أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

بعد المواقف المتحفظة في «مؤتمر ميونيخ للأمن»

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة
TT

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

في وقت كانت روسيا تُجري فيه مناورات عسكرية مع بيلاروسيا (روسيا البيضاء) تأهباً لحربها على أوكرانيا، وقبل أيام قليلة من شنها الحرب ودخول جنودها الأراضي الأوكرانية، وقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منبر «مؤتمر الأمن» في مدينة ميونيخ بجنوب ألمانيا، ليتهم الغرب باللجوء إلى «سياسة المهادنة» مع موسكو. ومن ثم، دعا الرئيس الأوكراني الدول الغربية إلى التخلي عن هذه السياسة وتبني سياسة أخرى «تضمن الأمن والسلام».
كان وقع كلمات زيلينسكي في تلك اللحظات كبيراً. فهو - أو كاتب خطابه - كما كان واضحاً يشير إلى تاريخ ميونيخ مع «سياسة المهادنة»، أو ما يعرف أيضاً – وهو تعبير أدق – بـ«سياسة الاسترضاء». فالمدينة نفسها غدت بعد الحرب العالمية الثانية مرادفاً عند البعض لعبثية هذه السياسة التي يمكن تعريفها في السياسة الخارجية بأنها «خطوات استرضاء» يتخذها طرف في محاولة «ساذجة في تفاؤلها» لحثّ طرف عدواني على التراجع وتجنب وقوع حرب كبرى.
ذلك أنه من ميونيخ، وفي مؤتمر عقد في مكان غير فندق باييريشر هوف الشهير، الذي يستضيف «مؤتمر الأمن» سنوياً، خرج أشهر مثال لهذه السياسة التي اعتمدها رئيس الوزراء البريطاني عام 1938 نيفيل تشامبرلين مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر.
يومذاك، وافق تشامبرلين على أن يضم هتلر أجزاء من تشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا، بعدما كان قد ضم النمسا من دون كلمة اعتراض من أحد. ولقد جاءت موافقة رئيس الوزراء البريطاني مقابل تعهد من الزعيم النازي بأن يوقف زحفه على باقي أوروبا. ولكن، كما أثبتت الأحداث، كانت تلك الخطوة التي خرج بعدها تشامبرلين معتقداً أنه انتصر، السبب في الحرب العالمية الثانية. إذ إنها شجّعت هتلر على التقدم أكثر، وقضم أراضٍ إضافية من أوروبا وضمها إلى ألمانيا. ولقد تطلب وقف هتلر جهد رئيس وزراء بريطاني آخر، هو ونستون تشرتشل، في بناء تحالف دولي يهدف إلى وقفه وإنهاء الحرب. ومن ثم، رغم أن «مؤتمر الأمن» الأخير في ميونيخ عقد بعد 84 سنة على لقاء تشامبرلين - هتلر في عاصمة ولاية بافاريا الألمانية، فإن صدى المؤتمر الأول ظل يتردد داخل فندق باييريشر هوف الراقي في العام 2022.

لم يشهد «مؤتمر ميونيخ للأمن» طوال سنواته الماضية تجمعاً غربياً موحداً مثل الذي شهده هذا العام. إذ طغى على الحضور رؤساء حكومات ورؤساء ووزراء خارجية ودفاع من دول غربية في أوروبا بجانب الولايات المتحدة، مع غياب لافت لأي مسؤول روسي أو صيني. والواقع أن المنبر السنوي لم يعد يشبه ما كان عليه في السنوات السابقة، إذ تحوّل من مكان للحوار والتبادل الدبلوماسي، إلى مكان للحشد ضد روسيا الغائبة للمرة الأولى منذ فترة طويلة، وإرسال تحذيرات لها من استمرار تصعيدها ضد أوكرانيا.
لقد وقف الزعماء الغربيون مداورةً على منصة المؤتمر لتأكيد وقوفهم إلى جانب كييف أمام التصعيد الروسي الذي لم يكُن قد تحوّل إلى غزو عسكري بعد، وهو ما بدأ بعد أيام قليلة على اختتام أعمال المؤتمر.
من المستشار الألماني أولاف شولتز إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ونائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس وغيرهم، صدرت تحذيرات متتالية وتهديدات بعقوبات مؤلمة وعواقب وخيمة على موسكو إذا ما حركت جنودها أكثر... ودخلت أراضي أوكرانيا.

- كلام زيلينسكي الصريح
كان واضحاً في كلمات الزعماء الغربيين أن ذكرى «اتفاق ميونيخ» البائس عام 1938 تطاردهم. فبدوا حريصين على تحاشي تكرار أخطاء الماضي وتجنب الظهور وكأنهم يهادنون روسيا. غير أن الرئيس الأوكراني الذي وصل صباح اليوم الثاني من أيام المؤتمر، رغم التحذيرات الأميركية من مغادرته كييف، وغادر مساء اليوم نفسه، اتهمهم تحديداً بذلك.
لقد طالب الرئيس فولوديمير زيلينسكي القادة المجتمعين بأن يباشروا فرض العقوبات على روسيا فوراً، وألا ينتظروا حتى تبدأ بغزو بلاده. كذلك اعتبر زيلينسكي تهديداتهم مجرد «إشارات فارغة» ما لم تقترن بأفعال. وقال مذكراً حضوره الغربي بآثار «سياسة المهادنة» بلهجة تحذيرية: «ما الذي ستؤدي إليه محاولات المهادنة؟ فيما تحول السؤال؛ لماذا نموت لأجل دانزيغ؟ إلى الحاجة للموت لأجل دانكرك وعشرات المدن في أوروبا والعالم، بتكلفة عشرات ملايين الأرواح...». في إشارة صريحة إلى تقاعس العالم في الدفاع عن بولندا عندما غزاها هتلر، وهو ما شجعه على التقدم أكثر والتسبب بتفجير الحرب العالمية الثانية.
وتابع الرئيس الأوكراني كلامه، فانتقد أيضاً رفض السماح لبلاده بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو». وقال إن بلاده تخلت عام 1994 عن ترسانتها النووية، التي كانت ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، مقابل ضمانات أمنية وقّعت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. ومن ثم تساءل: «ما الذي حصل لهذه الضمانات؟»، وتابع يقول إن «هندسة أمن العالم ضعيفة، وبحاجة إلى تحديث. القواعد التي اتفق عليها العالم قبل عقود لم تعد تعمل، ولا تفيد أمام التهديدات الجديدة... إنها جرعة دواء سعال، بينما المطلوب لقاح ضد فيروس (كوفيد 19)».

- التذكير بخطاب بوتين قبل 15 سنة
زيلينسكي لم يشر في خطابه فقط إلى ما حصل عام 1938 في ميونيخ، بل تطرّق أيضاً إلى نقطة «تاريخية» أخرى في عمر عاصمة بافاريا، حين اعتلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منبر «مؤتمر الأمن» قبل 15 سنة، وقرأ خطاباً أثار صدمة لدى الحاضرين، وفي حينه قال كثيرون آنذاك إنه أظهر الوجه الحقيقي للزعيم الروسي.
يومذاك، اتهم بوتين الولايات المتحدة بـ«الخبث» وبـ«السعي لاستحداث عالم أحادي القطب». والأهم من ذلك، أنه استنتج خلال خطابه بعد 30 دقيقة أن النظام الليبرالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة لا يهم روسيا.
هذا الخطاب، تحديداً، هو الذي عاد الرئيس الأوكراني ليذكّر به الحضور رغم مرور 15 سنة. إذ قال: «من هنا قبل 15 سنة أعلنت روسيا نواياها بأنها ستتحدى الأمن العالمي. ماذا فعل العالم؟ هادن. ما النتيجة؟ على الأقل ضم القرم وعدوان ضد بلدي».
بعد خطابه، لم يبق زيلينسكي طويلاً. بل عقد لقاءات معدودة مع الزعماء الغربيين، ثم غادر عائداً إلى بلاده. لقد كان واضحاً أن حضوره كان مدروساً، هدفه تذكير دول الغرب بواجباتها والاستفادة من دروس التاريخ. فهو تغاضى عن تحذير الرئيس الأميركي جو بايدن له قبل يوم بضرورة ألا يغادر العاصمة الأوكرانية كييف في وقت حساس. ثم إنه لم يقدّم الشكر للقادة الأوروبيين، ولا الغربيين لوقوفهم إلى جانب كييف «كلامياً»، بل اتهمهم بأنهم غير جادين، وبأنهم يدفعون بلاده «لتتسول» الحماية والدعم العسكري. وفي هذا الكلام، لم ينتقد زيلينسكي حلف «ناتو» الذي يرفض إعطاء أوكرانيا مهلة زمنية لضمها، ما يعني أنه لن يكون مجبراً على الدفاع عنها في حال شن هجوم عليها، بل انتقد أيضاً ألمانيا تحديداً، لرفضها إرسال أسلحة إلى كييف «بسبب تاريخها».

- انتقاد موقف ألمانيا
الواقع أن برلين كرّرت موقفها هذا، حتى عندما واجه عمدة كييف، الذي كان موجوداً وسط الحضور، وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيروبوك في إحدى الجلسات الحوارية. وعندها وقف العمدة والمصارع السابق فيتالي كليشكو، بقامته الضخمة، بين الحضور، وقال لبيربوك: «شكراً لإرسال 5 آلاف خوذة، ولكن هذا ليس كافياً. لا يمكننا أن ندافع عن بلدنا بها». فردّت بيربوك بتكرار الكلام عن دروس التاريخ التي لا تسمح لألمانيا بتسليح دول إبان النزاعات، قبل أن تضيف أن برلين «تبذل قصارى جهدها للتركيز على الدبلوماسية لحل التصعيد مع روسيا».
هذا، وكانت الحكومة الألمانية قد تعرضت لانتقادات شديدة بعد إرسالها خوذاً ومستشفيات عسكرية إلى أوكرانيا، خاصة أنها ثالث أكبر مصدّر للسلاح في العالم، في حين ترسل الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أسابيع طائرات مليئة بالأسلحة لكييف. ثم إن رفض استمرار برلين إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، يأتي رغم أنها خرجت في الماضي عن الأطر التي كانت حددت فيها نفسها، وأرسلت أسلحة مثلاً لـ«البيشمركة» الأكراد في شمال العراق طوال السنوات الماضية التي كانت القوات الكردية تقاتل فيها «تنظيم داعش». وكانت تلك المرة الأولى التي ترسل فيها ألمانيا أسلحة إلى مناطق نزاعات.
لكن الدبلوماسية التي تحدثت عنها بيربوك كانت غائبة عن المؤتمر الأمني، رغم أن وزيرة الخارجية الألمانية عقدت اجتماعاً على هامشه مع فرنسا وأوكرانيا، ضمن «صيغة النورماندي». وكان الطرف الرابع والأهم في هذه المجموعة، التي أسست لمناقشة تطبيق «اتفاقية مينسك» الموقعة عام 2014 والتي تهدف للحوار بين كييف وموسكو، كان غائباً. غياب روسيا عن المؤتمر كان بإرادة الكرملين، الذي رفض الدعوات المتكرّرة لإرسال ممثلين عنه «لعرض وجهة نظره» من الأزمة، بحسب ما قال رئيس المؤتمر.
وبالفعل، لم تمضِ 24 ساعة على انتهاء «مؤتمر ميونيخ للأمن» ومغادرة الزعماء، كل إلى بلده، حتى بدأت روسيا التصعيد بشكل كبير، فأعلنت الاعتراف بـ«جمهوريتي» دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، وتبعت الخطوة بإرسال جنودها كـ«قوات حفظ سلام» إلى الإقليمين، لتتبعها ببدء غزو أوكرانيا.

- نداء يقظة للأوروبيين
من دون شك، تحول «المؤتمر» هذا العام إلى نداء يقظة بالنسبة للأوروبيين. إذ عاد النقاش بقوة حول جيش أوروبي قادر على الانتشار بسرعة وحماية حدود القارة في حالات لا يمكن لـ«ناتو» أو للولايات المتحدة التدخل مباشرة، كما هو حاصل الآن في أوكرانيا. وهذا النقاش قديم يتجدد كل سنة، وعادة لا يتعدى أيام «المؤتمر» الثلاثة، غير أنه هذا العام قد تكون له أصداء أكثر واقعية وجدية في ضوء التهديد الروسي للقارة الأوروبية، وعجز «ناتو» عن مواجهة روسيا، لكون أوكرانيا ليست عضواً في الحلف. وهو ما يعني أن الحلف غير مجبر على الدفاع عنها. واللافت أنه رغم كل هذه التحذيرات الغربية خلال الأيام التي سبقت الغزو الروسي، والتوقعات القائلة بأن روسيا ستدخل فعلاً إلى أوكرانيا، فقد شكل بدء العملية العسكرية مفاجأة في أوروبا.
من ناحية أخرى، أبرز ما أظهره فعلاً «مؤتمر ميونيخ» هذه المرة، هو متانة العلاقة عبر الأطلسي بعد سنوات من الصلات المتوترة في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. فالمؤتمر الذي عادة ما يكون منبراً لمناقشة العلاقات الأوروبية - الأميركية، وتشارك فيه سنوياً وفود أميركية كبيرة من الكونغرس، عاد هذا العام وأكد على متانة هذه العلاقة. وحرصت نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس، ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، على تكرار تعبير «قوتنا في وحدتنا»، وهو تعبير أيضاً تكرر على لسان المسؤولين الأوروبيين الآخرين الذين تنفس كثيرون منهم الصعداء بعد رحيل ترمب الذي ترك آثاراً موجعة في سنوات سابقة من المؤتمر. وكانت لحظة امتناع الحاضرين عن التصفيق إبان مؤتمر العام 2018 عندما ذكر نائب الرئيس الأميركي - آنذاك - مايك بنس اسم دونالد ترمب، وقال إنه يأتي حاملاً معه تحياته الحارة، مؤشراً على مدى تدهور العلاقات بين الأوروبيين والأميركيين في عهد الرئيس السابق.
وحرصت هاريس هذا العام في كلمتها أمام المؤتمر على التأكيد أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان سوياً في مواجهة روسيا. وقالت تعليقاً على التصعيد العسكري الروسي الذي كان مجرد حشود عسكرية على الحدود مع أوكرانيا: «لقد حققنا وحدة لافتة مع حلفائنا (الأوروبيين)، وهذا واضح من خلال اعترافنا المشترك بالتهديدات، وردّنا الموحّد عليها وتصميمنا على حفظ الأمن والسلم العالميين». وأردفت: «نحن وحلفاؤنا أقرب معاً، وهدفنا ورؤيتنا المشتركان واضحان».
ورغم ذلك، فإن هذه الوحدة الغربية التي ظهرت في ميونيخ بوجه روسيا، عكست أيضاً واقعاً جديداً سيكون على الأوروبيين التعامل معه. إذ جاء في تقرير لـ«المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» أنه على الرغم من الوحدة الغربية في مؤتمر ميونيخ فإن «إدارة بايدن أوضحت أنه لا يمكن منح ضمانات عسكرية إلا للأطراف الأعضاء في (ناتو)، وأن أقصى ما يمكن تقديمه للدول خارج الحلف هو فرض عقوبات وإرسال معدات عسكرية والانخراط في الدبلوماسية». وأضاف «المجلس» - وهو مركز أبحاث مرموق يتخذ من برلين مقراً له - في تقريره أن «توسيع (ناتو) لأي دول، باستثناء فنلندا والسويد، ليس مطروحاً بتاتاً، وهذا قد يكون صحيحاً أيضاً بالنسبة لعضوية الاتحاد الأوروبي».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.