ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

كانت ممرضة الشاعر قبل أن تصبح ملهمته ورفيقة سنواته الأخيرة

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا
TT

ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا

شوقي بزيع

«ماتيلدا، اسم حجر أو نبتة أو نبيذ
في صيف اسمكِ تتفجر حبات الليمون
على هذا الاسم ترحل راكضة سفن الغابات
آه لهذا الاسم المكتشَف تحت زهرة ليلكٍ أرجوانية
اسم شبيه بمدخل نفقٍ مجهول
متصلٍ خفية بجميع طيوب العالم».

بهذه الأبيات المفعمة بالرقة والافتتان يستهل الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا، ديوانه الشعري «مائة قصيدة حب»، الذي يهديه لـ«الفؤوس وحب ماتيلدا والقرنفل»، محملاً إياه كل ما جاشت به نفسه من مشاعر إزاء المرأة التي رأى فيها نسخة رمزية مصغرة عن وطنه الأم، وواحدة من اللقى الثمينة التي أتيح له أن يزيح النقاب عن جمالها المخبوء في مناجمه المعتمة.
على أن الصورة الزاهية لذلك الحب، كما لغيره من علاقات نيرودا العاطفية لن يعثر عليها القارئ في سيرته النثرية، التي نشرها الشاعر تحت عنوان «أعترف أنني قد عشت»، بل في قصائده ودواوينه ونتاجه الشعري الوافر. والواقع أن سيرة نيرودا الذاتية، هي واحدة من أفضل السير وأكثرها تشويقاً، لما تتمتع به من صدق تعبيري وجماليات أسلوبية تلقائية واحتفاء عارم بالحياة. فعبر ما يزيد عن المئات الخمس من الصفحات نتعرف نحن القراء على الطفولة الغنية ذات البعد المشهدي الشاسع، لصاحب «حجارة تشيلي» الذي ولد في قرية بارال مطالع القرن الفائت، والذي قدر له أن يفقد أمه روسا باسولاتو بعد أسابيع معدودة من ولادته، ليترعرع في عهدة أب بسيط يعمل في سكة الحديد، وزوجة أب بالغة الحنو. وحيث لم يُظهر الأب أي حماس يُذكر إزاء موهبة ابنه الشعرية المبكرة، فقد اختار ريكاردو نيفتالي رييس، أن يتخلى عن اسمه الأصلي لينشر بكورته الشعرية تحت اسم بابلو نيرودا، الذي سيلازمه بعد ذلك إلى الأبد. وليس بالأمر المستغرب أن يُفرد الشاعر صفحات كثيرة من مذكراته للتحدث عن تلك العوالم الساحرة التي تبلورت في كنفها موهبته الفريدة، حيث تتشابك القمم الثلجية العاصفة مع حمم البراكين، وسط حقول الطين المتشققة، و«قطرات المطر التي فُصدت من الشرايين، والغابة الطولية الهائلة التي تنتهي عند أطرافها حدود الكوكب السيار». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والفضول ورغبة التعرف إلى العالم، لم يتوان إثر تعيينه قنصلاً في السلك الدبلوماسي، عن السفر إلى الأطراف الشرقية للأرض، كقنصل لبلاده في كل من بورما وسيلان وسنغافورة، قبل أن يتم تعيينه في بيونس آيرس في وقت لاحق. على أن من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الفعلي الذي يقف وراء العدد القليل من الصفحات التي يخصصها نيرودا للحديث عن حياته الزوجية والعاطفية، في حين أن الحيز الأكبر من السيرة قد توزع بين الحديث عن النشأة وأدب الرحلات والعمل الدبلوماسي والانتماء العقائدي وملحمة الهروب من التشيلي في أزمنة الاستبداد، إضافة إلى كل ما يتعلق بالشعر والثقافة والفن في الأرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين. لا بل إن الشاعر المعروف بنزوعه الشهواني وتعلقه بالحياة، آثر أن يخصص لوصف الأطعمة والأطباق التي تذوقها عبر العالم، أضعاف ما خصصه من الصفحات للحديث عن زوجاته الثلاث ومغامراته العاطفية الكثيرة.
وفي اعتقادي أن الأمر ليس عائداً إلى خجل الشاعر الفطري الذي خصص للحديث عنه صفحات عدة من سيرته، مشيراً إلى أنه ظل لفترة من حياته يعاني من الارتباك واحمرار الوجه في حضور النساء، لأنه كان قد تخلص من تلك العقدة لدى كتابته لمذكراته، بل إلى كون السيرة قد كُتبت في ظل الصعود المتعاظم للآيديولوجيا الماركسية، حيث اعتبر الحديث عن الحب والهموم الشخصية، في ظل أوضاع التشيلي المتفاقمة، والاستقطاب العقائدي الحاد بين طرفي العالم، نوعاً من «الميوعة» أو الترف البورجوازي الزائد. وهو ما ترجمه صاحب «إسبانيا في القلب» بشكل واضح عبر رده على الذين يطالبونه بالإكثار من شعر الحب ووصف الطبيعة، بالقول «تعالوا انظروا الدم في الشوارع »، أو قوله في مكان آخر:
عندما أفتح نافذتي في الصباح
فأرى قتيلاً وأرى وردة
أليس من المخجل أن أتجاهل القتيل وأكتب عن الوردة؟

أما السبب الآخر لتقشف نيرودا في الإفصاح السردي عن حياته العاطفية، فيعود إلى كونه قد ترك تلك المهمة الحساسة في عهدة شعره المتفرد، الذي يمتلك، بوصفه لغة الإشارة والإيماء، أكثر من النثر القدرة على التعبير عن فوراناته الداخلية ومشاعره المحتدمة. وهو ما أكدته على نحو جلي، مجموعات شديدة التميز، من مثل «عشرون قصيدة حب وقصيدة يائسة» و«أغاني القبطان» و«مائة قصيدة حب» و«سيف اللهب» وغيرها.
ومع ذلك، فإن نيرودا في سيرته لم يتوان عن إطلاعنا، وبطرافة لافتة، على بعض صولاته الغرامية العابرة، من مثل علاقته بخوسيه بليس التي التقى بها في بورما، ثم أغرمت به إلى حد مطاردته بالمسدس وتهديده بالقتل، بعد أن ساورتها الشكوك بخيانته لها، أو مثل الشاعرة الشابة التي التقاها في بيونس أيرس أثناء سهرة عامرة، وبحضور غارسيا لوركا، قبل أن يستدرجها إلى أعلى المبنى طالباً من هذا الأخير أن يتولى حراسة ذلك اللقاء الساخن. كما تصل روح الدعابة عند الشاعر إلى ذروتها، لدى حديثه عن المرأة التي التقاها في سنغافورة، ثم طلب منها أن تهديه قطعة من ملابسها ممهورة بتوقيعها الشخصي. كما أن نيرودا، الذي اضطر إلى بيع بذلته وساعة يده لكي يدفع لناشره الجشع كلفة مجموعته الأولى «شفقيات»، يعترف لدى سؤاله عن الملهمة الحقيقية لديوانه الثاني «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» بأنه مدين في هذا الديوان لملهمات ثلاث، تداخلت وجوههن الغضة مع اللوحات المتداخلة للطبيعة التشيلية ذات الجمال الأخاذ.
يقر نيرودا في سيرته بأن زواجه الأول من ماريا أغينار، الهولندية المقيمة في جاوا الإندونيسية، كان ناجماً عن شعوره الداهم بالوحدة لدى عمله قنصلاً لبلاده في الملايو، وفي محاولة مخاتلة لتلافي الإساءة المباشرة إلى زوجته، ينسب إلى كاتبة سيرته مارغريتا أغيرا قولها عن تلك المرأة «إن ما لم تستطع تعلمه خلال وجودهما معاً لم يقتصر على اللغة الإسبانية وحدها». ثم تضيف قائلة: «كانت طويلة جداً وبطيئة ومتكلفة الرصانة». ومع أن نيرودا الذي وضع بعد سنوات قليلة حداً نهائياً لهذا الزواج البائس، لم يشر في مذكراته إلى أي أمر يتعلق بحمْل زوجته أو إنجابها، إلا أن ذلك لم يمنع البروفسور التشيلي ديفيد سخلدلوفسي من التأكيد قبل سنوات قليلة، على أن أغينار أنجبت منه طفلة مريضة أسمياها مالفا، لم يعترف بها الشاعر بسبب إعاقتها وتركها مع والدتها إلى مصير مجهول. وهو الزعم الذي استندت إليه الكاتبة الهولندية هاخر بيترز في تأليفها لروايتها «مالفا» التي تحمل اسم الطفلة، والتي وفر لها موضوعها الصادم وغير المتوقع، الكثير من الرواج وذيوع الصيت.
وفي منتصف الأربعينات يلتقي نيرودا، أثناء وجوده في المكسيك، بالرسامة الأرجنتينية ديليا كاريل، التي شده إليها التزامها العقائدي وسعة ثقافتها، فيقرر الارتباط بها رغم أنها تكبره بخمسة عشر عاماً. وإذ لم يكن مقدراً للزواج الجديد أن يجد له مآلات مختلفة عن سابقه، حيث الأول أفسده التسرع الناجم عن الشعور بالوحشة، والثاني أفسدته برودة العاطفة «المعقلنة»، يتعرف الشاعر عام 1946، وأثناء حضوره حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق، إلى مواطنته التشيلية ماتيلدا أوروتيا، ليتذوق متأخراً طعم الحب الحقيقي، ويخوض بعيداً عن ناظري زوجته الثانية، مغامرة عاطفية عاصفة نمت في كنف الخفاء لسنوات عدة، قبل أن تتكلل بزواجٍ ناجح استمر هذه المرة حتى نهاية حياته.
ولعل الرسائل الكثيرة التي تبادلها العاشقان، والتي تم جمعها في إسبانيا لتصدر قبل سنوات في كتاب مستقل، هي شاهد الإثبات الأصدق على أن ماتيلدا أوروتيا هي، من بين الكثيرات اللواتي عرفهن الشاعر الحائز على جائزة نوبل، المرأة الوحيدة التي أحبها بعمق، والتي اخترقت شغاف قلبه. ومع أن بعض متعقبي حياة أوروتيا من الكتاب والمهتمين، يشيرون إلى أنها كانت مجرد مغنية عادية في المسارح الليلية، وصولاً إلى القول إنها كانت تعمل في شبكة للدعارة وبعيدة كل البعد عن العقيدة الشيوعية، فإن الجميع يؤكدون على أن عمها الشيوعي هو الذي رتب لقاءها بنيرودا، مقترحاً أن تكون ممرضته وراعيته الصحية، قبل أن تتحول العلاقة مع الوقت إلى حب جارف. والأرجح أن بابلو رغم تفهمه النسبي لماضي ماتيلدا المرتبط بعالم الليل والحافل بالمغامرات، لم ينجح تماماً في كبت مشاعر الغيرة التي كانت تتأجج في داخله، وبخاصة في المراحل الأولى من العلاقة، حيث لم يكونا يلتقيان إلا لماماً. لذلك فهو لا يتوانى خلال فترات انقطاعهما القسري عن أن يكتب لها حانقاً: «أنا تعِب من الخيانات، هذه هي ماتيلدا الحقيقية التي تتنزه مع صديقها الصغير على الشاطئ الأزرق، وتنسانا.
أريد معرفة كل شيء، وسأتحقق من ذلك بأي حال».
لكن نيرودا المتعب من الخيانات، كما يقول، لم يتورع عن إقامة علاقة غرامية مشبوبة مع إليسيا أوروتيا، ابنة أخ ماتيلدا، وفق ما أورده الكاتب الأميركي أنريكي لافوركادي في كتابه «نيرودا في بلاد العجائب»، مضيفاً أن الزوجة المصدومة، عمدت إلى طرد الفتاة الشابة بعد اكتشافها لما يحدث من وراء ظهرها. ومع أن إليسيا لم تنف أو تؤكد علاقتها بزوج عمتها، فقد تم العثور لاحقاً على العديد من الرسائل التي تكشف بوضوح عن طبيعة علاقتها بالشاعر الكهل الذي تخاطبه بالقول «حبيبي بابلو.
أقبل جسدك الحبيب، أنا إليسيا التي تحبك».
وسواء كانت هذه المغامرة الصادمة قد حدثت بالفعل، أم هي محض رواية مختلقة بهدف الإساءة إلى صورة الشاعر الزاهية، فإن علاقة الشاعر بزوجته لم تتعرض للاهتزاز والتصدع، بل حافظت على ثباتها ونوهجها على امتداد حياتهما المشتركة، خصوصاً أن الزوجين المتحابين ظلا يجوبان جنباً إلى جنب بلدان العالم وأمصاره ومنافيه. ولأن الحب، كما الشعر، يحتاج لكي لا يخبو أواره إلى مسرح ملائم، فقد قرر الحبيبان أن يبنيا عشهما الزوجي فوق مرتفع ساحر يطل على المحيط الهادئ في إيسلا نيغرا، حيث سيقدر للشاعر أن يكون قريباً من المناجم الخام لقريحته المتوقدة، وأن ينأى بحبه في الآن ذاته عن شرور العالم ومنغصاته، بعيداً عن «زحام المدينة العصبية ووجود الآخرين المعقد»، على حد تعبيره الحرفي.
ورغم أن منزل الزوجين الأنيق والباذخ، قد تعرض للدمار الجزئي بفعل إحدى الهزات الأرضية العنيفة، فقد أمن نيرودا بأن الحب والشعر قادران، وسط الزجاج المهشم والتشققات العميقة للجدران، أن يعيدا لحياتهما الصعبة البهجة والدفء والألفة الهانئة. إلا أن هاتين البهجة والألفة لم تدوما طويلاً، بل تهشمتا بشكل كامل تحت سنابك الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه عام 1973، مطيحاً بنظام الحكم القائم وبرئيسه المنتخب سلفادور أليندي، كما بالبقية الباقية من أحلام نيرودا، الذي رفع راية استسلامه بعد أربعين يوماً من مقتل صديقه الرئيس، والذي يرجح الكثيرون بأن موته لم يكن بفعل المرض وحده، بل بفعل جرعة مسمومة من الدواء. أما طلب ماتيلدا بأن تدفن إلى جانبه حين تأزف ساعة رحيلها عن العالم، فقد بدا من بعض وجوهه محصلة طبيعية لرغبة كل منهما في الانصهار بالآخر في الحياة كما في الموت، وترجمة مؤثرة لقوله في إحدى القصائد:
ماتيلدا، يا حبيبتي، دعي شفتيك منفرجتين
لأنه بهذه الطريقة يمكن لقبلتك الأخيرة
أن تتبعني في الموت
سأموت معانقاً عنقود جسدك التائه
وحين ستتلقى الأرض عناقنا هذا
سنمضي متحدين في موت واحد
وفي قبلة أبدية



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».