أوروبا تسخّر كل الإمكانات لردع موسكو... ومقتنعة بأن «الأزمة ستطول»

الرئيس الأوكراني طالب بمنح بلاده عضوية الاتحاد فوراً وعدم تركها {فريسة} لروسيا

رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
TT

أوروبا تسخّر كل الإمكانات لردع موسكو... ومقتنعة بأن «الأزمة ستطول»

رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)

لم يعد ثمّة مبالغة في القول، إن العالم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا لن يكون كما قبله، أو في الأقل لن تكون أوروبا بعد هذا الاجتياح الروسي الواسع كما كانت عليه حتى الأسبوع الفائت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا هو اليقين الذي يترسّخ بقوّة منذ أيام في العواصم الأوروبية، والذي يملي القرارات المتسارعة في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي اللذين يتحركان انطلاقاً من الاقتناع بأن نهاية الأزمة الأوكرانية وما تستتبعه من عمليات عسكرية ليست في الأمد المنظور، وأنه لا بد من تسخير كل الإمكانات لردع طموحات الكرملين ومنعها من الامتداد إلى دائرة أوسع. وليس أدل على هذا العزم الأوروبي غير المسبوق من تصريحات وزير الاقتصاد والمال الفرنسي برونو لومير أمس في حديثه عن العقوبات التي فرضها الاتحاد على موسكو، حيث قال «سنشنّ حرباً اقتصادية ومالية شاملة لتدمير الاقتصاد الروسي».
- الاتحاد الأوروبي يخصص نصف مليار يورو لأوكرانيا
منبر المواقف الأوروبية التي خرجت بعيداً عن الضوابط والمسلّمات المألوفة كان أمس (الثلاثاء) البرلمان الأوروبي الذي عقد جلسة مخصصة للأزمة الأوكرانية، حيث أعلنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد سيخصص نصف مليار يورو من ميزانيته لشراء أسلحة وإرسالها إلى دولة تتعرض للعدوان، إضافة إلى مبلغ مماثل للمساعدات الإنسانية. وقالت فون دير لاين «يدرك الأوروبيون جيداً أن من واجبنا التحرّك أمام هذه الاعتداءات الوحشية. ثمّة ثمن لحماية حريتنا، لكننا أمام ظرف حاسم ونحن مستعدون لدفع هذا الثمن؛ لأن لا شيء يساوي الحرية». وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال قال من جهته أمام الجلسة الخاصة للبرلمان «يجب أن ندرك خطورة الوضع وأهمية القرارات التي علينا أن نتخذها معاً. الحرب عادت، وعاد الدم إلى قلب القارة الأوروبية. منذ خمسة أيام شنّ فلاديمير بوتين اجتياحاً وحشياً واسعاً ضد أوكرانيا، بلا مبرّر واستناداً إلى جملة أكاذيب. والسبب الوحيد الذي لأجله أقدم على هذه الخطوة، هو أن أوكرانيا اختارت دولة القانون. ليست أوكرانيا وحدها هي المستهدفة، بل القواعد الدولية والديمقراطية أيضاً باتت تحت وطأة الإرهاب الجيوسياسي».
- الرئيس الأوكراني يطالب بروكسل بمنح بلاده عضوية الاتحاد
وفي كلمة مسجّلة خاطب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي البرلمان الأوروبي مستنجداً استمرار مساعدة بلدان الاتحاد «كي لا تبقى أوكرانيا وحدها أمام الاعتداء»، داعياً إلى التجاوب فورا مع الطلب الذي قدّمه رسميا يوم الاثنين لقبول بلاده عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي.
وقال متوجّهاً عبر الفيديو إلى أعضاء المجلس الأوروبي «ستكون أوروبا أقوى بكثير بوجود أوكرانيا فيها... من دونكم، ستكون أوكرانيا وحيدة». وتابع «نحن نحارب لبقائنا... لكننا نحارب أيضا لنكون أعضاء متساوين في أوروبا، لذا أثبتوا أنكم معنا وأثبتوا أنكم لن تتخلّوا عنّا وأنّكم فعلا أوروبيون». وتابع «سنفوز، أنا متأكّد من (...) الخيار الأوروبي لأوكرانيا، إنه الطريق التي نسلكها اليوم. وأودّ أن أسمع منكم اليوم أن أوروبا تختار أوكرانيا». وأضاف «نحن نحارب لنيل حقوقنا وحرياتنا وحياتنا وبقائنا... لن يكسرنا أحد. نحن أقوياء، نحن أوكرانيون».
وكانت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا قالت «إن أوروبا التي نعرفها تواجه خطراً وجوديّاً، وأن الاستثمارات الدفاعية يجب أن تكون في مستوى التحديات التي تواجهنا؛ لأننا في حاجة إلى اتحاد دفاعي وأمني أظهرت قرارات الأسبوع الماضي أنه ضروري وممكن». وأضافت، أن البرلمان الأوروبي على استعداد للتجاوب مع طلب أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد. في موازاة ذلك، وبعد التوضيحات التي صدرت عن المجلس الأوروبي والمفوضية يوم الاثنين للتخفيف من التوقعات التي تحدثت عن قبول فوري لطلب الانضمام «لوجود تباين في المواقف بين الدول الأعضاء حول هذا الموضوع» كما قال رئيس المجلس شارل ميشال، انضمّت المجر أمس إلى كتلة الدول الشرقية التي كانت وجّهت رسالة مفتوحة إلى الاتحاد تطلب فيها الموافقة على الانضمام الفوري لأوكرانيا. ويذكر، أن الجمهورية التشيكية، واستونيا، وليتونيا، وليتوانيا، وبولندا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا كانت وقّعت هذه الرسالة دعماً للطلب الذي تقدّم به الرئيس الأوكراني.
وتجدر الإشارة إلى أن البلدان التسعة الموقّعة على الرسالة، والتي تشكّل ثلث أعضاء الاتحاد الأوروبي، كانت في السابق أعضاء في حلف وارسو أو تحت عباءة النفوذ السوفياتي، وهي اليوم التي تواجه خطر الطموحات التوسعية للكرملين. ويذكر، أن الرسالة كانت نُشرت على الموقع الرسمي للرئيس البولندي في اليوم التالي للتصريحات التي أدلت بها رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، وأوحت بأن الاتحاد الأوروبي مستعدّ لقبول انضمام أوكرانيا فوراً، لكن تصريحات لاحقة لمسؤولين في المجلس والمفوضية بدّدت هذا الاعتقاد قبل أن يتقدّم الرئيس الأوكراني بالطلب رسمياً مطلع هذا الأسبوع، علماً بأن أوكرانيا التي تتفاوض منذ عشرين عاماً للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، لا تستوفي بعد الشروط الدنيا التي تخوّلها التقدّم بطلب الانضمام. وكان تقرير لديوان المحاسبة الأوروبي صدر في العام الماضي أشار إلى أن أوكرانيا «ما زالت تفتقر لمؤسسات مستقرة تضمن سيادة القانون، وتعاني من فساد كبير متوطّن يعيق المنافسة ويضرّ بالديمقراطية ويتعارض مع قيم الاتحاد الأوروبي».
- أوكرانيا لا تستوفي شروط عضوية الاتحاد الأوروبي
ويصف التقرير بأن «الدولة واقعة في قبضة مجموعات نافذة من النخب السياسية والاقتصادية الهرميّة المتجذّرة في جميع المؤسسات العامة والاقتصاد». ويذكر، أن البرلمان الأوكراني كان أقر تعديلاً دستورياً في العام 2019 ينصّ على اعتبار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي توجّهاً استراتيجياً لسياسة أوكرانيا الخارجية؛ الأمر الذي أثار انتقادات شديدة يومها من موسكو. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن مساعي أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كانت تصطدم بمعارضة شديدة من بلدان مثل فرنسا وهولندا تؤيد إبطاء وتيرة توسعة الاتحاد «وإعطاء الأولوية لتعميقه وتحسينه»، كما سبق وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العام 2018. وفي أول «ظهور» علني له منذ أيام برّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف العمليات العسكرية في أوكرانيا بأنها تهدف إلى درء خطر امتلاك كييف سلاحاً نووياً، خصوصاً أنها تملك تكنولوجيا نووية سوفياتية، وأن موسكو لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا الخطر. وجاءت هذه التصريحات في كلمة مسجّلة أدلى بها لافروف أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث قال، إنه كان ينوي المشاركة شخصياً في هذا الاجتماع «لكن العقوبات حرمتني من حقي الأساسي في التنقل بحرّية»، مضيفاً أن وجود أسلحة نووية أميركية في أوروبا غير مقبول، ويتعارض مع الأحكام الأساسية لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وأن السلاح النووي الأميركي يجري تخزينه على أراضي عدد من الدول الأوروبية. وتوعّد لافروف بالردّ على الدول التي فرضت عقوبات على بلاده. ولم يبدّد هذا الظهور لوزير الخارجية الروسي التساؤلات التي تدور على ألسنة المسؤولين الغربيين حول غيابه عن مشهد الأزمة منذ بداية العمليات العسكرية، وسط ترجيحات تتحدّث عن بداية أفول نجمه في الكرملين بعد أن كان لسنوات الشخصية الملازمة لبوتين في جميع إطلالاته الخارجية. وفي حين تتحدث بعض الأوساط عن اعتراض لافروف على قرار غزو أوكرانيا، يستبعد مراقبون هذا الاحتمال ويعتبرون أن بوتين يحتفظ بورقة الدبلوماسي المخضرم لاستخدامها لاحقاً في المفاوضات التي ستأتي في نهاية العمليات العسكرية. وفي كلمته أمام المجلس، دعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان بسبب انتهاكها المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجلس. وكان وزير الخارجية الأوكراني دميترو لوبيلا وصف في كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان ما ترتكبه القوات الروسية في بلاده بأنها جرائم حرب، ودعا الأسرة الدولية إلى اتخاذ تدابير قاسية بحقها، مؤكداً «أن مستقبل الأمن العالمي يتحدد اليوم في أوكرانيا».
- «الناتو» يؤكد أن قواته لن تتدخل عسكرياً
إلى جانب ذلك قال الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، إن قوات الحلف لن تتدخل عسكرياً في أوكرانيا «لأن الحلف الأطلسي ليس طرفاً في النزاع، ولن يرسل قوات إلى أوكرانيا». وجاءت هذه التصريحات في مؤتمر صحافي عقده مع الرئيس البولندي خلال زيارة تفقدية لقاعدة تابعة للحلف الأطلسي في لاسك وسط بولندا. وأضاف ستولتنبيرغ، أن الحلف لن يرسل طائرات حربية، لكنه سيحمي أراضي البلدان الأعضاء ويدافع عنها، داعياً موسكو إلى «وقف الغزو الوحشي وغير المقبول، وإنهاء العمليات العسكرية فوراً».
وفي آخر تحديث لها حول موضوع اللاجئين، قالت الأمم المتحدة، أمس، إن عدد الذين عبروا الحدود الأوكرانية حتى صباح أمس زاد على 700 ألف، وأن ثمّة مليون نازح داخلياً، في حين رفع الاتحاد الأوروبي توقعاته حول عدد اللاجئين، مشيراً إلى أنه قد يصل إلى 7 ملايين إذا طالت المعارك بعد نهاية الشهر الحالي. ومن جهته، طلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرّيش توفير 1.6 مليار دولار لتقديم المساعدات الإنسانية والطبية التي يحتاج إليها المتضررون من العمليات العسكرية في أوكرانيا وخارجها.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.