المبعوثة الأميركية لحقوق النساء في أفغانستان: سياسة «طالبان» أضرت بسمعة الإسلام

أميري لـ «الشرق الأوسط»: مأساة إنسانية يعيشها الأطفال والنساء الأفغان

رينا أميري، مبعوثة واشنطن للدفاع عن المرأة الأفغانية، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: غازي مهدي)
رينا أميري، مبعوثة واشنطن للدفاع عن المرأة الأفغانية، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: غازي مهدي)
TT

المبعوثة الأميركية لحقوق النساء في أفغانستان: سياسة «طالبان» أضرت بسمعة الإسلام

رينا أميري، مبعوثة واشنطن للدفاع عن المرأة الأفغانية، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: غازي مهدي)
رينا أميري، مبعوثة واشنطن للدفاع عن المرأة الأفغانية، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: غازي مهدي)

قالت لـ«الشرق الأوسط» رينا أميري مبعوثة واشنطن للدفاع عن المرأة الأفغانية التي تم تعيينها في 29 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، إن سياسات «طالبان» تجاه الأفغانيات أضرت بسمعة الإسلام، مشيرة إلى أن الوضع الإنساني في أفغانستان حسب الدراسات هو الأسوأ في العالم، وأن الأطفال والنساء الأفغان على وجه الخصوص يتحملون وطأة الأزمة الإنسانية.
المبعوثة رينا أميري، التي ستعمل على قضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية للنساء والفتيات، والتي غادرت أفغانستان وهي طفلة عندما هاجر والداها إلى كاليفورنيا، وكانت طالبة في جامعة تافتس ببوسطن عندما اشتهرت باحتجاجها على نظام «طالبان» بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) التي أدت إلى التدخل الأميركي في أفغانستان، ترى أن المرأة هي مستقبل كل بلاد العالم، وفي أفغانستان النساء أكثر من 50 في المائة من البلاد، وأنه من غير المقبول بالنسبة لـ«طالبان» أن تجرد نصف السكان من حقوقهم.
وأثناء زيارتها للسعودية لأول مرة مبعوثة خاصة للنساء والفتيات الأفغانيات وحقوق الإنسان، التي تعد محطتها الأولى في رحلتها الدولية الثانية بعد النرويج، التقت معها «الشرق الأوسط» للحديث عن هموم المرأة الأفغانية وأبرز القضايا التي تعهدت رينا أميري بإيصالها إلى العالم لدعمها واستعادة حقوقها. وإليكم نص الحوار:
> هذه هي رحلتكِ الدولية الثانية مبعوثة خاصة... لماذا محطتك الأولى هي السعودية؟ ما الذي تأملين في تحقيقه من هذه الزيارة؟
- لقد زرت المملكة من قبل، ولكن هذه هي رحلتي الأولى مبعوثة خاصة للنساء والفتيات الأفغانيات وحقوق الإنسان. في الواقع أردت أن تكون هذه هي رحلتي الدولية الأولى، ولكن بسبب اللقاء الذي عقدته مع «طالبان» في أوسلو، انتهى بي الأمر لتكون هذه رحلتي الدولية الثانية. وسبب زيارتي هو دعم النساء والفتيات الأفغانيات وحقوق الإنسان، لأنه من الضروري والمهم أن يقود صوت العالم الإسلامي هذه المحادثات. ومن المهم أن يعرف الشعب الأفغاني والنساء في أفغانستان أن العالم الاسلامي يقف وراءهم. والسعودية هي منبع الإسلام، لذلك أردت أن أنوه بأهمية موقف المملكة في دعم الشعب الأفغاني والنساء الأفغانيات.
كما أعرب عن تقديري العميق لقيادة منظمة التعاون الإسلامي في تعبئة العالم الإسلامي لدعم أفغانستان، لا سيما تعيينهم المبعوث الخاص بخيت وإنشاء صندوق ائتمان أفغانستان. سوف أشرك العالم الإسلامي للمساهمة في الصندوق لمعالجة الوضع الإنساني المدمر في أفغانستان.
> لماذا يجب أن يهتم العالم الإسلامي بتعليم النساء والفتيات الأفغانيات؟
- أعتقد أن العالم الإسلامي والدول ذات الأغلبية المسلمة بحاجة إلى الاهتمام، ليس فقط بتعليم النساء الأفغانيات، فالتعليم أمر بالغ الأهمية، والتوظيف بعد التعليم مهم على كثير من المستويات، ولكن من الناحية العملية، يهيئ التعليم المرأة اقتصادياً لتكون جزءاً من قوة العمل والخدمة العامة، كما يعدّها لتكون قادرة على مساعدة أسرتها اقتصادياً. لذلك، أعتقد أن الأمر لا يتعلق بالتعليم فقط، بل يمتد الى مستويات عديدة.
أمّا لماذا هو مهم للعالم الإسلامي؟ لأن سياسات «طالبان» تجاه الأفغانيات لا تضر بالنساء الأفغانيات فقط والعائلات الأفغانية، وإنما بسمعة الإسلام في كل مكان، أنا مسلمة وأعلم أنه عندما لا تسمح «طالبان» للمرأة بالحصول على التعليم أو العمل أو الخدمة العامة، فهذا ينتهك المبادئ الأساسية للإسلام. ترى «طالبان» كما أخبروني، أن الحق في التعليم هو مبدأ من مبادئ الإسلام. هذا مشجع. ولكن، يجب أن يقوم العالم الإسلامي بمحاسبتهم ويحرص على منح النساء جميع حقوقهن... أنتِ الآن في المملكة العربية السعودية، إنه لمصدر تشجيع وفخر لي عندما أرى النساء في المملكة العربية السعودية يتمتعن بحق الوصول الكامل إلى حقوقهن. أذهب إلى اجتماعات الحكومة وأرى السعوديات على الطاولة، وأذهب إلى المتاجر وأرى النساء رائدات في القطاع الاقتصادي. هذا حق للمرأة في كل بلد. الإسلام دين، ومن وجهة نظري كمسلمة فهو يحفظ حقوق المرأة.
على العالم الإسلامي أن يُظهر للعالم أن ما تفعله «طالبان» الآن، عملياً، هو انتهاك للإسلام.هذا يعني أن هذه الرسالة لا ينبغي أن تأتي من الغرب أولاً. بل يجب أن تأتي من العالم الإسلامي أولاً لإثبات أن الإسلام دين يحترم ويرسخ ويشدد على أهمية حقوق المرأة ودورها.
> برأيكِ، هل تعاملت «طالبان» بقسوة مع الأفغانيات؟
- إن وضع النساء والفتيات في أفغانستان صعب للغاية. إنها واحدة من أسوأ الأوضاع في العالم. قبل 15 أغسطس (آب)، كان الوضع صعباً لكن كانت للنساء الأفغانيات حقوق على جميع المستويات إلى حد ما: الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في المشاركة السياسية. على جميع مستويات الحكومة، كانت المرأة تترشح لمنصب رئيس ونائب رئيس. كانت مشاركة النساء في البرلمان نحو 27 في المائة. لقد كانت المرأة عنصراً حاسماً في القوة العاملة على جميع المستويات والاقتصاد الرسمي والاقتصاد غير الرسمي. وبين عشية وضحاها تم تجريدهن من جميع حقوقهن.
تخيل ذلك. تخيل لو استيقظت غداً وذهبت إلى العمل وقيل لك إنه غير مسموح لك بالعمل. ابنتك تذهب إلى المدرسة ويغلقون الأبواب ويقولون إنه غير مسموح لها بالذهاب إلى المدرسة. وفجأة أطفأت الأنوار. تم إغلاق مستقبلك. هذا هو الوضع بالنسبة للمرأة الأفغانية. علاوة على ذلك، نشهد بشكل مزداد نساء محتجزات، المتظاهرات اللاتي لا يطالبن بحقوق الغرب. إنهن يطالبن بالحقوق التي منحها لهن الإسلام. الحقوق التي تمتعن بها عبر التاريخ الأفغاني. إنهن يطالبن بالحقوق التي تنسجم مع ثقافة أفغانستان والقيم الإسلامية. وهذه الحقوق جُردت منهن وهذا يحتاج إلى التغيير.
> كانت رحلتك الأولى إلى أوسلو بالنرويج كجزء من الوفد الأميركي لعقد اجتماعات مع «طالبان». كيف سارت تلك المحادثات؟ وهل لمستِ أي تقدم في محادثاتك مع «طالبان»؟
- أعتقد أنه كان اجتماعاً مهماً. هذا الاجتماع نظمته النرويج. وقالت النرويج إنه إذا أرادت «طالبان» مقابلتها، فعليهم مقابلة النساء الأفغانيات والمجتمع المدني الأفغاني.
آمل أن تضع كل دولة تريد لقاء «طالبان» هذه الشروط. آمل في الاجتماع المقبل لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي سيعقد، أو أي مقابلات بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي وممثليه أن يقولوا الشيء نفسه لـ«طالبان»، في هذا اللقاء كنت المبعوثة الخاصة الوحيدة في الوفد، وحينها كنت جزءاً من الوفد الأميركي، وكان هناك أوروبيون بالإضافة إلى مندوب من قطر... نحن نحتاج لهذا التغيير.
أعتقد أن لقاء «طالبان» مرة أخرى مع المجتمع المدني والنساء أمر مهم. كما أعتقد أن التبادل المباشر بين «طالبان» والمجتمع الدولي مهم، حيث قال كل ممثل إن الأولوية بالنسبة لهم هي حقوق المرأة وحقوق الإنسان. وأنه لن يكون هناك تسلسل، ولكننا سنقوم بتقديم المساعدة الإنسانية. وبعد ذلك نذهب إلى التطوير. وبعد ذلك سنذهب إلى حقوق المرأة فهي جزء لا يتجزأ من كل شيء، لأن المرأة تسهم في اقتصاد البلاد، والمرأة هي مستقبل البلد، والنساء أكثر من 50 في المائة من البلاد، وأنه من غير المقبول بالنسبة لـ«طالبان» أن تجرد نصف السكان من حقوقهم! قالت «طالبان» إنهم يعتقدون أنهم أنهوا الحرب في أفغانستان، لكن إذا شعر نصف السكان الأفغانيين أن «طالبان» دعت إلى الحرب على النساء، فإن الصراع لم ينتهِ. وهذا شيء أعتقد أن «طالبان» بحاجة إلى فهمه بشكل أفضل.
> ما الذي تفعله الولايات المتحدة لدعم حصول النساء والفتيات على التعليم؟
- أكدت الولايات المتحدة لـ«طالبان»، وللأمم المتحدة، ولجميع حلفائها، أن المرأة الأفغانية بحاجة إلى أن تكون قادرة على العودة إلى المدرسة على الفور بعد 21 مارس (آذار). وألا يكون بعد ثلاثة أشهر من الآن، بل يجب أن يحدث مباشرة بعد العام الجديد والأعياد في أفغانستان. كما أكدت ضرورة جودة العليم وتحسينها، وأعطت «طالبان» رسائل إيجابية في هذا الصدد، مفادها أنهم يفهمون أن حقوق المرأة هي مبدأ من مبادئ الإسلام ويجب عليهم الالتزام بها. والسماح للفتيات بالعودة إلى المدرسة. لكن عليهم أن يطبقوا ذلك وسوف تحاسبهم الولايات المتحدة على ذلك. تعمل الولايات المتحدة أيضاً مع الأمم المتحدة، و«اليونيسف» على وجه الخصوص، للتأكد من أن المعلمين يتم إعدادهم، وأن المناهج ستكون جاهزة حتى تتمكن الفتيات من العودة إلى المدرسة. نحن نعمل أيضاً مع المجتمع الدولي للتأكد من وجود التمويل المطلوب لتمكين المعلمين من العودة إلى المدرسة.
> ما أكثر القضايا إلحاحاً التي تواجهها المرأة الأفغانية؟ ما أكبر التحديات التي تعرقل تنميتها؟
- حقوق النساء والفتيات كانت غير متساوية، وكان هناك كثير من أوجه القصور، ولكن بين عشية وضحاها تم سلبها منهن في 15 أغسطس. والآن، تواجه النساء والفتيات، خصوصاً المجتمعات الضعيفة، تحديات على جميع المستويات. الوضع الإنساني هو الأسوأ في العالم الآن بأفغانستان. النساء والأطفال الأفغان على وجه الخصوص يتحملون الآن وطأة الأزمة الإنسانية. لقد ألقيت نظرة على الدراسات التي تقدر أن من 60 إلى 70 في المائة من السكان الذين يعانون بشدة في هذه الأزمة الإنسانية هم من النساء والأطفال. لذا فهذه قضية ضخمة. تشكل حقيقة تجريدهم من حق التعليم وهذه مشكلة كبيرة. حقيقة أن النساء اللاتي كن قاضيات، أو محاميات، أو يعملن في المستويات العليا أو يسهمن في اقتصاد أسرهن بطرق متعددة، قد تم سلبهن فجأة من كل هذا. وتجريد هؤلاء العاملات والقادة فجأة من وكالتهم وسلطتهم، فإنه وضع صعب للغاية. لقد رأيت شجاعة النساء الأفغانيات. لقد خرجن إلى الشوارع للاحتجاج ولا يحملن سوى لافتة أمام البنادق والأسلحة وتهديد الجماعات. إنهن يعاقبن على تلك الشجاعة. أسمع من نساء من أجزاء كثيرة من البلاد يتعرضن للمضايقات أو الاعتقال أو السجن، ليس فقط أنفسهن، ولكن عائلاتهن. إنهن لا يخشين على أنفسهن فقط. إنهن يخشين على أطفالهن وعائلاتهن.
> هل تعتقدين أن التاريخ سيعيد نفسه في أفغانستان عندما حكمت «طالبان» البلاد في منتصف التسعينات وحرمت الأفغانيات كثيراً من حقوقهن؟
- لا أتمنى ذلك. لأنه خلال التقدم الذي تم إحرازه في العقدين الماضيين، كان هناك كثير من التحديات. تم إحراز تقدم للمرأة على المستوى التأسيسي. تم حشد المنظمات الشعبية في جميع أنحاء البلاد وكانت مشاركة المرأة في كثير من المجالات وقد تم دعمهن من قبل الرجال في كثير من القضايا. آمل أن تفهم «طالبان» أن هذه دولة مختلفة. كما تعلم، كانت آخر مرة تمكنت فيها «طالبان» من السيطرة كما فعلوا من قبل بعد حرب أهلية مروعة، وشعر الناس في تلك المرحلة بأنه ليس لديهم خيار آخر. كانت البلاد في حالة من الفوضى. هذه المرة، سيطرت «طالبان» على دولة تمتعت بأفضل فترة تقدم شهدوها في تاريخهم. لذا، فإن «طالبان» هذه المرة سوف تخضع لمعايير مختلفة. هذه المرة سيستمر الناس في مطالبة بناتهم وزوجاتهم بالذهاب إلى المدرسة والمشاركة في القطاع الاقتصادي. سوف يلتزمون بالمعايير لتوفير حكم أفضل، لتوفير مستقبل أفضل للبلاد. وإذا لم يقدموا ذلك، أعتقد أن «طالبان» ستواجه مزيداً من الصراع، ومزيداً من الاضطراب، ولن يكونوا قادرين على إدارة البلاد أو الاحتفاظ بالسلطة بالطريقة التي يأملونها.
> ما التحديات الرئيسية التي تواجهها المرأة الأفغانية وتحرمها من التقدم؟ ما رأيكِ في حالة الفتيات عندما لم يسمحوا لهن بالذهاب إلى المدرسة في كابل؟
- هذه قضية ليست فقط صعبة على الفتيات الأفغانيات، ولكن لعائلاتهن. حقيقة أن الفتيات لا يمكنهن العودة إلى المدرسة الآن أمر مدمر لهؤلاء الفتيات. كن يستعددن لمستقبل أفضل. وهذا هو الوجه الأكثر قمعاً لما تريد «طالبان» تقديمه على أنه إسلامي. أنت كمحترفة، كصحافية، كقائدة، ترى النساء الأفغانيات علاقة معك لا يرونها بالضرورة مع امرأة في بلد غربي. يريدونك أن تتحدثي نيابة عنهن. يريدون كل امرأة في كل بلد إسلامي أن تتحدث بالنيابة عنهن. أحد الأشياء التي أفكر بها باستمرار هو ربما قد يكون أمراً خاصاً بالنسبة لي لأنني من أفغانستان بأنني أفكر كل يوم بأنه كان بإمكاني أن أكون تلك المرأة. أعتقد أن ابنتي كان يمكن أن تكون في هذا الموقف. أريد أن تفكر كل امرأة في ذلك، وأن تستخدم كل امرأة وكالتها وصوتها لأن هؤلاء الفتيات، أريد أن أؤمن لهن مستقبلاً مشرقاً. لكن العالم الإسلامي بحاجة إلى الوقوف إلى جانبهن.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.