كييف تقاتل لصد القوات الروسية... ومدنيون يتطوعون للدفاع عنها

نزوح واسع... وسقوط مئات القتلى والجرحى

أوكرانيون يفرون من المعارك باتجاه حدود سلوفاكيا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يفرون من المعارك باتجاه حدود سلوفاكيا (إ.ب.أ)
TT

كييف تقاتل لصد القوات الروسية... ومدنيون يتطوعون للدفاع عنها

أوكرانيون يفرون من المعارك باتجاه حدود سلوفاكيا (إ.ب.أ)
أوكرانيون يفرون من المعارك باتجاه حدود سلوفاكيا (إ.ب.أ)

عبر «فيسبوك» وفي وسائل الإعلام، تكثّف وزارة الدفاع الأوكرانية دعواتها إلى التجنيد العاجل في كتائب «الدفاع الإقليمي»، وهي مؤسسة أنشئت في 2015 لدعم الجيش النظامي إذا اقتضت الحاجة. ويكفي أن يكون عمر المتطوع بين 18 و60 عاماً ويحمل جواز سفر صالحاً للانضمام إليها. كذلك، فإن هذا التجنيد لا يتطلّب أي نوع من التدريب.
وتدور مواجهات في كييف بين القوات الأوكرانية والروسية من أجل السيطرة على العاصمة في اليوم الثالث من الاجتياح الروسي. وجرت معارك في جادة النصر، أحد الشرايين الرئيسية في كييف بعد ساعات من توجيه الرئيس فولودمير زيلينسكي دعوة إلى التعبئة.
وينتشر المتطوعون المدنيون في كتائب «الدفاع الإقليمي» بكييف، مرتدين سراويل جينز ومنتعلين أحذية رياضية أو أزياء غير متطابقة، في كل أنحاء كييف. وهم مرئيون في الشوارع أكثر من القوات النظامية، ويمكن التعرف عليهم من شارة صفراء صغيرة موضوعة حول الذراع اليسرى. وفي مدينة شبه خالية من السكان، يبدو وجود هذه الكتائب واضحاً.
ويضيق الجيش الروسي الخناق بشكل خطير على العاصمة الأوكرانية، والجميع يستعد لمعارك ضارية. ويقول يوري كورتشمني الذي لم يحمل سلاحاً يوماً قبل انضمامه إلى كتيبة من المدنيين المتأهبين لحماية كييف من الهجوم الروسي: «وزعوا بنادق ولقّموها لنا وها نحن» هكذا. ومع الغزو الروسي لبلاده ودخول أولى القوات الروسية إلى العاصمة في أقل من 48 ساعة، لم يعد المؤرخ البالغ 35 عاماً متردداً. مثله، جاء عشرات الرجال من الحي الذي يسكنه في اليوم التالي للحصول على رشاش كلاشنيكوف من نقطة التوزيع المعلنة، شاحنة عسكرية مليئة بصناديق من الأسلحة. وروى متطوع آخر هو فولوديمير موغيلا، كما جاء في تحقيق وكالة الصحافة الفرنسية: «حصلنا على أسلحة في مكتب التسجيل العسكري. ونحن الآن ننتظر بفارغ الصبر ليتم استدعاؤنا».

أوكرانيون يفرون باتجاه الحدود البولندية (رويترز)

لكن حالياً، ما زال العدو الروسي، رغم انتشاره في كل أنحاء المدينة، غير مرئي على الرغم من المعارك الأولى في منطقة أوبولونسكي بشمال كييف، صباح الجمعة. وقد وجد المتطوعون في «الدفاع الإقليمي» بهذه المنطقة أنفسهم، رغماً عنهم، في خطوط المواجهة بهذه المعركة الأولى. ويقع مقر قيادتهم الرئيسي على مسافة أمتار قليلة من المكان الذي بثت فيه مجموعة كوماندوز مؤلفة من ثلاث مدرعات روسية الرعب، وفتحت النار على مدني وسحقت سيارة في طريقها. وما زالت جثة المصاب التي تغطيها الدماء على الأرض بعدما فحصها أطباء شرعيون عند مدخل المقر. لكن المتطوعين لم يعودوا آبهين به، إذ إنهم منشغلون بتلقي تدريباتهم العسكرية البدائية السريعة في موقف السيارات المجاور. ويبرر قائدهم «بوب» ذلك بالقول: «لدينا عدو قوي جداً أمامنا».
وأضاف مهندس الكومبيوتر البالغ من العمر 51 عاماً، أن «ذلك لا يكفي لإيقاف المروحيات، ولا يكفي لمواجهة الدبابات»، داعياً المجتمع الدولي إلى مساعدة الأوكرانيين عبر تزويدهم بمزيد من الأسلحة. وشدد على أنه «علينا أن نوقف موسكو، علينا أن نوقف هذا العدو». وقال المتطوع رومان بوندرتسيف الذي تعهد «عدم البقاء مكتوف اليدين» في وطنه خلال غزو روسيا بلاده، إنه مستعد للدفاع عن مدينته مهما كان السيناريو. لكنه لا يوهم نفسه بأمور كثيرة. وأوضح: «لم أحمل سلاحاً نارياً في حياتي. ماذا تريدون؟ سنحاول فعل كل ما بوسعنا (...) وإذا قتلت، سيكون هناك اثنان مستعدان ليحلا مكاني».
وأعلن جهاز الاتصالات الخاصة الأوكراني السبت: «تتواصل معارك عنيفة في كييف. الجيش الأوكراني يصد المخربين الروس». وأفاد مراسلون في وكالة الصحافة الفرنسية بأن دوي نيران المدفعية والصواريخ تتردد بشكل متقطع في شمال غربي كييف. وأصيب مبنى سكني مرتفع في العاصمة بصاروخ، بحسب السلطات الأوكرانية التي لم تقدم معلومات عن أي ضحايا محتملين في الوقت الراهن.
كذلك أفاد الجيش الأوكراني عن معارك «عنيفة» على مسافة 30 كيلومتراً إلى جنوب غربي كييف، حيث قال إن الروس «يحاولون إنزال مظليين». كما أعلنت القوات البرية الأوكرانية على «فيسبوك» أنها دمرت رتلاً روسياً من خمس آليات عسكرية بينها دبابة قرب محطة بيريستيسكا للمترو على جادة النصر بشمال غربي العاصمة.
وعلى الطريق بين كراماتورسك ودنيبرو الواقعتين في شرق أوكرانيا، لاحظ صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية وجود عدد كبير من القوافل العسكرية الأوكرانية. وأقيمت حواجز عسكرية عند مداخل ومخارج كل مدينة رئيسية في هذه المنطقة. من جانب آخر، طلبت الهيئة الناظمة الروسية للاتصالات السبت، من وسائل إعلام وطنية حذف التقارير التي تصف هجوم موسكو على أوكرانيا بأنه «هجوم أو غزو أو إعلان حرب». وسُجلت حركة نزوح واسعة بسبب المعارك، إذ بلغ عدد النازحين نحو مائة ألف شخص، فيما غادر 50 ألفاً أوكرانيا، بحسب أرقام الأمم المتحدة، باتجاه حدود الاتحاد الأوروبي خصوصاً إلى بولندا والمجر ورومانيا.
ميدانياً، شاهد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في منطقة أوبولونسكي بكييف الجمعة، مدنياً مقتولاً على الرصيف وفرق إسعاف تساعد مدنياً آخر عالقاً في هيكل سيارة دهستها دبابة روسية. وبعد فرار الكثيرين الخميس، من العاصمة التي تعد ثلاثة ملايين نسمة، بات وسط كييف أشبه بمدينة أشباح في ظل حظر التجول. ودفع الاجتياح الروسي ملايين الأوكرانيين إلى الفرار وهم يتدفقون إلى حدود الاتحاد الأوروبي، لا سيما بولندا والمجر ورومانيا.
وأعلن وزير الصحة الأوكراني فيكتور لياشيكو وفاة 198 مدنياً، من بينهم ثلاثة أطفال، على «أيدي المحتلين»، في إشارة إلى القوات الروسية. وقال لياشكو عبر موقع «فيسبوك»: «وفقاً لأحدث البيانات، قتل الغزاة 198 مدنياً، من بينهم ثلاثة أطفال، وأصيب 1115 شخصاً، بينهم 33 طفلاً»، بحسب ما أوردته «يوكرينفورم» الأوكرانية. وأضاف أنه في الوقت نفسه، يُولد أطفال أوكرانيون في ظل القصف والانفجارات. ودخل الهجوم الروسي على أوكرانيا يومه الثالث، حيث يدور قتال بين القوات الروسية والأوكرانية في شوارع كييف. وأعلن الجيش الأوكراني أمس (السبت)، أن 3500 جندي روسي قتلوا، وتم أسر200 آخرين. كما تم إسقاط 14 طائرة و8 مروحيات و102 دبابة وأكثر من 530 مركبة عسكرية أخرى.
نفت وزارة الدفاع الروسية صحة التقارير التي تحدثت عن «ضربة صاروخية روسية» أصابت مبنى سكنياً في كييف صباح أمس (السبت). وقال مصدر في الوزارة إن ما يتردد عن ضربة صاروخية روسية استهدفت مبنى سكنياً في شارع لوبانوفسكي بكييف، «ليس له أساس من الصحة»، مشيراً إلى أن طبيعة الأضرار تدل على أنها ناجمة عن الإصابة بصاروخ مضاد للطائرات، حسبما يظهر ذلك من مقطع الفيديو. وأضاف: «واضح أنه أثناء صد هجوم صاروخي ليلي على البنية التحتية العسكرية للقوات المسلحة الأوكرانية، حدث فشل في جهاز توجيه الصواريخ لمنظومة الدفاع الجوي الأوكراني متوسط المدى (بوك إم1)، فاصطدم الصاروخ بجانب من مبنى سكني».
وكانت وكالة الأنباء الأوكرانية «يوكرينفورم» نقلت في وقت سابق أمس، عن عمدة كييف، فيتالي كليتشكو وخدمة الطوارئ الأوكرانية، القول إن «صاروخاً أصاب مبنى سكنياً، مكوناً من عدة طوابق (ما بين 17 و18 طابقاً). لم يتم الإبلاغ عن أي ضحايا حتى الآن. تجرى عملية الإجلاء».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».