السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

المشهد الانتخابي في بيروت الثانية لن يكتمل

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
TT

السنيورة يسعى لملء الفراغ... وتحرّك صامت لـ«الحريريين»

رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)
رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (غيتي)

لن يكتمل المشهد الانتخابي في دائرة بيروت الثانية (11 مقعداً نيابياً) قبل إقفال باب الترشح لخوض الانتخابات في 15 مارس (آذار) المقبل للتأكد من إمكانية إعادة خلط الأوراق الانتخابية تحالفاً واقتراعاً، أم أنها سترسو على تشكيل لوائح تخلو من المرشحين الذين يدورون في فلك تيار «المستقبل» بعد أن اتخذ زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قراره بالعزوف عن خوض الانتخابات من دون أن يدعو إلى مقاطعتها، مشترطاً على «أهل البيت» المنتمين إلى التيار الأزرق الاستقالة منه في حال ارتأوا خوضها، تاركاً في نفس الوقت للنواب الحاليين المستقلين الأعضاء في كتلته النيابية الحرية في الترشح وإنما على مسؤوليتهم.
فالغموض الذي يكتنف المعركة الانتخابية في دائرة بيروت الثانية ذات الأغلبية للطائفة السنية يبقى قائماً إلى أن يتبلور التوجه العام للموقف الذي كان قد أعلنه رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بدعوته للمشاركة في العملية الانتخابية ترشحاً واقتراعاً لقطع الطريق على إخلاء الساحة للذين يدورون في فلك «محور الممانعة» الذي يتزعمه «حزب الله»، الحليف الاستراتيجي لإيران، بالتناغم مع بعض القوى السياسية التي تدين بالولاء له برغم أنها تدعي معارضتها لمشروعه الذي يتعارض مع مشروع بناء الدولة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الرئيس السنيورة وإن كان تمايز عن الرئيس الحريري بدعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً، فهو لا يزال يواصل لقاءاته بالتنسيق مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما يستعد للتواصل مع رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام الذي كان السباق في إعلان عزوفه عن خوض الانتخابات لأن هناك ضرورة لإعادة لملمة الوضع في الشارع البيروتي على قاعدة استمزاج آراء القيادات المعنية في الدائرة الثانية حول إمكانية رعاية الجهود الآيلة إلى خلق المناخ الذي يدفع باتجاه تشكيل لائحة من المرشحين تحظى بتأييد المزاج البيروتي ولديها القدرة على ملء الفراغ بعزوف المستقبل عن خوض الانتخابات.
ويركز الرئيس السنيورة على استمالة الحاضنة الشعبية التي تقف بأكثريتها الساحقة خلف الرئيس الحريري، إضافة إلى دور الرئيس سلام في تأمينه للرافعة الانتخابية التي يمكن أن تجمع بين مؤيديه والحريريين أكانوا من المنتمين إلى «المستقبل» أو من محازبيه، خصوصاً أنه من غير الجائز تجاهل المظلومية التي أُلحقت بالحريري وأدت لاستعادته القسم الأكبر من مناصريه الذين كانوا أخذوا عليه في السابق دخوله في تسوية مع رئيس الجمهورية ميشال عون الذي انقلب عليه ودفعه للاعتذار عن عدم تشكيل الحكومة من جهة، وموافقته على قانون الانتخاب الذي أدى إلى تشتيت الصوت السني، خصوصاً في بيروت.
وفي هذا السياق، ينطلق السنيورة في مسعاه بدعم تشكيل لائحة من المرشحين في بيروت الثانية بالتعاون مع مجموعة من الوجوه البيروتية، من عدم تجاوز الخطوط الحمر وضرورة احترامها والتقيد بها، وتحديداً بالنسبة إلى عدم التحالف مع «الثنائي الشيعي» («حزب الله» وحركة «أمل»)، والأمر نفسه ينسحب على «جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» (الأحباش) والنائب فؤاد مخزومي الذي يخوض الانتخابات بلائحة من خارج هذه التحالفات، وكان بكر في تدشين معركته الانتخابية برفع لوحات عملاقة في أحياء الدائرة الثانية باللون الأحمر كُتب عليها «بيروت في القلب»، فيما يتواصل السنيورة مع «الجماعة الإسلامية» التي تشكل النقيض لـ«الأحباش».
كما أن السنيورة يتواصل مع سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام الذي يشغل حالياً العضوية الدائمة في محكمة العدل الدولية في لاهاي، مع أنه لا يزال يتردد في حسم ترشحه لخوض الانتخابات، وهو يتهيب الموقف ويدرس خياراته ترشحاً أو عزوفاً تمهيداً لحسم موقفه قريباً وقبل إقفال باب الترشح، برغم أنه تردد بأنه يستعد للعودة إلى بيروت لإجراء جولة من المشاورات ليكون على بينة من القرار الذي سيتخذه.
كما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر بيروتية أن مجموعة من الشخصيات، التي تدين بالولاء المطلق للحريري وبعضهم من المنتمين للحرس القديم في «المستقبل» من دون أن يتخلوا عن حريريتهم، تلتقي باستمرار بعيداً عن الأضواء وبمبادرة شخصية منهم، تحضيراً للموقف النهائي الذي يمكن أن تتخذه وحتماً قبل إقفال باب الترشح، مع أن موقفها حتى الساعة لا يزال يتأرجح بين دعمها لتشكيل لائحة لمنع سيطرة من لديهم مشروع يتعارض مع مشروع بناء الدولة وبين وقوفها على الحياد، وإن كانت تميل إلى عدم إخلاء الساحة للآخرين وتعمل حالياً على ابتداع المخارج السياسية لتبرير الخيار الانتخابي الذي يُفترض أن تستقر عليه.
وتردد بأن بعض الشخصيات التي تشارك في هذه اللقاءات ليست في قطيعة مع السنيورة لوجود قواسم مشتركة بين الفريقين، وإن كان بعضها الآخر غمز من قناة رئيس الحكومة الأسبق على خلفية دعوته للمشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً، كما تردد بأن مرشح الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب الحالي فيصل الصايغ يمكن أن يترشح على اللائحة التي يمكن التوافق عليها في مواجهة اللوائح الأخرى، إلا في حال توصل رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى إقناع حليفه «حزب الله» بعدم ترشيح درزي آخر على لائحتهما المشتركة يسميه النائب الحالي طلال أرسلان، برغم أنه يقف حالياً أمام مهمة صعبة في ضوء تصاعد الخلاف بين التقدمي والحزب والذي تجاوز الأخير باستهدافه إيران.
أما على صعيد التحالفات الأخرى، فيبدو أن الحراك المدني بكل مجموعاته لم ينخرط حتى الساعة في معمعة الحمى الانتخابية بسبب انصرافه إلى تكثيف مشاوراته في محاولة لتوحيد موقفه بخوض الانتخابات بلائحة موحدة وببرنامج عمل سياسي، فيما ينتظر الثنائي الشيعي القرار النهائي لـ«الأحباش» للتأكد مما إذا كان سينخرط بالتحالف معه أو تخوض المعركة منفردة، برغم أن مصادر بيروتية كانت قد تحدثت عن أن «الأحباش» قررت أن تخوض معركتها الانتخابية بلا تحالفات.
وعزت المصادر البيروتية السبب إلى أن «الأحباش» وإن كانت منضوية في تحالف سياسي مع «الثنائي الشيعي»، فإنها لا تحبذ تعاونها الانتخابي لسببين: الأول يكمن في أن المقترعين المقيمين في الخارج والمنتمين إلى جمعية المشاريع يتخوفون من التحالف مع «حزب الله» لئلا يعرضوا أنفسهم إلى ملاحقات تؤدي إلى فرض عقوبات عليهم تستهدفهم شخصياً وتستهدف المؤسسات التابعة لـ«الأحباش» في عدد من الدول الأوروبية وأولها ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية كون جميع هذه الدول كانت قد أدرجت اسم الحزب على لائحة الإرهاب.
أما السبب الثاني فيتعلق بوجود فريق داخل «الأحباش» يفضل عدم التعاون الانتخابي مع «حزب الله» أو الالتصاق به في هذه المرحلة، لأنه يراهن بعزوف الحريري عن خوض الانتخابات على إمكانية تسجيل اختراق في صفوف «المستقبل» يمكن أن يعزز رهانه في الحصول على حاصلين انتخابيين.
وعليه، فإن الثنائي الشيعي ينتظر من «الأحباش» بأن يتبلغ منهم القرار النهائي، وإن كانت «جمعية المشاريع» هي من روجت لانفصالها بالتراضي عن حليفيها الدائمين حركة «أمل» و«حزب الله» من دون أن تنقلب على خيارها السياسي الداعم للمقاومة، فيما يتولى الحزب الوساطة بين حليفيه «التيار الوطني الحر» و«أمل» بعد أن توصل معهما إلى مهادنة إعلامية تتعرض إلى خروق من حين لآخر.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن «حزب الله» توصل مع حليفيه إلى رسم الخطوط العريضة للتعاون الانتخابي المثلث الأطراف، ويقتصر حالياً على خوضه الانتخابات بلائحة موحدة في دائرة بعبدا - المتن الجنوبي، وأخرى في دائرة بعلبك - الهرمل، على أن يبحث لاحقاً في تحالفهم في بيروت الثانية بخلاف الصعوبات التي تواجه جمع «أمل» و«التيار الوطني» في لائحة واحدة في دائرة البقاع الغربي - راشيا.
وبحسب المعلومات فإن «أمل» و«حزب الله» كانا قد توصلا إلى صيغة لتحالفهما الانتخابي - السياسي تقضي بوقوف الحزب إلى جانب من ترشحه «أمل» في جزين والبقاع الغربي، على أن تدعم الأخيرة مرشحي الحزب في جبيل - كسروان وزحلة، باعتبار أن لا مشكلة في تحالفهما في الدوائر ذات الأغلبية من الطائفة الشيعية، أكان في الجنوب أو في بعلبك - الهرمل، مع إعطاء الحرية لناخبيهما في الدوائر التي لا تتمثل فيها الشيعة.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».