السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

المشهد الانتخابي في بيروت الثانية لن يكتمل

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
TT

السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)

لن يكتمل المشهد الانتخابي في دائرة بيروت الثانية (11 مقعداً نيابياً) قبل إقفال باب الترشح لخوض الانتخابات في 15 مارس (آذار) المقبل للتأكد من إمكانية إعادة خلط الأوراق الانتخابية تحالفاً واقتراعاً، أم أنها سترسو على تشكيل لوائح تخلو من المرشحين الذين يدورون في فلك تيار «المستقبل» بعد أن اتخذ زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قراره بالعزوف عن خوض الانتخابات من دون أن يدعو إلى مقاطعتها، مشترطاً على «أهل البيت» المنتمين إلى التيار الأزرق الاستقالة منه في حال ارتأوا خوضها، تاركاً في نفس الوقت للنواب الحاليين المستقلين الأعضاء في كتلته النيابية الحرية في الترشح وإنما على مسؤوليتهم.
فالغموض الذي يكتنف المعركة الانتخابية في دائرة بيروت الثانية ذات الأغلبية للطائفة السنية يبقى قائماً إلى أن يتبلور التوجه العام للموقف الذي كان قد أعلنه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بدعوته للمشاركة في العملية الانتخابية ترشحاً واقتراعاً لقطع الطريق على إخلاء الساحة للذين يدورون في فلك «محور الممانعة» الذي يتزعمه «حزب الله»، الحليف الاستراتيجي لإيران، بالتناغم مع بعض القوى السياسية التي تدين بالولاء له برغم أنها تدعي معارضتها لمشروعه الذي يتعارض مع مشروع بناء الدولة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الرئيس السنيورة وإن كان تمايز عن الرئيس الحريري بدعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً، فهو لا يزال يواصل لقاءاته بالتنسيق مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما يستعد للتواصل مع رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام الذي كان السباق في إعلان عزوفه عن خوض الانتخابات لأن هناك ضرورة لإعادة لملمة الوضع في الشارع البيروتي على قاعدة استمزاج آراء القيادات المعنية في الدائرة الثانية حول إمكانية رعاية الجهود الآيلة إلى خلق المناخ الذي يدفع باتجاه تشكيل لائحة من المرشحين تحظى بتأييد المزاج البيروتي ولديها القدرة على ملء الفراغ بعزوف المستقبل عن خوض الانتخابات.
ويركز الرئيس السنيورة على استمالة الحاضنة الشعبية التي تقف بأكثريتها الساحقة خلف الرئيس الحريري، إضافة إلى دور الرئيس سلام في تأمينه للرافعة الانتخابية التي يمكن أن تجمع بين مؤيديه والحريريين أكانوا من المنتمين إلى «المستقبل» أو من محازبيه، خصوصاً أنه من غير الجائز تجاهل المظلومية التي أُلحقت بالحريري وأدت لاستعادته القسم الأكبر من مناصريه الذين كانوا أخذوا عليه في السابق دخوله في تسوية مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي انقلب عليه ودفعه للاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة من جهة، وموافقته على قانون الانتخاب الذي أدى إلى تشتيت الصوت السني، خصوصاً في بيروت.
وفي هذا السياق، ينطلق السنيورة في مسعاه بدعم تشكيل لائحة من المرشحين في بيروت الثانية بالتعاون مع مجموعة من الوجوه البيروتية، من عدم تجاوز الخطوط الحمر وضرورة احترامها والتقيد بها، وتحديداً بالنسبة إلى عدم التحالف مع «الثنائي الشيعي» («حزب الله» وحركة «أمل»)، والأمر نفسه ينسحب على «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش) والنائب فؤاد مخزومي الذي يخوض الانتخابات بلائحة من خارج هذه التحالفات، وكان بكر في تدشين معركته الانتخابية برفع لوحات عملاقة في أحياء الدائرة الثانية باللون الأحمر كُتب عليها «بيروت في القلب»، فيما يتواصل السنيورة مع «الجماعة الإسلامية» التي تشكل النقيض لـ«الأحباش».
كما أن السنيورة يتواصل مع سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام الذي يشغل حالياً العضوية الدائمة في محكمة العدل الدولية في لاهاي، مع أنه لا يزال يتردد في حسم ترشحه لخوض الانتخابات، وهو يتهيب الموقف ويدرس خياراته ترشحاً أو عزوفاً تمهيداً لحسم موقفه قريباً وقبل إقفال باب الترشح، برغم أنه تردد بأنه يستعد للعودة إلى بيروت لإجراء جولة من المشاورات ليكون على بينة من القرار الذي سيتخذه.
كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر بيروتية أن مجموعة من الشخصيات، التي تدين بالولاء المطلق للحريري وبعضهم من المنتمين للحرس القديم في «المستقبل» من دون أن يتخلوا عن حريريتهم، تلتقي باستمرار بعيداً عن الأضواء وبمبادرة شخصية منهم، تحضيراً للموقف النهائي الذي يمكن أن تتخذه وحتماً قبل إقفال باب الترشح، مع أن موقفها حتى الساعة لا يزال يتأرجح بين دعمها لتشكيل لائحة لمنع سيطرة من لديهم مشروع يتعارض مع مشروع بناء الدولة وبين وقوفها على الحياد، وإن كانت تميل إلى عدم إخلاء الساحة للآخرين وتعمل حالياً على ابتداع المخارج السياسية لتبرير الخيار الانتخابي الذي يُفترض أن تستقر عليه.
وتردد بأن بعض الشخصيات التي تشارك في هذه اللقاءات ليست في قطيعة مع السنيورة لوجود قواسم مشتركة بين الفريقين، وإن كان بعضها الآخر غمز من قناة رئيس الحكومة الأسبق على خلفية دعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً، كما تردد بأن مرشح الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب الحالي فيصل الصايغ يمكن أن يترشح على اللائحة التي يمكن التوافق عليها في مواجهة اللوائح الأخرى، إلا في حال توصل رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى إقناع حليفه «حزب الله» بعدم ترشيح درزي آخر على لائحتهما المشتركة يسميه النائب الحالي طلال أرسلان، برغم أنه يقف حالياً أمام مهمة صعبة في ضوء تصاعد الخلاف بين التقدمي والحزب والذي تجاوز الأخير باستهدافه إيران.
أما على صعيد التحالفات الأخرى، فيبدو أن الحراك المدني بكل مجموعاته لم ينخرط حتى الساعة في معمعة الحمى الانتخابية بسبب انصرافه إلى تكثيف مشاوراته في محاولة لتوحيد موقفه بخوض الانتخابات بلائحة موحدة وببرنامج عمل سياسي، فيما ينتظر الثنائي الشيعي القرار النهائي لـ«الأحباش» للتأكد مما إذا كان سينخرط بالتحالف معه أو تخوض المعركة منفردة، برغم أن مصادر بيروتية كانت قد تحدثت عن أن «الأحباش» قررت أن تخوض معركتها الانتخابية بلا تحالفات.
وعزت المصادر البيروتية السبب إلى أن «الأحباش» وإن كانت منضوية في تحالف سياسي مع «الثنائي الشيعي»، فإنها لا تحبذ تعاونها الانتخابي لسببين: الأول يكمن في أن المقترعين المقيمين في الخارج والمنتمين إلى جمعية المشاريع يتخوفون من التحالف مع «حزب الله» لئلا يعرضوا أنفسهم إلى ملاحقات تؤدي إلى فرض عقوبات عليهم تستهدفهم شخصياً وتستهدف المؤسسات التابعة لـ«الأحباش» في عدد من الدول الأوروبية وأولها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية كون جميع هذه الدول كانت قد أدرجت اسم الحزب على لائحة الإرهاب.
أما السبب الثاني فيتعلق بوجود فريق داخل «الأحباش» يفضل عدم التعاون الانتخابي مع «حزب الله» أو الالتصاق به في هذه المرحلة، لأنه يراهن بعزوف الحريري عن خوض الانتخابات على إمكانية تسجيل اختراق في صفوف «المستقبل» يمكن أن يعزز رهانه في الحصول على حاصلين انتخابيين.
وعليه، فإن الثنائي الشيعي ينتظر من «الأحباش» بأن يتبلغ منهم القرار النهائي، وإن كانت «جمعية المشاريع» هي من روجت لانفصالها بالتراضي عن حليفيها الدائمين حركة «أمل» و«حزب الله» من دون أن تنقلب على خيارها السياسي الداعم للمقاومة، فيما يتولى الحزب الوساطة بين حليفيه «التيار الوطني الحر» و«أمل» بعد أن توصل معهما إلى مهادنة إعلامية تتعرض إلى خروق من حين لآخر.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن «حزب الله» توصل مع حليفيه إلى رسم الخطوط العريضة للتعاون الانتخابي المثلث الأطراف، ويقتصر حالياً على خوضه الانتخابات بلائحة موحدة في دائرة بعبدا - المتن الجنوبي، وأخرى في دائرة بعلبك - الهرمل، على أن يبحث لاحقاً في تحالفهم في بيروت الثانية بخلاف الصعوبات التي تواجه جمع «أمل» و«التيار الوطني» في لائحة واحدة في دائرة البقاع الغربي - راشيا.
وبحسب المعلومات فإن «أمل» و«حزب الله» كانا قد توصلا إلى صيغة لتحالفهما الانتخابي - السياسي تقضي بوقوف الحزب إلى جانب من ترشحه «أمل» في جزين والبقاع الغربي، على أن تدعم الأخيرة مرشحي الحزب في جبيل - كسروان وزحلة، باعتبار أن لا مشكلة في تحالفهما في الدوائر ذات الأغلبية من الطائفة الشيعية، أكان في الجنوب أو في بعلبك - الهرمل، مع إعطاء الحرية لناخبيهما في الدوائر التي لا تتمثل فيها الشيعة.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.