أوكرانيا... لا يوجد بلد أهم!

آثار دمار خلفته الحرب على أوكرانيا (أ.ف.ب)
آثار دمار خلفته الحرب على أوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا... لا يوجد بلد أهم!

آثار دمار خلفته الحرب على أوكرانيا (أ.ف.ب)
آثار دمار خلفته الحرب على أوكرانيا (أ.ف.ب)

تتركز أنظار المجتمع الدولي على الحرب في أوكرانيا التي تحولت إلى الحدث الأبرز في قلب السياسة الدولية اليوم. يعتبر التحول الدراماتيكي في العلاقات الروسية - الأوكرانية أمراً محورياً لتساؤلات وسائل الإعلام في العديد من البلدان. كيف تطور الوضع إلى هذه الدرجة، وما سبب غزو روسيا لدولة شقيقة؟ لا يسمح حجم مقالة للنظر بتفصيل كافٍ في تاريخ العلاقات بين الروس والأوكرانيين. وعموماً، ليس هذا هو الشيء الرئيسي الآن.
يُعتقد أن قرار الكرملين استند إلى عنصرين حاسمين. الأول، فشل الجانب الأوكراني في الامتثال لاتفاقيات مينسك، والقصف المستمر لمنطقتي دونيتسك ولوغانسك المواليتين لروسيا ومعظم سكانهما من الروس، الذين تتعامل معهم كييف بصفتهم انفصاليين.
ما يتعلق باتفاقيات مينسك 2014 - 2015 التي وقعتها أوكرانيا وفرنسا وألمانيا، من بين دول أخرى، ووافقت عليها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وتم إقرارها في قرار خاص من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كان الغرض من هذه الوثائق هو حل النزاع المسلح في شرق الأراضي الأوكرانية من خلال تنفيذ «خريطة طريق»، تضمنت، من بين أمور أخرى، إجراء انتخابات حرة في منطقتي دونيتسك ولوغانسك. ومع ذلك، رغم المحاولات المستمرة للدبلوماسية الروسية لتشجيع الأوكرانيين على الامتثال لاتفاقيات مينسك، التي كان يجب أن تؤدي في النهاية إلى منح الحكم الذاتي لمنطقة دونباس الصناعية القوية (إقليمي دونيتسك ولوغانسك) في إطار الدولة الأوكرانية، لم تقم كييف بأي خطوات لإحراز تقدم بشأن تنفيذ خريطة الطريق المتفق عليها. وواصلت رفض التعامل مع زعيمي جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، رغم أن توقيعاتهما كانت تذيل اتفاقيات مينسك.
في الوقت نفسه، رفضت كييف بشكل قاطع المساعدة في تنظيم الانتخابات في دونباس، مدركة أن نتائجها سوف تمنح شرعية للقوات الموالية لروسيا وفقاً للتوقعات. لقد انسحبت الدول الغربية من العملية، ولم ترغب في ممارسة ضغط فعال على الرئيس فولوديمير زيلينسكي. والأكثر من ذلك، فقد لمح الرئيس الأوكراني الحالي مراراً إلى أنه لا يخضع لاتفاقيات مينسك التي وقعها سلفه، «الفاسد» بيترو بوروشينكو. وهو أمر لا يعتد به عملياً من وجهة النظر القانونية.
العنصر الثاني، أنه خلال ثماني سنوات في دونباس، نتيجة قصف الجيش الأوكراني والاشتباكات المسلحة المفتوحة مع الميليشيات الشعبية المحلية، قُتل ما لا يقل عن عشرة آلاف من السكان الموالين لروسيا. لم يقم مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والطرفان الموقعان على الاتفاقيات، باريس وبرلين، بتقييم هذا الظرف بشكل صحيح.
بدا أنه توافرت لدى الرئيس فلاديمير بوتين الذريعة الكافية لاستخدام القوة، لحل المشكلة والخروج من دائرة «الحلقة المفرغة». في نفس الوقت، كان هناك بالطبع أكثر من سيناريو لاستخدام القوة. لكن في ظل غياب الشفافية في النخبة السياسية الروسية وعدم وجود فهم مشترك كامل للآفاق المحتملة، لم يكن هناك إجماع على الإجراءات التي يمكن أن تتخذها روسيا في دونباس. والدليل على ذلك هو مشهد التوبيخ المهين، الذي وجهه الرئيس بوتين إلى رئيس جهاز المخابرات الخارجية سيرغي ناريشكين، خلال الاجتماع الموسع لمجلس الأمن الروسي في 22 فبراير (شباط) .
أيضاً، برز مؤشر إلى ذلك خلال عمليات التصويت على قرار الاعتراف بالجمهوريتين في مجلس الدوما، إما عبر تصويت البعض ضد القرار، أو من خلال تغيب عدد من البرلمانيين في كتلة الحزب الحاكم «روسيا الموحدة» خلال جلسة التصويت في مجلس الدوما في 15 فبراير. كان من الواضح أن القرار بالاعتراف سيتبعه عمل قوي. وفقاً لسيناريو - لأسباب مفهومة - لم يتم عرضه على النخب السياسية في البلاد.

                                                  مدنيون يسجلون انضمامهم لقوات الدفاع الإقليمي في كييف السبت (أ.ب)

في البداية، مع اندلاع الأعمال الحربية، ركزت الدعاية السياسية للحكومة الروسية على الحاجة إلى حماية الأشقاء في دونيتسك ولوغانسك من الاستفزازات المسلحة لـ«النازيين الأوكرانيين» في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية.
رغم أن التصريحات حول «النازية» كعامل مهيمن في الحياة الاجتماعية والسياسية الأوكرانية الحالية تبدو غريبة للغاية؛ إذ لا يمكن تجاهل أن كلاً من فولوديمير زيلينسكي وسلفه بيترو بوروشنكو من أبناء القومية اليهودية. بدلاً من ذلك، كان يجب التركيز على الأشكال المتطرفة للقومية الأوكرانية، التي اكتسبت في السنوات الأخيرة توجهاً واضحاً مناهضاً لروسيا، وهو أمر استخدمه الغرب بنجاح.
لذلك، مثل هذه الصياغة للقضية، ومن خلال توجيه العملية العسكرية ضد الأوكرانيين حصرياً على حدود جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، كان يمكن لقرار السيناريو العسكري للكرملين أن يلقى تفهماً أكبر إلى حد بعيد، على الأقل داخل المجتمع الروسي. ولكن، كما يقولون في روسيا «سارت الأمور على غير ما يرام».
وسرعان ما بدأت دوافع أخرى تسيطر على الدعاية المرتبطة بالعملية العسكرية، حول «تقويض النازية»، و«تجريد أوكرانيا من السلاح»، فضلاً عن إجبارها على التزام الحياد، أي الإعلان الواضح بالامتناع عن الانضمام إلى الناتو.
هنا يمكن ملاحظة أن الأغلبية المطلقة من الروس تعتبر عضوية جارتنا في حلف شمال الأطلسي غير مقبولة من وجهة نظر أمن الاتحاد الروسي. لكن سرعان ما اتضح أن قتال الجيش الروسي امتد إلى مناطق عديدة في الضفة اليسرى (الشرقية) لأوكرانيا، بما في ذلك العاصمة والمدن الكبيرة الأخرى. والأخبار حول الأعمال القتالية المستمرة، واسعة النطاق، مليئة بالعديد من التزييفات. ومن الصعب للغاية تكوين رأي موضوعي حول حجم المعارك والخسائر في صفوف السكان المدنيين. هناك شيء واحد واضح، لقد اكتسب استخدام القوة طابعاً مفرطاً بشكل واضح، سواء من حيث الحجم أو النطاق الجغرافي.
أنا أعتبر هذا سوء تقدير خطيراً من جانب استراتيجيي الكرملين. علاوة على ذلك، بالنظر إلى الوضع الحالي اليوم، يستمر قصف القوات المسلحة الأوكرانية على دونباس، رغم تقارير القيادة العسكرية الروسية حول تحقيق انتصارات ميدانية. وبالتالي، فإن الهدف الرئيسي لما يسمى بالعملية الخاصة لحماية دونباس لم يتحقق بعد.
الأمر الآخر أنه تبين أن التنبؤات التي وضعت حول رد الفعل المحتمل على الحرب، أولاً وقبل كل شيء، داخل روسيا، ثم بالطبع في جميع أنحاء العالم، لم تكن صحيحة.
ليس من الواضح من الذي شارك في وضع هذه التنبؤات. أنطلق من قناعة بأنها إدارة الرئاسة. صحيح أنه، في ظل أي سيناريو، كان يمكن توقع رزم جديدة من العقوبات القادمة من الغرب، لكنها قد تختلف في حجم العواقب على الاقتصاد، والأهم هو الانعكاسات على صورة روسيا في العالم. تعرضت مواقف الرئيس بوتين في بلادنا، والتي بدت للكثيرين أنها لا تتزعزع، لضربة قوية. انهارت سوق الأوراق المالية الروسية (انخفاض أكثر من 40 في المائة)، وانهارت البورصة، وارتفع الدولار واليورو بشكل حاد (نحو 10 في المائة)، وغدا نحو 75 في المائة من السوق المالية للبلاد تحت العقوبات. خضعت الشخصيات الأولى في البلاد لقيود العقوبات. وهذه فقط نتائج القرار العسكري التي نراها حتى اليوم. قائمة النتائج السلبية يمكن أن تطول وتطول.
بالمناسبة، يمكن هنا لفت الأنظار إلى أن رهان الكرملين على تلقي دعم فعال من جانب الصين لم يتحقق.
أيضاً، في إطار النتائج المحتملة على الصعيد الجيوسياسي، ليس مفهوماً تماماً، لماذا لم يضع فريق مستشاري الكرملين في حساباته احتمال انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، وهي خطوة تبدو محتملة تماماً حالياً، خصوصاً أن القرار البرلماني في هذا الشأن تم اتخاذه بالفعل في هلسنكي. وربما يتبع ذلك انضمام السويد.
وضمن التداعيات اللاحقة، من الممكن توقع حظر تصدير العديد من التقنيات الحيوية والسلع الصناعية إلى روسيا، والتمييز في مجال الثقافة والرياضة وغير ذلك الكثير، وكل هذا لفترة غير محددة. بالإضافة إلى كل ذلك، برزت العديد من الاحتجاجات المناهضة للحرب في موسكو وسان بطرسبرغ ومدن روسية رئيسية أخرى.
أرى نتيجة إيجابية واحدة فقط: قد تقنع العقوبات الصارمة القيادة الروسية بتعديل سياساتها الاقتصادية بشكل جذري. والتوقف عن الاعتماد على تقريب الأوليغارشية المرتبطة، بشكل وثيق جداً، بالغرب، وتنفيذ إصلاحات جذرية تخدم المصلحة الوطنية - بالطبع، من دون التخلي عن التعاون الدولي.
اعتباراً من اليوم، الشيء الرئيسي هو وقف إراقة الدماء، والتخلي عن خطط - الحد الأقصى - فيما يتعلق بجارنا، وهذه الخطط معروفة فقط للكرملين.
في أيام انهيار الاتحاد السوفياتي كنت ضابطاً، أدرس في إحدى الأكاديميات العسكرية. نشر رفيقي في الجيش، ديمتري ترينين، الذي يشغل حالياً، منصب مدير مركز موسكو التابع لمؤسسة «كارنيغي»، في ذلك الوقت في المجلة الشعبية «نوفوي فريميا» مقالاً بعنوان «أوكرانيا: لا يوجد بلد أكثر أهمية». رغم حقيقة أنني لا أشاطر الآراء السياسية لديمتري وزملائه في الصندوق، أعتقد أن مثل هذا النهج تجاه القضايا الأوكرانية هو أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى.

* أستاذ في «الجامعة الروسية الرسمية»، المدرسة العليا للاقتصاد. عقيد متقاعد. دبلوماسي سابق



أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.


ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.