر هذه السلسلة ضمن منشورات جامعتي التي أحببتها (قاريونس) وقضيتُ فيها أربعة عقود بين دراسة وتدريس، لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، إذ إن حركة النشر فيها لم تعد مختلفة عن غيرها من الجامعات الليبية، ولذلك اضطررتُ أن أعلن على حسابي الشخصي في (الفيسبوك) أنني أبحث عن أي جامعة ليبية أو عربية أو مؤسسة حكومية تنشر العمل وقد وقع اختياري على الهيئة العامة للثقافة الليبية لقدرتها على إخراج الترجمة بما يليق بأهميتها والجهد المبذول فيها.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.