ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

كانت ممرضة الشاعر قبل أن تصبح ملهمته ورفيقة سنواته الأخيرة

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا
TT

ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا

شوقي بزيع

«ماتيلدا، اسم حجر أو نبتة أو نبيذ
في صيف اسمكِ تتفجر حبات الليمون
على هذا الاسم ترحل راكضة سفن الغابات
آه لهذا الاسم المكتشَف تحت زهرة ليلكٍ أرجوانية
اسم شبيه بمدخل نفقٍ مجهول
متصلٍ خفية بجميع طيوب العالم».

بهذه الأبيات المفعمة بالرقة والافتتان يستهل الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا، ديوانه الشعري «مائة قصيدة حب»، الذي يهديه لـ«الفؤوس وحب ماتيلدا والقرنفل»، محملاً إياه كل ما جاشت به نفسه من مشاعر إزاء المرأة التي رأى فيها نسخة رمزية مصغرة عن وطنه الأم، وواحدة من اللقى الثمينة التي أتيح له أن يزيح النقاب عن جمالها المخبوء في مناجمه المعتمة.
على أن الصورة الزاهية لذلك الحب، كما لغيره من علاقات نيرودا العاطفية لن يعثر عليها القارئ في سيرته النثرية، التي نشرها الشاعر تحت عنوان «أعترف أنني قد عشت»، بل في قصائده ودواوينه ونتاجه الشعري الوافر. والواقع أن سيرة نيرودا الذاتية، هي واحدة من أفضل السير وأكثرها تشويقاً، لما تتمتع به من صدق تعبيري وجماليات أسلوبية تلقائية واحتفاء عارم بالحياة. فعبر ما يزيد عن المئات الخمس من الصفحات نتعرف نحن القراء على الطفولة الغنية ذات البعد المشهدي الشاسع، لصاحب «حجارة تشيلي» الذي ولد في قرية بارال مطالع القرن الفائت، والذي قدر له أن يفقد أمه روسا باسولاتو بعد أسابيع معدودة من ولادته، ليترعرع في عهدة أب بسيط يعمل في سكة الحديد، وزوجة أب بالغة الحنو. وحيث لم يُظهر الأب أي حماس يُذكر إزاء موهبة ابنه الشعرية المبكرة، فقد اختار ريكاردو نيفتالي رييس، أن يتخلى عن اسمه الأصلي لينشر بكورته الشعرية تحت اسم بابلو نيرودا، الذي سيلازمه بعد ذلك إلى الأبد. وليس بالأمر المستغرب أن يُفرد الشاعر صفحات كثيرة من مذكراته للتحدث عن تلك العوالم الساحرة التي تبلورت في كنفها موهبته الفريدة، حيث تتشابك القمم الثلجية العاصفة مع حمم البراكين، وسط حقول الطين المتشققة، و«قطرات المطر التي فُصدت من الشرايين، والغابة الطولية الهائلة التي تنتهي عند أطرافها حدود الكوكب السيار». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والفضول ورغبة التعرف إلى العالم، لم يتوان إثر تعيينه قنصلاً في السلك الدبلوماسي، عن السفر إلى الأطراف الشرقية للأرض، كقنصل لبلاده في كل من بورما وسيلان وسنغافورة، قبل أن يتم تعيينه في بيونس آيرس في وقت لاحق. على أن من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الفعلي الذي يقف وراء العدد القليل من الصفحات التي يخصصها نيرودا للحديث عن حياته الزوجية والعاطفية، في حين أن الحيز الأكبر من السيرة قد توزع بين الحديث عن النشأة وأدب الرحلات والعمل الدبلوماسي والانتماء العقائدي وملحمة الهروب من التشيلي في أزمنة الاستبداد، إضافة إلى كل ما يتعلق بالشعر والثقافة والفن في الأرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين. لا بل إن الشاعر المعروف بنزوعه الشهواني وتعلقه بالحياة، آثر أن يخصص لوصف الأطعمة والأطباق التي تذوقها عبر العالم، أضعاف ما خصصه من الصفحات للحديث عن زوجاته الثلاث ومغامراته العاطفية الكثيرة.
وفي اعتقادي أن الأمر ليس عائداً إلى خجل الشاعر الفطري الذي خصص للحديث عنه صفحات عدة من سيرته، مشيراً إلى أنه ظل لفترة من حياته يعاني من الارتباك واحمرار الوجه في حضور النساء، لأنه كان قد تخلص من تلك العقدة لدى كتابته لمذكراته، بل إلى كون السيرة قد كُتبت في ظل الصعود المتعاظم للآيديولوجيا الماركسية، حيث اعتبر الحديث عن الحب والهموم الشخصية، في ظل أوضاع التشيلي المتفاقمة، والاستقطاب العقائدي الحاد بين طرفي العالم، نوعاً من «الميوعة» أو الترف البورجوازي الزائد. وهو ما ترجمه صاحب «إسبانيا في القلب» بشكل واضح عبر رده على الذين يطالبونه بالإكثار من شعر الحب ووصف الطبيعة، بالقول «تعالوا انظروا الدم في الشوارع »، أو قوله في مكان آخر:
عندما أفتح نافذتي في الصباح
فأرى قتيلاً وأرى وردة
أليس من المخجل أن أتجاهل القتيل وأكتب عن الوردة؟

أما السبب الآخر لتقشف نيرودا في الإفصاح السردي عن حياته العاطفية، فيعود إلى كونه قد ترك تلك المهمة الحساسة في عهدة شعره المتفرد، الذي يمتلك، بوصفه لغة الإشارة والإيماء، أكثر من النثر القدرة على التعبير عن فوراناته الداخلية ومشاعره المحتدمة. وهو ما أكدته على نحو جلي، مجموعات شديدة التميز، من مثل «عشرون قصيدة حب وقصيدة يائسة» و«أغاني القبطان» و«مائة قصيدة حب» و«سيف اللهب» وغيرها.
ومع ذلك، فإن نيرودا في سيرته لم يتوان عن إطلاعنا، وبطرافة لافتة، على بعض صولاته الغرامية العابرة، من مثل علاقته بخوسيه بليس التي التقى بها في بورما، ثم أغرمت به إلى حد مطاردته بالمسدس وتهديده بالقتل، بعد أن ساورتها الشكوك بخيانته لها، أو مثل الشاعرة الشابة التي التقاها في بيونس أيرس أثناء سهرة عامرة، وبحضور غارسيا لوركا، قبل أن يستدرجها إلى أعلى المبنى طالباً من هذا الأخير أن يتولى حراسة ذلك اللقاء الساخن. كما تصل روح الدعابة عند الشاعر إلى ذروتها، لدى حديثه عن المرأة التي التقاها في سنغافورة، ثم طلب منها أن تهديه قطعة من ملابسها ممهورة بتوقيعها الشخصي. كما أن نيرودا، الذي اضطر إلى بيع بذلته وساعة يده لكي يدفع لناشره الجشع كلفة مجموعته الأولى «شفقيات»، يعترف لدى سؤاله عن الملهمة الحقيقية لديوانه الثاني «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» بأنه مدين في هذا الديوان لملهمات ثلاث، تداخلت وجوههن الغضة مع اللوحات المتداخلة للطبيعة التشيلية ذات الجمال الأخاذ.
يقر نيرودا في سيرته بأن زواجه الأول من ماريا أغينار، الهولندية المقيمة في جاوا الإندونيسية، كان ناجماً عن شعوره الداهم بالوحدة لدى عمله قنصلاً لبلاده في الملايو، وفي محاولة مخاتلة لتلافي الإساءة المباشرة إلى زوجته، ينسب إلى كاتبة سيرته مارغريتا أغيرا قولها عن تلك المرأة «إن ما لم تستطع تعلمه خلال وجودهما معاً لم يقتصر على اللغة الإسبانية وحدها». ثم تضيف قائلة: «كانت طويلة جداً وبطيئة ومتكلفة الرصانة». ومع أن نيرودا الذي وضع بعد سنوات قليلة حداً نهائياً لهذا الزواج البائس، لم يشر في مذكراته إلى أي أمر يتعلق بحمْل زوجته أو إنجابها، إلا أن ذلك لم يمنع البروفسور التشيلي ديفيد سخلدلوفسي من التأكيد قبل سنوات قليلة، على أن أغينار أنجبت منه طفلة مريضة أسمياها مالفا، لم يعترف بها الشاعر بسبب إعاقتها وتركها مع والدتها إلى مصير مجهول. وهو الزعم الذي استندت إليه الكاتبة الهولندية هاخر بيترز في تأليفها لروايتها «مالفا» التي تحمل اسم الطفلة، والتي وفر لها موضوعها الصادم وغير المتوقع، الكثير من الرواج وذيوع الصيت.
وفي منتصف الأربعينات يلتقي نيرودا، أثناء وجوده في المكسيك، بالرسامة الأرجنتينية ديليا كاريل، التي شده إليها التزامها العقائدي وسعة ثقافتها، فيقرر الارتباط بها رغم أنها تكبره بخمسة عشر عاماً. وإذ لم يكن مقدراً للزواج الجديد أن يجد له مآلات مختلفة عن سابقه، حيث الأول أفسده التسرع الناجم عن الشعور بالوحشة، والثاني أفسدته برودة العاطفة «المعقلنة»، يتعرف الشاعر عام 1946، وأثناء حضوره حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق، إلى مواطنته التشيلية ماتيلدا أوروتيا، ليتذوق متأخراً طعم الحب الحقيقي، ويخوض بعيداً عن ناظري زوجته الثانية، مغامرة عاطفية عاصفة نمت في كنف الخفاء لسنوات عدة، قبل أن تتكلل بزواجٍ ناجح استمر هذه المرة حتى نهاية حياته.
ولعل الرسائل الكثيرة التي تبادلها العاشقان، والتي تم جمعها في إسبانيا لتصدر قبل سنوات في كتاب مستقل، هي شاهد الإثبات الأصدق على أن ماتيلدا أوروتيا هي، من بين الكثيرات اللواتي عرفهن الشاعر الحائز على جائزة نوبل، المرأة الوحيدة التي أحبها بعمق، والتي اخترقت شغاف قلبه. ومع أن بعض متعقبي حياة أوروتيا من الكتاب والمهتمين، يشيرون إلى أنها كانت مجرد مغنية عادية في المسارح الليلية، وصولاً إلى القول إنها كانت تعمل في شبكة للدعارة وبعيدة كل البعد عن العقيدة الشيوعية، فإن الجميع يؤكدون على أن عمها الشيوعي هو الذي رتب لقاءها بنيرودا، مقترحاً أن تكون ممرضته وراعيته الصحية، قبل أن تتحول العلاقة مع الوقت إلى حب جارف. والأرجح أن بابلو رغم تفهمه النسبي لماضي ماتيلدا المرتبط بعالم الليل والحافل بالمغامرات، لم ينجح تماماً في كبت مشاعر الغيرة التي كانت تتأجج في داخله، وبخاصة في المراحل الأولى من العلاقة، حيث لم يكونا يلتقيان إلا لماماً. لذلك فهو لا يتوانى خلال فترات انقطاعهما القسري عن أن يكتب لها حانقاً: «أنا تعِب من الخيانات، هذه هي ماتيلدا الحقيقية التي تتنزه مع صديقها الصغير على الشاطئ الأزرق، وتنسانا.
أريد معرفة كل شيء، وسأتحقق من ذلك بأي حال».
لكن نيرودا المتعب من الخيانات، كما يقول، لم يتورع عن إقامة علاقة غرامية مشبوبة مع إليسيا أوروتيا، ابنة أخ ماتيلدا، وفق ما أورده الكاتب الأميركي أنريكي لافوركادي في كتابه «نيرودا في بلاد العجائب»، مضيفاً أن الزوجة المصدومة، عمدت إلى طرد الفتاة الشابة بعد اكتشافها لما يحدث من وراء ظهرها. ومع أن إليسيا لم تنف أو تؤكد علاقتها بزوج عمتها، فقد تم العثور لاحقاً على العديد من الرسائل التي تكشف بوضوح عن طبيعة علاقتها بالشاعر الكهل الذي تخاطبه بالقول «حبيبي بابلو.
أقبل جسدك الحبيب، أنا إليسيا التي تحبك».
وسواء كانت هذه المغامرة الصادمة قد حدثت بالفعل، أم هي محض رواية مختلقة بهدف الإساءة إلى صورة الشاعر الزاهية، فإن علاقة الشاعر بزوجته لم تتعرض للاهتزاز والتصدع، بل حافظت على ثباتها ونوهجها على امتداد حياتهما المشتركة، خصوصاً أن الزوجين المتحابين ظلا يجوبان جنباً إلى جنب بلدان العالم وأمصاره ومنافيه. ولأن الحب، كما الشعر، يحتاج لكي لا يخبو أواره إلى مسرح ملائم، فقد قرر الحبيبان أن يبنيا عشهما الزوجي فوق مرتفع ساحر يطل على المحيط الهادئ في إيسلا نيغرا، حيث سيقدر للشاعر أن يكون قريباً من المناجم الخام لقريحته المتوقدة، وأن ينأى بحبه في الآن ذاته عن شرور العالم ومنغصاته، بعيداً عن «زحام المدينة العصبية ووجود الآخرين المعقد»، على حد تعبيره الحرفي.
ورغم أن منزل الزوجين الأنيق والباذخ، قد تعرض للدمار الجزئي بفعل إحدى الهزات الأرضية العنيفة، فقد أمن نيرودا بأن الحب والشعر قادران، وسط الزجاج المهشم والتشققات العميقة للجدران، أن يعيدا لحياتهما الصعبة البهجة والدفء والألفة الهانئة. إلا أن هاتين البهجة والألفة لم تدوما طويلاً، بل تهشمتا بشكل كامل تحت سنابك الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه عام 1973، مطيحاً بنظام الحكم القائم وبرئيسه المنتخب سلفادور أليندي، كما بالبقية الباقية من أحلام نيرودا، الذي رفع راية استسلامه بعد أربعين يوماً من مقتل صديقه الرئيس، والذي يرجح الكثيرون بأن موته لم يكن بفعل المرض وحده، بل بفعل جرعة مسمومة من الدواء. أما طلب ماتيلدا بأن تدفن إلى جانبه حين تأزف ساعة رحيلها عن العالم، فقد بدا من بعض وجوهه محصلة طبيعية لرغبة كل منهما في الانصهار بالآخر في الحياة كما في الموت، وترجمة مؤثرة لقوله في إحدى القصائد:
ماتيلدا، يا حبيبتي، دعي شفتيك منفرجتين
لأنه بهذه الطريقة يمكن لقبلتك الأخيرة
أن تتبعني في الموت
سأموت معانقاً عنقود جسدك التائه
وحين ستتلقى الأرض عناقنا هذا
سنمضي متحدين في موت واحد
وفي قبلة أبدية



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.