قلق إسرائيلي من تقارب روسي ـ إيراني في سوريا بسبب أوكرانيا

مظاهرتان ضد موسكو في تل أبيب وحيفا

روسية تحرق جواز سفرها خلال تظاهرة مؤيدة لأوكرانيا في تل أبيب أول من أمس (أ.ب)
روسية تحرق جواز سفرها خلال تظاهرة مؤيدة لأوكرانيا في تل أبيب أول من أمس (أ.ب)
TT

قلق إسرائيلي من تقارب روسي ـ إيراني في سوريا بسبب أوكرانيا

روسية تحرق جواز سفرها خلال تظاهرة مؤيدة لأوكرانيا في تل أبيب أول من أمس (أ.ب)
روسية تحرق جواز سفرها خلال تظاهرة مؤيدة لأوكرانيا في تل أبيب أول من أمس (أ.ب)

في الوقت الذي تتعرض فيه الحكومة الإسرائيلية لضغوط أميركية، لكي تتخذ مواقف «أكثر صرامة ووضوحا في تأييد الموقف الغربي» من الأزمة الأكرانية، وأخذ دور في المجتمع الدولي وفي «تشجيع قيادة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي»، كشفت مصادر عسكرية عن مخاوف الجيش والموساد من أن يؤدي التحالف الغربي الحربي إلى عزل روسيا وبالتالي تشكيل أحلاف مع غلاة المتطرفين في محور الشر والتقرب بشكل خاص من إيران مع كل ما يحمله هذا من تبعات على الأوضاع في سوريا والتصادم هناك مع إسرائيل. وقالت هذه المصادر إن روسيا، أبلغت إسرائيل أنها لا تنظر بعين الرضى لوقوفها مع أوكرانيا والغرب، ولكنها مستعدة لامتصاص هذا الموقف بشرط ألا يتكرر.
وكانت إسرائيل، وبعد ضغوط شديدة من واشنطن والعواصم الأوروبية، قد حسمت موقفها لصالح الغرب في الأزمة الأكرانية، وأعلن وزير الخارجية، يائير لبيد، التنديد «بالهجوم الروسي الخطير على أوكرانيا». وأضاف أن «إسرائيل هي دولة جربت الحروب، ولا ترى في الحروب أنها ليست طريقة لحل النزاعات». وأعرب عن الأمل بأنه «ما زال بالإمكان وقف وتسوية الخلافات بالطرق الدبلوماسية». وأشار لبيد إلى علاقات إسرائيل الجيدة مع روسيا وكذلك مع أوكرانيا، لكنه أضاف أن «الهجوم الروسي على أوكرانيا هو خرق خطير للنظام العالمي، وإسرائيل تندد بهذا الهجوم، ومستعدة وتستعد لتقديم مساعدات إنسانية لمواطني أوكرانيا». وتابع لبيد أنه «يوجد عشرات آلاف الإسرائيليين في روسيا وأوكرانيا، ومئات آلاف اليهود في كلتا الدولتين، والحفاظ على أمنهم وسلامتهم في مقدمة اعتباراتنا».
وجاء الموقف الإسرائيلي في أعقاب مداولات أجراها لبيد ورئيس الوزراء، نفتالي بنيت، إثر الهجوم الروسي على أوكرانيا، بمشاركة ومسؤولين في مجلس الأمن القومي. وقد اتفقوا على أنه لم يعد ممكنا الاستمرار في الموقف الإسرائيلي الضبابي من هذه الأزمة، والذي كان يرمي إلى الحفاظ على الحياد حتى لا يغضب الروس أو الأميركيون. فقد كانت النتيجة أن جميع الأطراف، في واشنطن وموسكو وكييف والعواصم الأوروبية، انتقدت إسرائيل. وتقرر الحسم لصالح الغرب، ولكن من دون تشديد اللهجة ضد روسيا.
وفي يوم أمس الجمعة، أعلن رئيس الوزراء، نفتالي بنيت، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن «وضع القتال في أوكرانيا وفي منطقة كييف بشكل خاص». وقال إنه عرض تقديم مساعدات إنسانية إسرائيلية وأكد مجدداً تمنياته في أن يوضع حد للقتال سريعاً، كما التمس التعبير عن تعاطفه مع الشعب الأوكراني في هذه الأيام الصعبة التي يمر بها.
وفي حين رحب الغرب بالموقف الإسرائيلي الجديد، كما عبر عنه لبيد وبنيت، عبرت روسيا عن غضبها عن طريق الإدلاء بتصريحات تهاجم الاحتلال الإسرائيلي للمناطق الفلسطينية والسورية المحتلة. وقال نائب المندوب الروسي في الأمم المتحدة، ديمتري بوليانسكي، إن «روسيا لا تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، الذي يعتبر أرضاً سورية محتلة». وخلال الإحاطة الشهرية لمجلس الأمن في موضوع الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، قال الدبلوماسي الروسي: «إننا قلقون من خطة تل أبيب المكثفة لتوسيع نشاط المستوطنات في هضبة الجولان المحتلة، التي تتناقض بشكل مباشر مع معاهدة جنيف من العام 1949».
ولمح الروس إلى أن تصريحات بوليانسكي هي رسالة تهديد غير مباشر لإسرائيل، تعبر فيها موسكو عن غضبها من موقف تل أبيب إزاء الأزمة في أوكرانيا والحديث عن «هضبة الجولان» من دون أن يوجه له سؤال في الموضوع، هو تلميح بأن إسرائيل يمكن أن تدفع ثمن هذا الموقف بمصالحها في سوريا.
وكان بنيت قد دعا إلى مداولات موسعة، في ساعة متأخرة من ليلة الخميس - الجمعة، لدراسة الأوضاع في أوكرانيا وتبعاتها على إسرائيل، حضرها كل من لبيد ووزير الدفاع، بيني غانتس، ومسؤولون آخرون في الخارجية ومجلس الأمن القومي وقيادة الجيش والمخابرات. وبدا واضحا أن قادة الأجهزة الأمنية قلقون من الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على إسرائيل. ومع أن بنيت طلب عدم تسريب معلومات وعدم تفوه الوزراء بخصوص هذه الحرب، فقد كشف أنه «في حال خرج بوتين من الحرب في أوكرانيا متضررا اقتصاديا بشكل كبير بعد فرض عقوبات أميركية وغربية شديدة على روسيا، فإنه سيتزايد التخوف من أنه سيغير سياسته مقابل إسرائيل في سوريا ودول بعيدة أكثر (العراق واليمن)، تعمل فيها إسرائيل من أجل إحباط تموضع إيراني، وهذا فضلا عن التخوف من أن تؤثر على التنسيق الأمني بين روسيا وإسرائيل في سوريا، ووقف هجمات الأخيرة ضد أهداف إيرانية هناك». واعتبرت هذه التقديرات أنه بذلك ستتمكن إيران من نقل أسلحة أكثر تطورا إلى سوريا ودول أخرى في المنطقة، «لأن بوتين سيحتاج إلى مداخيل من صفقات أسلحة كبيرة، وسيرغب في إحداث توازن رعب مقابل قوات عسكرية غربية موجودة في المنطقة».
ونقلت صحيفة «هآرتس»، على لسان مسؤول في جهاز الأمن الإسرائيلي أن «الروس يستخدمون قوتهم بشكل ناجع وذكي. ويدرسون كل خطوة من عدة جوانب. ويرصدون من معهم ومن هو ضدهم. وبوتين، من أجل تحسين مكانته، قد يفرض قيودا على إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية في الشرق الأوسط، وخاصةً في الأراضي السورية، من خلال وضع مصاعب أمامها في إطار التنسيق الأمني معها».
كذلك أعرب مسؤولون أمنيون عن تخوفهم من أنه في حال تحريك حلف شمال الأطلسي (الناتو) قوات عسكرية أخرى إلى البحر المتوسط أو دول في المنطقة، فإن بوتين سيستخدم أجهزة تشويش «جي بي إس» متطورة، وحرب إلكترونية وهجمات سيبرانية بهدف عرقلتهم. «وخطوة كهذه من شأنها تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي وحتى عرقلة منظومات تكنولوجية عسكرية ومدنية في إسرائيل».
ويتحسبون في جهاز الأمن الإسرائيلي من أن تنديد القادة السياسيين في إسرائيل، بالغزو الروسي لأوكرانيا، سيجعل بوتين يغير توجهه إلى الهجمات التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الجهة الشرقية من هضبة الجولان. وحسب التقديرات الإسرائيلية، فإن الوضع الحالي سيتغير في المستقبل. ويتحدث المسؤولون في تل أبيب عن تقديرات كثيرة بأن «الأحداث الأخيرة ستؤدي إلى تقارب عسكري وسياسي بين روسيا وإيران». ويقولون إن «فرض عقوبات تجارية على روسيا يمكن أن تجعل بوتين يضع إيران تحت رعايته». وأشارت «هآرتس»، إلى أن الإسرائيليين كانوا يعتبرون، حتى فترة قريبة، أن روسيا ليست معنية بتموضع إيران في سوريا، والآن باتوا في جهاز الأمن يخشون من أنه من أجل تقريب إيران منه، سيسمح بوتين لها بالتصرف بحرية أكثر في سوريا، وأكثر بكثير مما كانت إسرائيل تريد وبإمكانها أن تحتوي».
ولم يستبعد الأمنيون الإسرائيليون أن تؤثر الحرب في أوكرانيا سلبا وتضع مصاعب أمام الدول العظمى لبلورة تفاهمات بشأن الاتفاق النووي مع إيران، من خلال المحادثات في فيينا. وقالوا «إن من شأن ذلك تأخير توقيع اتفاق جديد، وحتى خلط الأوراق في المفاوضات».
يذكر أن عشرات الإسرائيليين خرجوا في مظاهرتين ضد روسيا، واحدة أمام سفارتها في تل أبيب، والثانية أمام القنصلية الروسية في حيفا. وقد حاول بعض المتظاهرين اقتحام المقرين الدبلوماسيين، لكن الشرطة سارعت لاعتقال ثلاثة منهم.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».