مؤتمر «القرائية للجميع» يطالب بتغيير مناهج اللغة العربية جذريًا

مؤتمر «القرائية للجميع» يطالب بتغيير مناهج اللغة العربية جذريًا

منظمة اليونيسكو تبنت المصطلح وعنت به القراءة واستخدامها في الحياة اليومية
الأحد - 15 رجب 1436 هـ - 03 مايو 2015 مـ
اللغوي عبد القادر الفاسي الفهري في مداخلته ({الشرق الأوسط})

ليس مبالغة القول إن مؤتمر «القرائية للجميع»، الذي عقد في المنامة الأسبوع الماضي، لمناقشة معضلة ضعف تعليم اللغة العربية، واستمر ليومين، نجا مما تقع به غالبية المؤتمرات المخصصة لهذا الموضوع، ألا وهو الإنشاء. وإن لم يتمكن المؤتمرون، وهم في غالبيتهم الساحقة من المدرسين والأساتذة الجامعيين ومسؤولي البرامج التربوية في بلادهم، من حل المشكلة التي مضت عليها عقود، فإنهم ربما وضعوا لبنة مهمة، بمشاركة الجهات المنظمة، أي «مشروع عربي 21» التابع لـ«مؤسسة الفكر العربي» و«الجمعية العربية للقراءة (تارا)» في مجال الإضاءة على الخيارات الممكنة.

لم تخف المشرفة على المؤتمر، د.هنادا طه، وهي القائمة بأعمال عميد كلية البحرين للمعلمين، أن هدف المؤتمر هو أن ينغمس المجتمعون في مفهوم «القرائية»، وشرحه والإفادة منه. وهو ما فعلته بنفسها، معترفة بأنه مصطلح لا يزال غامضًا بالنسبة لكثيرين. و«القرائية» التي حاول أن يقدمها القيمون على المؤتمر كحل القصد منها الابتعاد عن النحو والصرف كمنطلق لتعليم اللغة، والاعتماد على كل أنواع النصوص، وبغزارة، كسبيل لتعلم الفكر والتحليل كما القراءة والإملاء وقواعد اللغة. على اعتبار أن الهدف من العربية وغيرها من اللغات هو تسيير الحياة والتعبير عن الذات، وتحقيق التطور. وبدا أن بعض المداخلات كانت نظرية بحتة، مثل تلك التي كانت للعالم اللغوي المغربي المعروف د. عبد القادر الفاسي الفهري، الذي اعتبر أن اللغات عمومًا لها خلفيات آيديولوجية، وتحدث عن الإنجليزية والفرنسية ومساراتهما التاريخية وإقصائهما للهجات واللغات الأخرى، فيما اعتبر العربية لغة ليست لها خلفية آيديولوجية، وأنها كانت تاريخيا جامعة، متسامحة رحبة الصدر.

ولم يتردد الدكتور الفهري في أن يطلب من الحضور أن يتسامحوا مع الأخطاء النحوية، قائلا «إن اللغة تعيش بأخطائها، ولو بقيت الإنجليزية بيد الإنجليز الذين يحتسبون الأخطاء اللغوية لما انتشرت في العالم، لكنها وجدت ازدهارها بفضل الأميركيين الذين يهتمون بأن يفهموا المتكلم لا أن يصححوا له أخطاءه». ومن ضمن المداخلات النظرية أيضًا تلك التي قدمها محمد المومني، وهو محاضر بكلية البحرين للمعلمين، حول أدب الطفل في «موصولاته الجمالية والعرفانية»، وهو عنوان في حد ذاته كان يحتاج إلى توضيح بالنسبة للمعلمين الحاضرين. لكن المومني كان أكثر وضوحًا في خلاصاته، حيث اعتبر أن «الأدب المقدم للأطفال هو أدب كهول، وأن المقاربات لا تزال هي ذاتها منذ الاستقلال، ولا بد من تقديم أدب يرى الطفل نفسه فيه، وهذا حقه علينا، كما أننا يجب أن نعتني بتقديم أدب لأطفالنا يعتني بجمالية الحياة لا الموت».

سامي رحموني، محاضر في كلية البحرين للمعلمين، خصص محاضرته للتعريف بمصطلح «القرائية»، وهذا ما كان يحتاجه الحضور، حيث قال إن منظمة اليونيسكو أخذت المصطلح عام 1992، وأرادت به القراءة واستخدامها في الحياة اليومية وتوسيع المعارف والقدرات، ثم استقر التعريف في السنوات الأخيرة على فهم المكتوب كما يحتاجه المجتمع، أي بناء على الدلالة ومهارة الانخراط في المدرسة وخارجها. ولفت رحموني إلى تغير متواصل في معنى القراءة، بفعل النص الإنترنتي المترابط، بحيث صارت لهذا النص أنواع جديدة مثل التوريق والتوليف، وبالتالي فعل القراءة نفسه قد تغير. وبالتالي فتغيير المناهج وتطبيق القرائية يحتاج أستاذًا جديدًا، يعرف كيف يجعل المكتبة امتدادًا للصف، وكيف يعتمد النص الإلكتروني للتدريس. وشبه رحموني المعرفة الفاخرة بحياكة سجادة فاخرة، لا تستمد قيمتها من الخيوط التي تحاك بها وإنما من الأيدي التي تحكم حبكها.

المعلمون الذين لم يعجبهم كثيرًا هذا الجانب النظري، وجاءوا يريدون معرفة ما يجب فعله بشكل عملي في صفوفهم، وجدوا ضالتهم، في بعض ورش العمل التي أتت مطابقة لتطلعاتهم. في إحدى القاعات كان يمكنك أن تلحظ اكتظاظًا حول هالة صادق، المستشارة التربوية، التي سبق لها أن درّست استراتيجيات القراءة والاستماع. مع جمهورها الغفير، كانت تحاول أن تقدم طريقة عملية لكتابة نص، شيق وبليغ لا يخلو من بساطة ودقة. كيف تنطلق شرارة الفكرة؟ كيف نحث التلميذ على اختيار المفردة الدقيقة، والتمييز بين الجيد والأفضل؟ ما السبيل لتحسين أداء التلاميذ وشحذ مخيلتهم؟ كل هذا كان مقرونًا بخريطة واضحة لخطة العمل. ثم وزعت المدربة ورقة فيها جدول حول آليات تقييم التعبير الكتابي، كما أنها أرشدت الحضور إلى مواقع على الإنترنت مساعدة في هذا المجال، وموقع يقدم النحو بطريقة مبسطة.

جاء المعلمون، إذن، يريدون وصفة عملية، وجدوها في بعض الورش. النقاش الجانبي يوضح كم أن أستاذ العربية يشعر بالأرق لأنه يرى مدى التقصير، دون أن يعرف السبيل إلى سد الثغرات. بعضهم كان يسأل كيف له أن يتعلم تطبيق القرائية مع تلاميذه.. وما السبيل إلى تطبيقها ما دام الأستاذ مرتبطًا بمنهج يجب عليه الالتزام به.. وهو بالتالي ليس حرًا في تدريس ما يشاء، وكما يشاء، مهما بلغت رغبته في التطوير. وهذا ما تحدثت عنه مريم الهاشمي، رئيسة قسم المناهج الوطنية في أبوظبي والعين، وهي تشرح كيف تم تطبيق منهج القرائية في عدد من المدارس، وأتت بنتائج مذهلة، لكن كان لا بد لهذه التجربة أن تتوقف مع ضرورة الالتزام بالمنهاج، والوصول بجميع التلاميذ إلى الامتحان بصيغته التقليدية.

إذن العمل يجب أن يبدأ من رأس الهرم، من الوزارات التي يفترض أن تأخذ على عاتقها عمل انقلاب جذري على المناهج العتيقة التي لم تعد تصلح لمواجهة الزمن. الدكتورة سالي التركي، التي تعمل منذ أربعين سنة في مجالات تنمية التعليم لا سيما في مدارس الظهران الأهلية، أرادت أن تقدم نموذجًا حيًا، من خلال كلامها عن خوفها على حفيدها خالد الذي لا يزال في شهره الخامس، والذي سينهي دراسته عام 2040، متسائلة عن نوعية الحياة التي يجب أن نعده لها، وما شكلها، وأي تعليم يحتاجه اليوم. وذكرت د.سالي أن «الإجابة ليست بديهية، لأن 60 في المائة من الوظائف التي ستكون موجودة عام 2030 لم تولد بعد، و50 في المائة من الوظائف الحالية ستكون قد اختفت، وخالد قد تمتد حياته إلى 120 سنة بحسب التوقعات الطبية والعلمية. وبالتالي فما نعرفه عن مستقبل أحفادنا، وكيف يجب أن نعدهم لمواجهة الحياة، هو في جزء كبير منه لا يزال مجهولا، لهذا علينا أن نعلمهم التفكير النقدي والقراءة النقدية، وأن نزودهم بمهارات التعليم الذاتي الذي سيضطرون لممارسته طوال حياتهم، إضافة إلى تعليمهم المرونة وسعة الحيلة، والقراءة بين السطور».

تطبيق القرائية يستلزم أيضًا، كما شرحت المشرفة على المؤتمر د.هنادا طه، أمرين رئيسيين.. أولا: تبنّي فلسفة تعليمية تقوم على المعايير الموحدة، بمعنى أن باستطاعة كل طالب، وبصرف النظر عن بيئته ومستواه الاجتماعي، ومستوى مدرسته، أن يتساوى مع الآخرين في ما يتعلمه كمًا ونوعًا، بحيث نصل إلى ما سمته «المساواة التعليمية». أما الأمر الثاني فهو ضرورة تغيير الدور الذي تلعبه اللغة العربية كحاجة قومية، بإخراجها من «علبة النحو والصرف والبلاغة والشعر إلى مهارات القراءة والتحليل في مواضيع شتى». وقالت الدكتورة طه «لدينا الخيار نحن المعلمين أن نخرج أسوأ وأحسن ما في طلابنا. التعلم ليس مهنة محايدة، ولا مهنة يأس.. إنه مهنة أمل وعدالة، مهنة الفلاسفة والأولياء، والمعايير هي أول الطريق».


اختيارات المحرر

فيديو