أجلي ما يربو على 600 مدني من الأحياء المحاصرة في مدينة حمص السورية، أمس، وهو اليوم الأخير من هدنة ثلاثة أيام أبرمت بين النظام السوري والمعارضة برعاية الأمم المتحدة. وجاء ذلك بعدما سرت شكوك في إمكانية استمرار عمليات إغاثة المدنيين في المدينة إثر الهجوم الذي تعرضت له قافلة مساعدات أول من أمس. وفي حلب لقي 21 شخصا حتفهم جراء إلقاء الطيران المروحي الحكومي براميل متفجرة، وسط استمرار النزوح الجماعي.
ونقل التلفزيون السوري الرسمي عن محافظ حمص طلال البرازي قوله، بحسب ما نقل التلفزيون الرسمي السوري، إنه جرى إجلاء 600 مدنيا من المحاصرين في أحياء حمص القديمة، والعملية مستمرة حتى الآن. وشوهد كثير من النساء والأطفال والمسنين ينزلون من حافلات لدى خروجهم من هذه الأحياء، وبدا على وجوهم الإرهاق، بحسب مشاهد بثتها قناة «الميادين» التلفزيونية.
وساعدهم موظفون في الأمم المتحدة ومن الهلال الأحمر السوري تحت أنظار عسكريين سوريين. وبدت وجوه الأطفال شاحبة وعيون بعضهم محاطة بالزرقة وهم بين أيدي أمهاتهم أو آبائهم.
وقالت امرأة وهي في حالة إرهاق شديد يحيط بها أولادها الثلاثة: «كنا نفتقر لكل شيء، كل الأولاد كانوا مرضى، لم يكن لدينا ما نشربه».
وتعد هذه العملية الثانية من نوعها بعد إجلاء 83 شخصا من نساء وأطفال ومسنين، يوم الجمعة، تطبيقا لاتفاق أبرم الخميس بين النظام ومقاتلي المعارضة بإشراف الأمم المتحدة بعد مفاوضات استغرقت أشهرا.
ويقضي الاتفاق بوقف إطلاق النار يستمر ثلاثة أيام على الأقل لإجلاء النساء والأطفال والمسنين الذين يرغبون في الخروج وإرسال مساعدات عاجلة إلى الآخرين.
كما أشارت الوكالة إلى «إدخال المساعدات الإنسانية إلى مدينة حمص القديمة التي تعثر إدخالها بسبب اعتداءات المجموعات المسلحة على السيارات أثناء دخولها إلى المدينة السبت».
وتأتي هذه العملية غداة تعرض قافلة تابعة لمنظمة الهلال الأحمر السوري محملة بالمساعدات الغذائية لمن فضل البقاء في حمص القديمة لاعتداء بقذائف الهاون وعيارات نارية ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص و20 جريحا.
وتبادل كل من النظام السوري ومقاتلي المعارضة الاتهام حول مصدر الاعتداء.
وتمكن متطوعو المنظمة الإنسانية وعاملو الأمم المتحدة الذين يرافقونهم من الخروج بسلام بعد أن وزعوا كمية من المواد الغذائية والمساعدات الطبية على السكان المحاصرين في أحياء حمص القديمة رغم أعمال العنف التي رافقت العملية.
وكانت فاليري آموس مسؤولة الإغاثة الإنسانية بالأمم المتحدة أعربت في وقت متأخر من مساء أول من أمس عن إحباطها العميق بعد تعرض قافلة المساعدات لإطلاق نار لكنها تعهدت بمواصلة الحث على تقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين بسوريا.
وقالت آموس في بيان: «أشعر بإحباط عميق لانتهاك فترة توقف القتال لمدة ثلاثة أيام لدوافع إنسانية التي اتفق عليها الطرفان اليوم (أمس السبت) وتعمد استهداف موظفي الإغاثة. أحداث اليوم (أمس السبت) بمثابة تذكير صارخ بالأخطار التي يواجهها المدنيون وموظفو الإغاثة يوميا عبر سوريا».
وأكدت: «أواصل دعوة كل المشاركين في هذا الصراع الوحشي إلى احترام فترة التوقف الإنسانية وضمان حماية المدنيين وتسهيل التسليم الآمن للمساعدات. الأمم المتحدة وشركاؤنا في المساعدات الإنسانية لن يتراجعوا عن بذل أفضل ما يمكنهم لتوصيل المساعدات لمن يحتاجون إلى مساعدتنا».
وكانت منظمة الهلال الأحمر السوري أعلنت مساء أول من أمس أنها تمكنت من تسليم كمية من المواد الغذائية والمساعدات الطبية إلى السكان المحاصرين في أحياء حمص القديمة رغم أعمال العنف التي رافقت العملية.
وقال الهلال الأحمر السوري في حسابه على «تويتر»: «رغم تعرض الفريق للقصف والنار تمكنَّا من تسليم 250 علبة غذاء و190 وحدة مواد تنظيف وأدوية لأمراض مزمنة».
وأوضح الهلال الأحمر أيضا أن كل العاملين معه مع العاملين في الأمم المتحدة الذين دخلوا إلى حمص القديمة في قافلة واحدة تمكنوا مساء من مغادرتها.
وعبر نشطاء أمس عن خشيتهم من عدم استمرار عملية إجلاء المدنيين المحاصرين في حمص القديمة مع انتهاء موعد الهدنة أمس إثر الاستهداف الذي تعرضت له قافلة الإغاثة السبت.
وقال الناشط أبو بلال الموجود في أحد أحياء حمص القديمة المحاصرة: «نحن لا نعرف حتى الآن ما إذا كانت عملية إجلاء المدنيين ستستمر».
وأضاف: «رأيتم ما حدث بالأمس (السبت)... كان القصف على المدينة القديمة جنونيا حتى إنه استهدف قافلة المساعدات»، مشيرا إلى سقوط «عشرين جريحا وليس لدينا مواد طبية كافية لمعالجتهم».
وفي غضون ذلك، أشار محافظ حمص، في بيان أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، إلى استمرار الجهود لتأمين خروج المدنيين أمس.
كما أكد البرازي التزام القوات النظامية «بالهدنة لتأمين المساعدات ولتأمين خروج المدنيين من المدينة القديمة رغم الخروقات التي قامت بها الجماعات المسلحة».
من جهة أخرى، سقطت قذيفة هاون على مبنى المحافظة في العاصمة دمشق ما أدى إلى وقوع إصابات. وذكر المرصد السوي لحقوق الإنسان أن قذيفة هاون سقطت على مبنى خدمة المواطن التابع لمبنى المحافظة بمنطقة البحصة وسط العاصمة. وجاء ذلك في وقت دارت فيه اشتباكات بين مقاتلين معارضين وقوات حكومية في محيط «كراجات العباسيين» بحي جوبر على أطراف العاصمة وسط أنباء عن مقتل عدد من عناصر الأخيرة، وفقا لمصادر معارضة.
وفي حلب، أوضحت مصادر معارضة أن 21 شخصا قتلوا جراء إلقاء الطيران المروحي الحكومي براميل متفجرة على دوار الحيدرية في المدينة.
وقالت مصادر معارضة إن ستة قتلى سقطوا في حي المشهد جراء استهدافه من قبل الطيران المروحي بالبراميل المتفجرة.
وجاء هذا بعد يوم دام أسفر عن مقتل 300 شخص من المدنيين ومقاتلي المعارضة، في عدد من المناطق السورية، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. ومن بين القتلى 20 شخصا أعدموا ميدانيا من قبل عناصر موالية للنظام في حماه، بالإضافة إلى وفاة رجلين وامرأة من الجوع في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، الذي يعاني كذلك حصارا خانقا تفرضه القوات النظامية عليه منذ ثمانية أشهر.
وفي نفس السياق؛ يلتقي وفدا النظام السوري والمعارضة في الجولة الثانية من مباحثات مؤتمر «جنيف2» اليوم في جنيف. وفيما يبدو واضحا من تصريحات ممثلي الطرفين أن الانقسام بينهما لا يزال على حاله، أعلن أمس وزير الإعلام السوري عمران الزعبي أن أي قرار قد ينجم عن مؤتمر السلام يجب أن يعرض على الاستفتاء الشعبي العام لتنفيذه.
وفي حين كانت المعارضة السورية تبحث تعليق مشاركتها في المفاوضات في ظل استمرار النظام السوري بعملياته العسكرية في مختلف المناطق السورية، لم تنجح لغاية الآن في توسيع دائرة ممثليها، الأمر الذي سيؤدي إلى إبقاء الوفد الذي شارك في الجولة الأولى على ما هو عليه، وفق ما قال، أحد أعضائه، هيثم المالح. وأكد المالح في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن الأولوية بالنسبة إلى المعارضة ستكون في مباحثات اليوم هي «هيئة الحكم الانتقالية»، مؤكدا في الوقت عينه على ضرورة التزام النظام السوري بما بات يعرف بـ«النقاط الست» التي تشملها مقررات «جنيف1»، وأهمها وقف العمليات العسكرية وإطلاق سراح المعتقلين. ووصف المالح كلام الزعبي الأخير بـ«الفارغ» سائلا «أين هو هذا الشعب الذي بات 10 ملايين منه مهجرا؟ وعن أي بلد أصبح 70 في المائة منه مدمرا؟». وأضاف: «رغم معرفتنا بعدم جدية الطرف الآخر في المفاوضات إلا أنه لا بد لنا أن نذهب إلى المباحثات حتى يرى العالم ويحكم على هذا النظام المجرم».
كذلك، أكد عضو الائتلاف الوطني هشام مروة، أن عدم التوصل لنتائج إيجابية مع هيئة التنسيق لجهة إشراك ممثلين منها في المباحثات ولا سيما لجهة الاعتراض على اسم صالح المسلم، لا يعني إقفال الباب أمام التوافق، مشيرا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التواصل مستمر كذلك مع المجموعات العسكرية في الداخل التي سيكوم لها الدور الأهم في تنفيذ أي اتفاق ستصل إليه المفاوضات.
وكرر مروة، تمسك المعارضة بأن تكون الأولوية في المباحثات هي «هيئة الحكم الانتقالية» التي ستكون برأيه مفتاحا لتنفيذ كل البنود الأخرى.
وأوضح مروة أن زيارة رئيس الائتلاف الوطني إلى القاهرة، ارتكزت على قسمين، الأول، المباحثات التي أجراها مع هيئة التنسيق، والثانية تتعلق بشأن أوضاع اللاجئين السوريين في مصر «في ظل المضايقات التي يتعرضون لها، إضافة إلى مطالبتهم بتأشيرات دخول وإقامة، وهي مسائل طرحت على الحكومة المصرية التي أكدت أنها ستعمل على إيجاد حلول لها».
وكان وفد النظام السوري الذي يترأسه وزير الخارجية وليد المعلم، وصل أمس إلى جنيف، وعقد رئيسه لقاء مع المبعوث الدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، وقال مصدر قريب من الوفد لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «أعضاء الوفد دخلوا عبر الباب الخلفي لفندق أوتيل دو لا بيه في المدينة السويسرية من دون الإدلاء بتصريحات، فيما وصل أعضاء في وفد المعارضة السورية في شكل منفصل»، نظرا إلى أنهم قادمون من دول مختلفة.
من جهة أخرى، وتعليقا على عدم انضمام ممثلين لها إلى وفد المعارضة المفاوض، أعلنت هيئة التنسيق الوطنية، في بيان لها أنها علقت «المفاوضات بعدما تأكدت أن الائتلاف يريد العودة إلى نقطة الصفر، وبعدما تبين لها أن همه كان منصبا على انضمام أعضاء من الهيئة إلى وفده في جنيف وليس ما تم التوافق عليه في اللقاء الذي جمع الطرفين». وأضاف البيان أن «هيئة التنسيق الوطنية أعلنت مرارا بأنها لا تقبل المشاركة في مؤتمر جنيف تحت راية الائتلاف بل ضمن وفد يمثل المعارضة الوطنية السورية يشارك فيه جميع فصائل المعارضة السورية المؤمنة بالحل السياسي، وعلى أساس الاتفاق على رؤية سياسية مشتركة للحل السياسي التفاوضي للأزمة في سوريا، وبعد أن يتم إيجاد مناخات ملائمة للتفاوض وفق ما جاء في خطة كوفي أنان والتي هي جزء لا يتجزأ من بيان جنيف».
وعشية انطلاق جولة المباحثات الثانية، كان الزعبي أعلن أن أي قرار قد ينجم عن مؤتمر السلام سيعرض على الاستفتاء الشعبي العام، فيما اعتبرت المعارضة السورية أن «نظام الرئيس السوري بشار الأسد لا يملك أي حل سياسي ولا يريد أيضا أن يكون له هذا الخيار لأنه متمسك بالحل العسكري والأمني واستمرار دوامة العنف في سوريا».
وقال الزعبي، وهو أحد أعضاء الوفد السوري الحكومي المفاوض الذي كان قد وصل أمس إلى «جنيف2» أن وفد النظام مخول بالنقاش والحوار في كل القضايا والمواضيع ولكن قرار قبول ما ينشأ عن جنيف إذا نتج عنه أي شيء فإن الإرادة الشعبية في سوريا هي من ستحكم عليه عبر الاستفتاء الشعبي العام». في المقابل، عدت عضو وفد المعارضة السورية لمفاوضات «جنيف2» ريما فليحان أن «نظام بشار الأسد لا يملك أي حل سياسي ولا يريد أيضا أن يكون له هذا الخيار لأنه متمسك بالحل العسكري والأمني واستمرار دوامة العنف في سوريا».
وقالت فليحان لوكالة الأنباء الألمانية أمس «نحن نأتي إلى الدورة الثانية من مفاوضات (جنيف 2) لأننا نريد أن نثبت للعالم أن المعارضة جدية في حل سياسي مدعوم من الداخل السوري والمجتمع الدولي يؤدي إلى رحيل النظام الذي يقتل الشعب السوري ويدمر سوريا ويتصرف كنظام احتلال».
وأضافت فليحان «نشارك في المباحثات لتنفيذ بيان (جنيف1) الذي ينص على إنجاز وإنجاح آلية لتطبيق بنوده من خلال هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2118، ولذلك سنعيد التأكيد وطرح هذه المسألة الجوهرية».


