أوروبا تسخّر كل الإمكانات لردع موسكو... ومقتنعة بأن «الأزمة ستطول»

الرئيس الأوكراني طالب بمنح بلاده عضوية الاتحاد فوراً وعدم تركها {فريسة} لروسيا

رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
TT

أوروبا تسخّر كل الإمكانات لردع موسكو... ومقتنعة بأن «الأزمة ستطول»

رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي يصفق بحرارة للرئيس الأوكراني الذي خاطب البرلمان الأوروبي عن بعد (إ.ب.أ)

لم يعد ثمّة مبالغة في القول، إن العالم بعد الغزو الروسي لأوكرانيا لن يكون كما قبله، أو في الأقل لن تكون أوروبا بعد هذا الاجتياح الروسي الواسع كما كانت عليه حتى الأسبوع الفائت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا هو اليقين الذي يترسّخ بقوّة منذ أيام في العواصم الأوروبية، والذي يملي القرارات المتسارعة في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي اللذين يتحركان انطلاقاً من الاقتناع بأن نهاية الأزمة الأوكرانية وما تستتبعه من عمليات عسكرية ليست في الأمد المنظور، وأنه لا بد من تسخير كل الإمكانات لردع طموحات الكرملين ومنعها من الامتداد إلى دائرة أوسع. وليس أدل على هذا العزم الأوروبي غير المسبوق من تصريحات وزير الاقتصاد والمال الفرنسي برونو لومير أمس في حديثه عن العقوبات التي فرضها الاتحاد على موسكو، حيث قال «سنشنّ حرباً اقتصادية ومالية شاملة لتدمير الاقتصاد الروسي».
- الاتحاد الأوروبي يخصص نصف مليار يورو لأوكرانيا
منبر المواقف الأوروبية التي خرجت بعيداً عن الضوابط والمسلّمات المألوفة كان أمس (الثلاثاء) البرلمان الأوروبي الذي عقد جلسة مخصصة للأزمة الأوكرانية، حيث أعلنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد سيخصص نصف مليار يورو من ميزانيته لشراء أسلحة وإرسالها إلى دولة تتعرض للعدوان، إضافة إلى مبلغ مماثل للمساعدات الإنسانية. وقالت فون دير لاين «يدرك الأوروبيون جيداً أن من واجبنا التحرّك أمام هذه الاعتداءات الوحشية. ثمّة ثمن لحماية حريتنا، لكننا أمام ظرف حاسم ونحن مستعدون لدفع هذا الثمن؛ لأن لا شيء يساوي الحرية». وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال قال من جهته أمام الجلسة الخاصة للبرلمان «يجب أن ندرك خطورة الوضع وأهمية القرارات التي علينا أن نتخذها معاً. الحرب عادت، وعاد الدم إلى قلب القارة الأوروبية. منذ خمسة أيام شنّ فلاديمير بوتين اجتياحاً وحشياً واسعاً ضد أوكرانيا، بلا مبرّر واستناداً إلى جملة أكاذيب. والسبب الوحيد الذي لأجله أقدم على هذه الخطوة، هو أن أوكرانيا اختارت دولة القانون. ليست أوكرانيا وحدها هي المستهدفة، بل القواعد الدولية والديمقراطية أيضاً باتت تحت وطأة الإرهاب الجيوسياسي».
- الرئيس الأوكراني يطالب بروكسل بمنح بلاده عضوية الاتحاد
وفي كلمة مسجّلة خاطب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي البرلمان الأوروبي مستنجداً استمرار مساعدة بلدان الاتحاد «كي لا تبقى أوكرانيا وحدها أمام الاعتداء»، داعياً إلى التجاوب فورا مع الطلب الذي قدّمه رسميا يوم الاثنين لقبول بلاده عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي.
وقال متوجّهاً عبر الفيديو إلى أعضاء المجلس الأوروبي «ستكون أوروبا أقوى بكثير بوجود أوكرانيا فيها... من دونكم، ستكون أوكرانيا وحيدة». وتابع «نحن نحارب لبقائنا... لكننا نحارب أيضا لنكون أعضاء متساوين في أوروبا، لذا أثبتوا أنكم معنا وأثبتوا أنكم لن تتخلّوا عنّا وأنّكم فعلا أوروبيون». وتابع «سنفوز، أنا متأكّد من (...) الخيار الأوروبي لأوكرانيا، إنه الطريق التي نسلكها اليوم. وأودّ أن أسمع منكم اليوم أن أوروبا تختار أوكرانيا». وأضاف «نحن نحارب لنيل حقوقنا وحرياتنا وحياتنا وبقائنا... لن يكسرنا أحد. نحن أقوياء، نحن أوكرانيون».
وكانت رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا قالت «إن أوروبا التي نعرفها تواجه خطراً وجوديّاً، وأن الاستثمارات الدفاعية يجب أن تكون في مستوى التحديات التي تواجهنا؛ لأننا في حاجة إلى اتحاد دفاعي وأمني أظهرت قرارات الأسبوع الماضي أنه ضروري وممكن». وأضافت، أن البرلمان الأوروبي على استعداد للتجاوب مع طلب أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد. في موازاة ذلك، وبعد التوضيحات التي صدرت عن المجلس الأوروبي والمفوضية يوم الاثنين للتخفيف من التوقعات التي تحدثت عن قبول فوري لطلب الانضمام «لوجود تباين في المواقف بين الدول الأعضاء حول هذا الموضوع» كما قال رئيس المجلس شارل ميشال، انضمّت المجر أمس إلى كتلة الدول الشرقية التي كانت وجّهت رسالة مفتوحة إلى الاتحاد تطلب فيها الموافقة على الانضمام الفوري لأوكرانيا. ويذكر، أن الجمهورية التشيكية، واستونيا، وليتونيا، وليتوانيا، وبولندا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا كانت وقّعت هذه الرسالة دعماً للطلب الذي تقدّم به الرئيس الأوكراني.
وتجدر الإشارة إلى أن البلدان التسعة الموقّعة على الرسالة، والتي تشكّل ثلث أعضاء الاتحاد الأوروبي، كانت في السابق أعضاء في حلف وارسو أو تحت عباءة النفوذ السوفياتي، وهي اليوم التي تواجه خطر الطموحات التوسعية للكرملين. ويذكر، أن الرسالة كانت نُشرت على الموقع الرسمي للرئيس البولندي في اليوم التالي للتصريحات التي أدلت بها رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، وأوحت بأن الاتحاد الأوروبي مستعدّ لقبول انضمام أوكرانيا فوراً، لكن تصريحات لاحقة لمسؤولين في المجلس والمفوضية بدّدت هذا الاعتقاد قبل أن يتقدّم الرئيس الأوكراني بالطلب رسمياً مطلع هذا الأسبوع، علماً بأن أوكرانيا التي تتفاوض منذ عشرين عاماً للتقارب مع الاتحاد الأوروبي، لا تستوفي بعد الشروط الدنيا التي تخوّلها التقدّم بطلب الانضمام. وكان تقرير لديوان المحاسبة الأوروبي صدر في العام الماضي أشار إلى أن أوكرانيا «ما زالت تفتقر لمؤسسات مستقرة تضمن سيادة القانون، وتعاني من فساد كبير متوطّن يعيق المنافسة ويضرّ بالديمقراطية ويتعارض مع قيم الاتحاد الأوروبي».
- أوكرانيا لا تستوفي شروط عضوية الاتحاد الأوروبي
ويصف التقرير بأن «الدولة واقعة في قبضة مجموعات نافذة من النخب السياسية والاقتصادية الهرميّة المتجذّرة في جميع المؤسسات العامة والاقتصاد». ويذكر، أن البرلمان الأوكراني كان أقر تعديلاً دستورياً في العام 2019 ينصّ على اعتبار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي توجّهاً استراتيجياً لسياسة أوكرانيا الخارجية؛ الأمر الذي أثار انتقادات شديدة يومها من موسكو. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن مساعي أوكرانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كانت تصطدم بمعارضة شديدة من بلدان مثل فرنسا وهولندا تؤيد إبطاء وتيرة توسعة الاتحاد «وإعطاء الأولوية لتعميقه وتحسينه»، كما سبق وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في العام 2018. وفي أول «ظهور» علني له منذ أيام برّر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف العمليات العسكرية في أوكرانيا بأنها تهدف إلى درء خطر امتلاك كييف سلاحاً نووياً، خصوصاً أنها تملك تكنولوجيا نووية سوفياتية، وأن موسكو لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا الخطر. وجاءت هذه التصريحات في كلمة مسجّلة أدلى بها لافروف أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث قال، إنه كان ينوي المشاركة شخصياً في هذا الاجتماع «لكن العقوبات حرمتني من حقي الأساسي في التنقل بحرّية»، مضيفاً أن وجود أسلحة نووية أميركية في أوروبا غير مقبول، ويتعارض مع الأحكام الأساسية لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وأن السلاح النووي الأميركي يجري تخزينه على أراضي عدد من الدول الأوروبية. وتوعّد لافروف بالردّ على الدول التي فرضت عقوبات على بلاده. ولم يبدّد هذا الظهور لوزير الخارجية الروسي التساؤلات التي تدور على ألسنة المسؤولين الغربيين حول غيابه عن مشهد الأزمة منذ بداية العمليات العسكرية، وسط ترجيحات تتحدّث عن بداية أفول نجمه في الكرملين بعد أن كان لسنوات الشخصية الملازمة لبوتين في جميع إطلالاته الخارجية. وفي حين تتحدث بعض الأوساط عن اعتراض لافروف على قرار غزو أوكرانيا، يستبعد مراقبون هذا الاحتمال ويعتبرون أن بوتين يحتفظ بورقة الدبلوماسي المخضرم لاستخدامها لاحقاً في المفاوضات التي ستأتي في نهاية العمليات العسكرية. وفي كلمته أمام المجلس، دعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى طرد روسيا من مجلس حقوق الإنسان بسبب انتهاكها المبادئ الأساسية التي يقوم عليها المجلس. وكان وزير الخارجية الأوكراني دميترو لوبيلا وصف في كلمته أمام مجلس حقوق الإنسان ما ترتكبه القوات الروسية في بلاده بأنها جرائم حرب، ودعا الأسرة الدولية إلى اتخاذ تدابير قاسية بحقها، مؤكداً «أن مستقبل الأمن العالمي يتحدد اليوم في أوكرانيا».
- «الناتو» يؤكد أن قواته لن تتدخل عسكرياً
إلى جانب ذلك قال الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ، إن قوات الحلف لن تتدخل عسكرياً في أوكرانيا «لأن الحلف الأطلسي ليس طرفاً في النزاع، ولن يرسل قوات إلى أوكرانيا». وجاءت هذه التصريحات في مؤتمر صحافي عقده مع الرئيس البولندي خلال زيارة تفقدية لقاعدة تابعة للحلف الأطلسي في لاسك وسط بولندا. وأضاف ستولتنبيرغ، أن الحلف لن يرسل طائرات حربية، لكنه سيحمي أراضي البلدان الأعضاء ويدافع عنها، داعياً موسكو إلى «وقف الغزو الوحشي وغير المقبول، وإنهاء العمليات العسكرية فوراً».
وفي آخر تحديث لها حول موضوع اللاجئين، قالت الأمم المتحدة، أمس، إن عدد الذين عبروا الحدود الأوكرانية حتى صباح أمس زاد على 700 ألف، وأن ثمّة مليون نازح داخلياً، في حين رفع الاتحاد الأوروبي توقعاته حول عدد اللاجئين، مشيراً إلى أنه قد يصل إلى 7 ملايين إذا طالت المعارك بعد نهاية الشهر الحالي. ومن جهته، طلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرّيش توفير 1.6 مليار دولار لتقديم المساعدات الإنسانية والطبية التي يحتاج إليها المتضررون من العمليات العسكرية في أوكرانيا وخارجها.



ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».


أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.