روسيا تعبت من كونها «الولد الطيب»

لماذا أطلق بوتين عمليته العسكرية في أوكرانيا؟ هل تعبت روسيا من كونها «الولد الطيب»؟ (إ.ب.أ)
لماذا أطلق بوتين عمليته العسكرية في أوكرانيا؟ هل تعبت روسيا من كونها «الولد الطيب»؟ (إ.ب.أ)
TT

روسيا تعبت من كونها «الولد الطيب»

لماذا أطلق بوتين عمليته العسكرية في أوكرانيا؟ هل تعبت روسيا من كونها «الولد الطيب»؟ (إ.ب.أ)
لماذا أطلق بوتين عمليته العسكرية في أوكرانيا؟ هل تعبت روسيا من كونها «الولد الطيب»؟ (إ.ب.أ)

عندما خاطب الرئيس فلاديمير بوتين الشعب الروسي والأوكرانيين، يوم الخميس الماضي، معلناً بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، تغلّب اليأس العميق على الكثير من الروس. هل أُصيب الرئيس بالجنون؟ قد تكون هذه الفكرة ترددت في أذهان كثيرين. ناهيك بفكرة أخرى، مفادها: «لقد تبين أنه مختلف تماماً عمّا كنا نظن». وقد يكون البعض ذهب إلى أن تلك الروح السلبية التي رسمت ملامحه لفترة طويلة في وسائل الإعلام الغربية قد تكون صحيحة.
اتضح أن زيلينسكي ليس مستقلاً...
لكن في اليوم التالي، بدأ الوضع يتغيّر في الرأي العام. بدأ الروس يفهمون منطق بوتين. واللافت هنا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يُطلق عليه في الغرب لقب «بطل المقاومة» في مواجهة روسيا، هو الذي ساعد الروس كثيراً في تلمس الحقيقة. ففي اليوم التالي بعد بدء العملية العسكرية أعلن زيلينسكي أنه مستعد للمفاوضات بشأن «حياد أوكرانيا»، أي حول إدخال التعديلات اللازمة في دستور أوكرانيا لتحديد قواعد السياسة الخارجية للبلاد، بما يستبعد نهائياً فكرة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي.
وكان من الطبيعي أن يأتي الرد من جانب بوتين سريعاً ومحدداً: «نعم، بالطبع». إذ لا يخفى أن هذا كان المطلب الرئيسي لروسيا في المفاوضات مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الحلفاء الرئيسيين لأوكرانيا حالياً) منذ ديسمبر (كانون الأول). كانت الملفات المطروحة على الطاولة عدم تمدد «الناتو» شرقاً نحو أوكرانيا، وعدم نشر أسلحة وصواريخ نووية أميركية وبريطانية في هذا البلد. لكن الجواب من «الناتو» والولايات المتحدة ومن كييف كل تلك الفترة تميّز بالتعنت والرفض. والآن، بعد مرور يوم واحد على إطلاق العملية العسكرية الروسية، يَعِد زيلينسكي ببساطة بحل المشكلة: «ستكون أوكرانيا محايدة»!
شكّلت موسكو على الفور وفداً للتفاوض مع ممثلي زيلينسكي وأرسلته إلى بيلاروسيا، وهي منصة تقليدية للمفاوضات بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2015.
لكن زيلينسكي صمت فجأة، ولم يعد يرد على اتصالات قنوات الوساطة. بل اختفى لبعض الوقت، رغم أنه كان قد وعد الأوكرانيين في اليوم الأول للقتال، بالظهور مرة كل ساعة على الإنترنت والتعليق على الأحداث.
بعد ساعات من الإشارات الواعدة حول الاستعداد لالتزام الوضع المحايد، عاد زيلينسكي للظهور في بث على الهواء، لكنه كان محاطاً هذه المرة، بـ«مساعديه» الكارهين للروس والمعروفين بمعتقداتهم القومية الأوكرانية. وبعد ذلك لم يقل زيلينسكي أي شيء عن مبدأ الحياد. وفي اليوم التالي، قالت السكرتير الصحافي للبيت الأبيض، جين ساكي، إن «الولايات المتحدة قدمت المساعدة في تأمين زيلينسكي».
أصبح كل شيء واضحاً للروس. زيلينسكي ليس مستقلاً. إنه ينفّذ إرادة «القيّمين عليه». القوميون الأوكرانيون و«المستشارون الأمنيون» الأميركيون. لجعله مستقلاً، كان يجب طرد هؤلاء القيّمين. وهذا لا يمكن القيام به إلا من القوات الروسية.
بعد ذلك، تم استئناف عمليات القوات الروسية في أوكرانيا بعدما أوقفها بوتين لعدة ساعات لتشجيع مسار المفاوضات. تم استئنافها بدعم أكبر من الشعب الروسي. وبعدما أدرك الروس أن بوتين «ليس مجنوناً». لكنه سياسي وجد نفسه مضطراً إلى السعي للحصول على اتفاق مع نظام عاجز عن اتخاذ قرار. لذلك كان لا بد من الحصول على الاتفاق عبر استخدام القوة.
من الصعب علينا أن نرى هذا
هل يصعب على الروس مراقبة كيف تسير الحرب في أوكرانيا؟ نعم، إنه أمر صعب للغاية. الأوكرانيون والبيلاروس هم أكثر الشعوب على وجه الأرض قرباً من الروس. وقد تحول معظم الأوكرانيين والبيلاروسيين إلى استخدام اللغة الروسية في القرنين التاسع عشر والعشرين. بطبيعة الحال، مع مرور أكثر من 400 عام من العيش المشترك في دولة واحدة، بات لدى الأوكرانيين والروس ملايين العائلات المختلطة. لقد أعاد الروس، مع الأوكرانيين، بناء أوكرانيا بعد الدمار الذي ألحقه الألمان بأوكرانيا ومناطق أخرى من الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال عهد الاتحاد السوفياتي، كان الروس والأوكرانيون يعدّون أكثر الشعوب ولاءً وموثوقية، وتشكلت الكوادر القيادية للحزب الشيوعي السوفياتي والـ«كي جي بي» والجيش من الروس والأوكرانيين. (كان بريجنيف وخروتشوف من الروس الذين عاشوا معظم حياتهم في أوكرانيا، بينما كانت والدة غورباتشوف وجميع أقاربها من الأوكرانيين). على مدى عقود كثيرة من العيش معاً. اعتاد الروس على عدم وجود فوارق تميزهم عن الأوكرانيين.
لذلك، نحن بالطبع، نشعر بالخوف والأذى عندما نرى كيف يفجر الجنود الأوكرانيون الجسور، ويدمرون الطرق التي تعبرها القوات الروسية.
نشعر بالحزن الشديد لرؤية سكان كييف وهم يلجأون إلى مترو الأنفاق بسبب التفجيرات. لقد بنى الروس والأوكرانيون، معاً وعلى مدى سنوات طويلة، هذه الجسور والطرق، وهذا المترو.
لذلك، الوقت ليس في صالح روسيا. نحن بحاجة إلى إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن. ولذلك تحديداً، فإن وفد المفاوضين الروس ذهبوا إلى منطقة غوميل في بيلاروسيا لإجراء المحادثات مع المفاوضين الأوكرانيين.
لوكاشينكو أصبح حليفاً لروسيا بفضل الغرب...
لا توجد أسباب كثيرة للتفاؤل بالتوصل إلى توافقات في هذه المفاوضات. وافق زيلينسكي مرة أخرى على مفاوضات حول الوضع المحايد. هذه المرة جاءت الموافقة بعد محادثة هاتفية مع الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، الحليف السابق لزيلينسكي، وحليف سلفه بيترو بوروشينكو. وحليف روسيا حالياً.
نعم، هكذا. فرئيس بيلاروسيا كان يدعم أوكرانيا، خلال السنوات الخمس الأولى من الحرب التي شنها الجيش الأوكراني ضد منطقة دونباس الناطقة بالروسية في شرق أوكرانيا. طوال الفترة من 2014 إلى 2020 قدّم لوكاشينكو أشكال الدعم للقيادة الأوكرانية. وكانت لديه لقاءات ودية للغاية مع الرئيس السابق بيترو بوروشينكو، الذي بدأ بقصف دونباس عقاباً لهذه المنطقة لأنها رفضت الاعتراف بالانقلاب الذي وقع في فبراير (شباط) 2014 والذي أسفر عن إطاحة الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، المنتخب قانونياً في 2010، وهو بالمناسبة من منطقة دونباس.
وبسبب انتمائه إلى هذه المنطقة، فقد صنفته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لسنوات كثيرة على أنه «موالٍ لروسيا»، منذ ظهوره في السياسة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وحتى الانقلاب الدموي غير القانوني الذي أُطلقت عليه تسمية ثورة الميدان في 2013 - 2014.
اختلف لوكاشينكو مع أوكرانيا فقط في عام 2020 عندما أيّد زيلينسكي، بناءً على أوامر من الغرب، محاولة الإطاحة برئيس بيلاروسيا الذي هو بالفعل استبدادي (لا يشبه بوتين) من قوى المعارضة البيلاروسية الموالية للغرب والكارهة لروسيا. فشلت محاولة الانقلاب البيلاروسية، على الرغم من دعم أوكرانيا، وأصبح لوكاشينكو حليفاً قسرياً لروسيا التي قدمت لمينسك مساعدات مالية عاجلة في لحظة صعبة للغاية عام 2020.
بوتين الليبرالي السابق
الساعي لحلول وسط
ما الذي تعكسه حقيقة أن بوتين لم يسعَ للانتقام من لوكاشينكو، الذي خان روسيا لسنوات عدة، من خلال علاقاته الوثيقة مع نظامي بوروشنكو وزيلينسكي المعاديين لروسيا؟
الحقيقة أن بوتين بطبيعته سياسي قادر على إبرام صفقات، مستعد للمفاوضات وإيجاد التسويات الضرورية. لسنوات كثيرة في عهد بوتين، حاولت روسيا التفاوض مع الغرب -مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي- على أساس الحلول الوسط. في بداية حكم بوتين، دعمت روسيا الولايات المتحدة في قتالها ضد «طالبان» في أفغانستان في عام 2001، وفي عام 2003 أغلقت روسيا طواعيةً قواعد الحرب الباردة في فيتنام وكوبا. في عام 2004 عندما توسع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ليشمل الجمهوريات السوفياتية السابقة مثل ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، بالإضافة إلى الدول الأكثر اكتظاظاً بالسكان في جنوب شرقي أوروبا (بلغاريا ورومانيا)، لم يكن لدى روسيا مقاومة كبيرة لهذا التوسع، على الرغم من أنها أدانته من حيث المبدأ، كونه يضع «خطوطاً فاصلة في أوروبا».
لكن كل هذه التنازلات لم تقابَل بامتنان من الغرب، بل على العكس من ذلك، أثارت فقط شهيته لتقليص حدود «وسادة الأمن» حول روسيا.
منذ خطاب ميونيخ في عام 2007 الذي أعرب فيه بوتين عن استياءٍ من توسع «الناتو»، أصبحت موسكو أكثر صراحة في مقاومة توسع «الناتو» من خلال الوسائل الدبلوماسية. لكن الغرب لم ينظر إلى هذه المقاومة على أنها قوة جادة، بل إن الغرب كان يبدو غاضباً أحياناً بسبب اعتراضات روسيا. حتى إعادة توحيد شبه جزيرة القرم مع روسيا في عام 2014 كان ينظر إليها من الغرب على أنها مجرد حدث عابر أو صعوبة مؤقتة، لا تعكس استعداداً جدياً للدفاع عن مصالح روسيا، بقدر ما تدل على حنين لدى بوتين لإعادة الروح إلى الاتحاد السوفياتي.
نهاية إجبارية للحلول الوسط
لماذا أطلق بوتين، الذي سعى لفترة طويلة إلى حلول وسط، مثل هذه العملية الحاسمة والحازمة في أوكرانيا؟ تخيّل مثل هذا النموذج النفسي: يأتي صبي (روسيا) إلى مدرسة جديدة (العالم الغربي الحديث) ترافقه سمعة سيئة منذ البداية. إما بسبب السلوك السيئ للوالدين (ستالين وبريجنيف)، وإما ببساطة بسبب غطرسة وعدوانية زملاء الدراسة الجدد. يحاول الصبي التفاوض وتكوين صداقات، لكنّ زملاءه في الفصل أنفسهم يعزلونه ويتنمرون عليه ويعلنون أنه «أحمق».
ماذا يبقى لدى الصبي؟ إنه يوجّه ضربة قوية إلى الجاني الأكثر شراسة. الجاني على وجه التحديد هو الأكثر إثارة للاشمئزاز والاحتقار، وليس بالضرورة أن يكون الأقوى.
في الواقع تُظهر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نوعاً من الاحتقار لأوكرانيا. وقد دلّ رفض الدول الغربية لإرسال قوات لمساعدة أوكرانيا في وقت مبكر على أن هذه الدول نفسها ما زالت تضع الأوكرانيين «على نفس المستوى» مع الروس. (في الشكل واللهجة فإن الروس والأوكرانيين أنفسهم بالكاد يميّز بعضهم بعضاً). وهذا هو بالضبط النظام الأوكراني الذي يتلقى ضربة في رأسه، لم يكن ليتوقعها.

ما نتيجة ضربة يوجهها فتى معزول تنمّر الجميع عليه؟ إحداث صدمة؟
يتساءل الأولاد الذين يضايقونه: ربما «الجديد» شرير حقاً، وقوي مثل والده بريجنيف وجده ستالين؟ ربما من الأفضل عدم مضايقته بعد الآن؟ إن عملية إعادة التفكير هذه هي التي تجري الآن في الغرب. بعد كل شيء، لسنوات كثيرة، وجّهت بولندا ودول البلطيق اتهامات متواصلة لروسيا بأنها تعد للهجوم عليها. لكن يبدو أن هذه البلدان في الواقع لم تكن خائفة من روسيا، بدليل أنها كانت تكيل الإهانات لبوتين. ربما تفكر حالياً بأن الأمر قد ينتهي بشكل سيئ من الآن فصاعداً.
يمكن لبوتين نفسه أن يذكّر محاوريه: عندما اقترحتُ نظاماً أمنياً جديداً في أوروبا، وعدتكم، بأننا إذا لم نتلقِ رداً على مطالبنا سوف نضطر إلى اللجوء لـ«رد عسكري - سياسي». لقد حصلتم عليه الآن.
* خبير سياسات،
المعلق السياسي في وكالة «روسيا سيغودنيا»



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.