يصل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عصر الاثنين المقبل إلى الرياض، حيث من المرتقب أن يلتقي هولاند القيادة السعودية، وفق المصادر الرئاسية الفرنسية، ليبحث العلاقات الثنائية وخصوصا الوضع الإقليمي بتشعباته المختلفة وأزماته وحروبه. ومن المرتقب أن يتم الاتفاق على «إعلان مشترك» سيكون، بحسب باريس، بمثابة «خريطة الطريق للعلاقات السعودية الفرنسية في ميادين ثلاثة هي: التعاون السياسي، والتعاون الاقتصادي، والتعاون العسكري، معطوفا على الشراكة الاستراتيجية». وقالت المصادر الفرنسية إنها «تنظر بإيجابية» إلى التغييرات التي شهدتها المملكة السعودية، مضيفة المصادر الرسمية لـ«الشرق الأوسط» أن الرئيس هولاند ينوي الاتصال هاتفيا بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز من أجل أن ينقل إليه تهانيه بعد المراسيم التي أصدرها.
وتتداخل اللقاءات السعودية الفرنسية يومي الاثنين والثلاثاء مع اجتماع قادة مجلس التعاون الخليجي في قمة استثنائية سيكون الرئيس هولاند ضيف الشرف فيها. ومن المرتقب أن يلقي الرئيس هولاند كلمة في القمة التي ستتبعها مشاورات بشأن القضايا المطروحة.
وحرصت المصادر الرئاسية على «تثمين» اللفتة الموجهة لفرنسا معتبرة إياها بمثابة «تثمين من جانب الدول الخليجية للخيارات والمواقف السياسية والاستراتيجية الفرنسية بشأن المواضيع الكبرى التي تشغل المنطقة وعلى رأسها الملف النووي الإيراني وسوريا والحرب على الإرهاب واليمن وغيرها من المسائل». كما ترى فيها أيضا «موعدا مهما للغاية» و«قطفا لثمار السياسة الخارجية الثابتة للرئيس هولاند» التي تأخذ بعين الاعتبار «المصالح الأمنية لشركائنا وهو العنصر الذي يؤكدون عليه كلما سنحت الفرصة». وقالت المصادر الرئاسية إن من بين كل المواضيع التي ستطرح خلال القمة الخليجية بحضور الرئيس الفرنسي، ستحتل مسألة «التموضع الاستراتيجي» المقام الأول، خصوصا أن الاجتماع يأتي قبل أسابيع قليلة من استحقاق رئيسي هو الاتفاق النهائي المنتظر نهاية يونيو (حزيران) المقبل بين الدول الست «الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا» وإيران بشأن ملفها النووي. وما سيطرح بالتحديد هو قراءة ما ستؤول إليه سياسة طهران خليجيا وإقليميا في حال إنجاز الاتفاق. كذلك تأتي قمة الرياض قبل أيام قليلة من القمة المنتظرة بين القادة الخليجيين والرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن وكامب ديفيد والتي ستتناول هي الأخرى الملف النووي وتداعياته الإقليمية في الحالين أي في حال التوصل إلى اتفاق أو في العجز عن إنجازه.
وتقول المصادر الرسمية الفرنسية بداية إنه «ليس من المؤكد أن الاتفاق النهائي سيتم التوصل إليه في حال تمسكت طهران بمطالبها لجهة الرفع الكامل للعقوبات منذ اليوم الأول للبدء بتطبيق الاتفاق». وقالت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط» إن نسبة النجاح «لا تتجاوز الستين في المائة». بيد أن فرنسا «تعي» أن الطرف الأميركي يريد اتفاقا ويدفع باتجاهه. وحتى اللحظة، لا تبدو القراءة الفرنسية لتأثيرات الاتفاق على أداء إيران واثقة ونهائية إذ تقول مصادرها إن المواقف الإيرانية يمكن أن تتطور في الاتجاهين، أي «الاندماج والتعاون والتهدئة والليونة من جهة أو بالاتجاه المعاكس بحيث ترى طهران أنها خرجت قوية بفضل الاتفاق النووي الذي سيترك لها هامشا أكبر للتحرك» من جهة أخرى. وفي أي حال، ترى باريس أن الاتفاق سيكون «عاملا حاسما في تطور ميزان القوى في المنطقة» وسيفتح «فصلا جديدا فيها». لذا من المهم للغاية، كما تؤكد، أن «تتم دراسة الاحتمالات كافة والتشاور بشأنها بين الشركاء» والمقصود هنا فرنسا والبلدان الخليجية و«التهيؤ لها». وكل ذلك يتم على ضوء «ما ينتظر من تحولات محتملة على المستويين السياسي والاستراتيجي» التي ستترتب على الاتفاق النووي المحتمل الذي تقول فرنسا إنها تتمناه ولكن مع توافر الضمانات الكافية حول الطبيعة السلمية والمدنية لبرنامج إيران النووي.
وتتوقف باريس مطولا عند الطابع «الاستثنائي» لدعوة هولاند إلى قمة خليجية «استثنائية» وتريد أن ترى دعوته إليها التي تمت خلال مكالمة هاتفية بين الملك سلمان والرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي «انعكاسا لصورة فرنسا كبلد يمكن الوثوق به في المنطقة ولحرصها على أمن واستقرار وسيادة الدول الخليجية» فضلا عن كونها «محصلة لعمل دؤوب ومثابر» مع هذه الدول.
وإلى جانب النووي الإيراني، سيحظى الملفان السوري واليمني بقسط وافر من المحادثات التي سيجريها هولاند الذي يرافقه وزيرا الخارجية لوران فابيوس والدفاع جان إيف لودريان مع القيادة السعودية ومع القادة الخليجيين الآخرين.
وتقول باريس إن الرئيس هولاند تباحث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين عندما التقاه قبل أيام في يريفان عاصمة جمهورية أرمينيا، بشأن الملف السوري حول «المنهج» الذي يمكن سلوكه «من أجل تحقيق تقدم متوافق عليه يقود إلى الحل السياسي الموعود» القائم على بيان جنيف1. وأفادت المصادر الرئاسية أن بوتين «رغم استمرار تمسكه بمواقفه المعروفة (بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد والنظام والحل في سوريا) إلا أنه يلحظ تغيرا بطيئا». فيما يبدأ المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا «مشاورات» موسعة في جنيف مع الأطراف السورية والإقليمية والدولية، وتكثيف الحوار مع موسكو.
في الملف اليمني، تستمر باريس على مواقفها المعروفة والداعية إلى العمل بقرارات مجلس الأمن الدولي خصوصا القرار الأخير، كما تؤكد مجددا «تمسكها بالحلول السياسية التي يتعين أن تأخذ بالاعتبار الأمن الإقليمي» في إشارة مبطنة للهواجس الأمنية لدى الدول الخليجية بسبب السياسات الإيرانية في اليمن وغيرها.
قبل الرياض، سيتوقف الرئيس الفرنسي صباح الاثنين في الدوحة لحضور حفل توقيع اتفاق شراء قطر لـ24 طائرة «رافال» فرنسية مقاتلة تصنعها شركة داسو للطيران مع أسلحتها. وتبلغ قيمة العقد 6.5 مليار يورو وهو الثالث الذي توقعه الشركة المصنعة بعد العقد الأول مع مصر والثاني مع الهند. وتأتي هذه العقود عقب سنوات عجاف لم تنجح فرنسا في إقناع أي بلد في شراء طائرتها المقاتلة التي دخلت الخدمة في عام 2004 وكان سلاح الجو والبحرية الفرنسيان الزبونين الوحيدين لها.
وقالت المصادر الرئاسية إن أمير قطر سيستقبل هولاند في الديوان الأميري من أجل جلسة مشاورات يعقبها التوقيع، معتبرة أن الصفقة «تندرج في إطار التعاون الثنائي الاستراتيجي بعيد المدى القائم بين البلدين منذ استقلال قطر» ويعكس رغبة مشتركة للذهاب إلى تعاون أكبر في كل الميادين.
وكان قصر الإليزيه، قد أصدر صباحا بيانا كشف فيه عن اتصال هاتفي بين هولاند وأمير قطر أكد فيه الأخير عن رغبته في شراء 24 طائرة رافال. كذلك أصدرت الخارجية الفرنسية والشركة المصنعة بيانين شبيهين فيما كشفت مصادر دفاعية تفاصيل الاتصالات التي امتدت لشهور. ومن جملة ما كشفت عنه أن أمير قطر أبلغ وزير الدفاع الفرنسي أن والده الشيخ حمد بن خليفة «وعد» بشراء طائرات رافال وأنه هو «سينفذ» الوعد. وتتفاوض باريس مع أبوظبي بشأن صفقة مشابهة إذ تسعى الإمارات لاستبدال طائراتها الستين من طراز ميراج بطائرات جديدة. لكن المفاوضات بين الجانبين مستمرة منذ سنوات وتأمل باريس أن تكون النجاحات الثلاثة دافعا للوصول بالمفاوضات مع أبوظبي إلى خواتيمها السعيدة.



