كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

يوميات صاحب «المحاكمة» ورسائله من فوق سرير المرض في ترجمة عربية

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا
TT

كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا

تعد رسائل فرانز كافكا (1883- 1924) إلى حبيبته الصحافية والمترجمة ميلينا، واحدة من أشهر نماذج أدب الرسائل في القرن العشرين. وقد كتب كافكا هذه الرسائل وهو على حافة الموت مصاباً بمرض «السل الرئوي»، ينزف الدم من فمه، ويقاومه متشبثاً بطبيعته الصارمة التي تميل إلى الانطواء.
صدرت الرسائل حديثاً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، في طبعة أنيقة، ولغة أدبية رشيقة، للمترجم وليد سامي. وتغطي الرسائل التي بعث بها كافكا إلى ميلينا يسينسكا الفترة الزمنية من 1920 حتى 1923، كاشفة عن عديد من المعضلات النفسية والاجتماعية والعاطفية التي عاشها صاحب «المسخ»، و«المحاكمة»، في تلك الفترة؛ حيث أحب ميلينا حبّاً يكاد يكون مستحيلاً، فهي متزوجة وبعيدة عنه جغرافياً، وإن كانت شديدة الحماس له كأديب، فقامت بترجمة عدد من أعماله من الألمانية التي كان كافكا يكتب بها إلى التشيكية، كما كانت متعاطفة معه في محنة المرض والعزلة.
في إحدى تلك الرسائل يتبادلان الأدوار، فنجد أن كافكا هو من يتعاطف معها، قائلاً: «لماذا –بالمناسبة- أكون كائناً بشرياً في الوقت الذي أتحمل فيه كل عذابات هذا الوضع بالغ الاضطراب؟ لماذا لا أكون -مثلاً- ذلك الدولاب السعيد في حجرتك؟ ذلك الدولاب الذي يتطلع إليك مباشرة عندما تجلسين إلى مكتبك، أو عندما تستلقين، أو تأوين إلى النوم. لماذا لا أكون أنا ذلك الدولاب؟ ذلك لأنني سأنهار تحت وطأة الأسى، لو أنني اطلعت على آلامك في خلال الأيام الأخيرة الماضية، وربما حدث لي ما هو أكثر من ذلك».
وتكشف رسالة أخرى عن تردده عاطفياً إزاء علاقته بها، فيقول: «نصحتُك بالأمس بعدم الكتابة إليَّ يومياً، ولا يزال هو ما أراه اليوم، وسوف يكون هذا خيراً لكلينا. ومرة أخرى أعود إلى هذا الاقتراح اليوم، وفوق ذلك فإنني أطلبه بمزيد من الإلحاح؛ لكن أرجوك يا ميلينا ألّا تلتزمي بهذا الاقتراح؛ بل اكتبي إليَّ يومياً. على الرغم من ذلك، قد تكتبين في اختصار شديد، رسائل أقصر من الرسائل التي ترسلينها إليَّ الآن، في سطرين فقط، أو سطر واحد، المهم هو أن حرماني من هذا السطر الواحد، سيكون معناه عذابي الرهيب!».
ويعود في رسالة ثالثة ليقطع الطريق على أي مستقبل محتمل يجمع بينهما: «لن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين. أنا رخو أزحف على الأرض. صامت طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويٌّ. هل ستتحملين حياة الرهبنة كما أحياها؟ أقضي معظم الوقت محتجزاً في غرفتي أو أطوي الأزقَّة وحدي، هل ستصبرين؟».
وعن ميلينا يسينسكا، يوضح وليد سامي أنها صحافية ومترجمة تشيكية، وُلدت في براغ عام 1896، والدها يان يسينسكا، طبيب أسنان، وأستاذ في جامعة «تشارلز» في براغ، ووالدتها هي ميلينا هيزلاروفا التي تنحدر من أسرة غنية، وتُوفيت بسبب مرض الأنيميا، وميلينا في الثالثة عشرة من عمرها. سجلها والدها في مدرسة للطب، وأجبرها على مساعدته في علاج الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى، ورغم تعاطفها مع هذا العمل سرعان ما تركت المدرسة لتختلط بكل الطبقات، فلم تكن تُعِر اهتماماً للفوارق الطبقية، واستمتعت بصحبة المثقفين التشيك والألمان، وانضمت أيضاً للحركة النسوية البوهيمية. وفي تلك الفترة التقت ميلينا في حفلة بإرنست بولاك، ونشأت بينهما علاقة حب. كان إرنست يهودياً، ويعمل موظفاً في بنك في براغ، وناقداً أدبياً. قدم إرنست ميلينا إلى كافكا، وماكس برود، ورودلف فوخس، وفراتز فيرفيل. وكوَّنت ميلينا صداقة استمرت عشرين عاماً مع فيلما لوفينباخ؛ حيث جمعهما حب الشعر، وقامتا معاً بجمع مختارات من ترجمات ألمانية لقصائد شعر تشيكية، في سابقة لم تحدث من قبل.
مر زواجها بمشكلات منذ البداية، فقد كان بولاك يؤمن بالحب الحر، فانغمس في عديد من العلاقات، وحاولت ميلينا أن تكون متسامحة نظراً لحبها له، وكان عليها أن تعمل كي تتمكن من دفع إيجار المسكن، فعملت عاملةً في محطة القطار، وأعطت دروساً في اللغة التشيكية، وبدأت في كتابة مقالات، حتى أصبحت مراسلة الأزياء لصحيفة «تريبونا» التشيكية اليومية، وقامت بترجمة أعمال كافكا: «الفحام»، و«المحاكمة»، و«المسخ»، و«تأمل»، من الألمانية إلى التشيكية. وبعد عدة سنوات من هذا الزواج المليء بالمعاناة، وضعت ميلينا نهاية له في 1924. وبعد عام غادرت فيينا عائدة إلى براغ؛ حيث كانت موضع ترحيب، وظلت تفضل رفقة المثقفين والفنانين. وفي 1926 التقت المهندس الشاب يارومير كريسار ووقعت في غرامه، وتزوجا عام 1927.
على الجانب الآخر، نشأ والد كافكا في الريف في ظروف فقر مدقع؛ لكنه استطاع أن يرتقي حتى أصبح تاجراً ثرياً، بعد انتقاله بأسرته إلى براغ في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر. لم يتزوج كافكا قط؛ لكن حياته كانت مليئة بعلاقات مع عديد من النساء. في بداية عام 1919 التقى بيولي وورزيك التي كانت تبلغ من العمر 28 عاماً؛ مقترحاً أن تستمر علاقتهما دون زواج، وبالفعل استمرت خلال عام 1920؛ لكن ظهور ميلينا في حياته وضع نهاية لعلاقته بها.
أدرك كافكا من البدايات الأولى أنه لن يستطيع الزواج من ميلينا؛ ليس فقط لأنه لن يكون قادراً على ضمان علاقة هادئة لها؛ لكن أيضاً لأنها كانت تحب زوجها، وتشعر بأنها تنتمي إليه ولا تستطيع تركه، لذا قرر أن ينهي هذه العلاقة. لم يسترجع المحبان مطلقاً الأيام الأربعة التي قضياها معاً في فيينا، وكانت هذه الرسائل هي ثمرتها الوحيدة.
بعد وفاة كافكا كتبت له ميلينا نعياً نشر في 6 يونيو (حزيران) 1924، في جريدة «ناردوني ليستي»، ومما جاء في النعي:
«ذات مرة كتب في رسالة لي: (عندما لا يستطيع القلب والروح تحمل المزيد، تتحمل الرئة نصف العبء بصورة متساوية بقدر أكبر)؛ وهكذا كان الحال مع مرضه، حمل كافكا جسدياً خوفه الفكري من الحياة على كتفَي مرضه. ومن المعروف أنه كان خجولاً ووديعاً ولطيفاً؛ لكن الأعمال التي كتبها مخيفة ومؤلمة. لقد رأى العالم وكأنه مليء بأرواح شريرة تمزق وتدمر البشر. كان بعيد النظر وذكياً بدرجة أكبر من أن تجعله قادراً على العيش، وضعيفاً بدرجة أكبر من أن يقاتل. لقد كان ضعيفاً بالطريقة التي عليها الأشخاص النبلاء الرائعون، الأشخاص غير القادرين على القتال ضد خوفهم من سوء الفهم والضغينة أو الخداع الفكري؛ لأنهم يدركون عجزهم سلفاً. إنها مخاوف حقيقية وقاسية ومؤلمة للدرجة التي تجعلها واقعية عندما تكون رمزية. إنها مليئة بالسخرية اللاذعة والمنظور الحساس لرجل كان مصيره الموت لا محالة؛ حين رفض تقديم تنازلات، أو اللجوء إلى مغالطات العقل المختلفة».
يقسِّم المترجم الرسائل إلى ثلاثة أقسام: الأول هو «رسائل ميران وفيينا»، والثاني: «رسائل براغ وفيينا»، ويغطي القسمان عام 1920؛ حيث تبدو الرسائل في معظمها معمقة مطولة تتطرق إلى مسائل وجودية وقضايا فلسفية. أما القسم الثالث فيغطي عام 1923، وتميل فيه الرسائل إلى الاقتضاب والطابع السوداوي؛ حيث تضاعفت معاناة صاحبها مع المرض، وأصبح على حافة الموت.
في أبريل (نيسان) 1920، يقول كافكا في رسالة حزينة يروي فيها اكتشافه للمرض: «إذن إنها الرئة، في حالتي بدأ المرض منذ ثلاث سنوات تقريباً بنزيف حاد في منتصف الليل. شعرت بالإثارة مثلما يشعر المرء دائماً وهو مقدم على شيء جديد. جلست على الفراش؛ لا نهاية للدماء، غير أنني لم أكن حزيناً على الإطلاق منذ ذلك الحين، لإدراكي للمرة الأولى خلال ثلاث أو أربع سنوات تقريباً من الأرق، أنه يوجد لدي سبب واضح كي أنام، بشرط توقف النزيف».
وبالتاريخ نفسه يعود ويكشف لها جانباً خفياً من علاقته بالمرأة وتجاربه النسائية: «تسألين عن خطبتي، لقد خطبت مرتين، أو في الواقع ثلاث مرات، منها مرتان للفتاة نفسها، وفي كل مرة كانت تفصلني عن الزواج بضعة أيام فقط، ولقد وجدت أن الرجال ربما كانوا يعانون بدرجة أكبر، أو لو كنت تفضلين لديهم مقاومة أقل في مثل هذه الأمور؛ لكن المؤكد أن النساء يعانين دائماً دون ذنب».
وبتاريخ مايو (أيار) 1920، تعاوده هواجسه وتأملاته السوداوية تجاه الموت والوجود، وهو يقول: «على الرغم من كل هذا، تُعد الكتابة شيئاً جيداً حقاً. أنا الآن أكثر هدوءاً مما كنت عليه قبل ساعتين في الشرفة بالخارج برفقة رسالتك. وبينما كنت مستلقياً هناك سقطت خنفساء على ظهرها على بعد خطوة مني، وكانت تحاول باستماتة تصحيح وضعها، كنت سأسعد بتقديم يد العون لها، كان أمراً يسيراً للغاية، الخطو خطوة واحدة فقط وإعطاؤها دفعة بسيطة؛ لكني نسيت أمرها بسب رسالتك. كانت الخنفساء بالفعل ساكنة تماماً، لدرجة أنني قلت لنفسي: هذه ليست مصادفة، إنها سكرات الموت، الدراما التي نادراً ما تُشاهد لوفاة حيوان بصورة طبيعية».
وفي رسالة أخرى مؤرخة بـ3 يونيو 1920، يخاطبها قائلاً: «أعتقد أننا نتشارك خاصية غريبة؛ كلانا خجول وقلق للغاية، لدرجة أن كل رسالة مختلفة تقريباً، كل منا -على ما أعتقد- خائف من الرسالة السابقة، وحتى أكثر من ذلك خائف من الرد. ربما أكون لست كذلك بالفطرة؛ لكن ذلك كاد أن يصبح من طبيعتي التي أتجاوزها فقط عندما أكون يائساً أو في الأغلب غاضباً. وغني عن القول، عندما أكون خائفاً».
لقد قدَّم المترجم عملاً مدهشاً وراقياً لكاتب مثل كافكا؛ لكن لم يوضح لنا عن أي لغة بالضبط قام بنقل العمل إلى العربية. صحيح أنه أورد عديداً من الهوامش بالتشيكية والألمانية في نهاية الكتاب؛ لكنه أورد كذلك عدداً من المراجع بالإنجليزية التي استند إليها في مقدمة العمل.



«كيركيغارد»... والحب المستحيل

ريجين أولسين
ريجين أولسين
TT

«كيركيغارد»... والحب المستحيل

ريجين أولسين
ريجين أولسين

كان أحدهم قد أطلق العبارة التالية: كيركيغارد فيلسوف كبير على بلد صغير الحجم. بمعنى أنه أكبر من البلد الذي أنجبه. وبالفعل، فإن شهرته أكبر من الدنمارك، التي لا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة، وبالطبع أكبر من اللغة الدنماركية المحدودة الانتشار جداً قياساً إلى لغات كبرى كالفرنسية والإنجليزية والألمانية والإسبانية، ناهيك بالعربية. ولكن مؤلفاته أصبحت مترجمة إلى شتى لغات العالم. وبالتالي، لم تعد محصورة داخل جدران لغته الأصلية الصغيرة. لقد أصبحت ملكاً للعالم أجمع. هنا تكمن عظمة الترجمة وفائدتها. لا حضارة عظيمة من دون ترجمة عظيمة. والحضارة العربية التنويرية قادمة لا ريب، على أكتاف الترجمة والإبداع الذاتي في آنٍ معاً.

سورين كيركيغارد (1813 - 1855) هو مؤسس الفلسفة الوجودية المعاصرة، قبل هيدغر وسارتر بزمن طويل. إنه الممثل الأكبر للتيار الوجودي المسيحي المؤمن، لا المادي الملحد. كان كيركيغارد أحد كبار فلاسفة الدين في المسيحية، إضافة إلى برغسون وبول ريكور، مثلما أن ابن رشد وطه حسين ومحمد أركون هم من كبار فلاسفة الدين في الإسلام.

سورين كيركيغارد

لكن ليس عن هذا سأتحدث الآن، وإنما عن قصة حب كبيرة، وربما أكبر قصة حبّ ظهرت في الغرب، ولكن لا أحد يتحدث عنها أو يسمع بها في العالم العربي. سوف أتحدث عن قصة كيركيغارد مع الآنسة ريجين أولسين. كيف حصلت الأمور؟ كيف اشتعلت شرارة الحب، تلك الشرارة الخالدة التي تخترق العصور والأزمان وتنعش الحضارات؟ بكل بساطة، كان مدعواً إلى حفلة اجتماعية عند أحد الأصدقاء، وصادف أنها كانت مدعوة أيضاً. كانت صغيرة بريئة في الخامسة عشرة فقط، وهو في الخامسة والعشرين. فوقع في حبها على الفور من أول نظرة، وبالضربة القاضية. إنه الحب الصاعق الماحق الذي لا يسمح لك بأن تتنفس. ويبدو أنه كان شعوراً متبادلاً. وبعد 3 سنوات من اللقاءات والمراسلات المتبادلة، طلب يدها رسمياً فوافقت العائلة.

ولكنه صبيحة اليوم التالي استفاق على أمر عظيم. استفاق، مشوشاً مبلبلاً مرعوباً. راح ينتف شعر رأسه ويقول: يا إلهي، ماذا فعلت بنفسي؟ ماذا فعلت؟ لقد شعر بأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر. فهو لم يخلق للزواج والإنجاب وتأسيس عائلة ومسؤوليات. إنه مشغول بأشياء أخرى، وينخر فيه قلق وجودي رهيب يكاد يكتسحه من الداخل اكتساحاً... فكيف يمكن له أن يرتكب حماقة كهذه؟ هذه جريمة بحقّ الأطفال الذين سوف يولدون وبحقّها هي أيضاً. ولذلك، فسخ الخطوبة قائلاً لها: أرجوك، إني عاجز عن القيام بواجبات الزوجية. أرجوك اعذريني.

ثم أردف قائلاً بينه وبين نفسه: لا يحق لي وأنا في مثل هذه الحالة أن أخرب حياة خطيبتي المفعمة بحب الحياة والأمل والمحبة، التي لا تعاني من أي مشكلة شخصية أو عقدة نفسية أو تساؤلات وجودية حارقة. وإنما هي إنسانة طبيعية كبقية البشر. أما أنا فإنسان مريض في العمق، ومرضي من النوع المستفحل العضال الذي لا علاج له ولا شفاء منه. وبالتالي، فواجب الشرف والأمانة يقتضي مني أن أدوس على قلبي وأنفصل عنها وكأني أنفصل عن روحي.

لكن عندما سمع بأنها تزوجت من شخص آخر جنّ جنونه وتقطعت نياط قلبه وهاجت عليه الذكريات. بل هرب من الدنمارك كلها لكيلا يسمع بالتفاصيل والتحضيرات وليلة العرس. هذا أكبر من طاقته على التحمل. وأصبح كالمجنون الهائم على وجهه في البراري والقفار. كيف يمكن أن يتخيلها مع رجل آخر؟ هل انطبقت السماء على الأرض؟ مجنون ليلى ما تعذب مثلنا.

الشيء المؤثر في هذه القصة هو أن خطيبته التي عاشت بعده 50 سنة تقريباً طلبت أن تدفن إلى جواره، لا إلى جوار زوجها الشرعي! فاجأ الخبر كثيرين. وكانت بذلك تريد أن تقول ما معناه: إذا كان القدر قد فرقني عنه في هذه الحياة الدنيا، فإني سألتحق به حتماً في الحياة الأخرى، حياة الأبدية والخلود. وكانت تعتبر نفسها «زوجته» برغم كل ما حصل. وبالفعل، عندما كان الناس يتذكرونها كانوا يقولون: خطيبة كيركيغارد، لا زوجة فريدريك شليجيل. وقالت: إذا لم يكن زوجي هنا على هذه الأرض، فسوف يكون زوجي هناك في أعالي السماء. موعدنا: جنة الخلد! هل هناك حب أقوى من هذا الحب؟ حب أقوى من الموت، حب فيما وراء القبر، فيما وراء العمر... الحب والإيمان. أين هو انتصارك يا موت؟

قصة حب تجمع بين كيركيغارد، مؤسس الفلسفة الوجودية، وفتاة شابة جميلة تصغره بعشر سنوات، لكن الفلسفة تقف حجر عثرة بينهما، فينفصل عنها وتظل صورتها تطارده طيلة حياته

اللقاء الأخير

كيف يمكن أن نفهم موقف كيركيغارد من حبيبته إن لم نقل معبودته ريجين أولسين؟ للوهلة الأولى يبدو أنه لا يوجد أي تفسير منطقي له. فقد قطع معها في أوج العلاقة الغرامية، دون أي سبب واضح أو مقنع. ويبدو أنها حاولت أن تراه لآخر مرة قبيل سفرها مع زوجها إلى بلاد بعيدة. أن تراه في الشارع كما لو عن طريق الصدفة. وعندما اصطدمت به، قالت له: «ليباركك الله، وليكن كل شيء كما ترغب». وهذا يعني أنها استسلمت للأمر الواقع نهائياً، وأنه لا عودة بعد اليوم إلى ما كان. تراجع كيركيغارد خطوة إلى الوراء عندما رآها حتى لكأنه جفل. ثم حياها دون أن ينبس بكلمة واحدة. لم يستطع أن يرد. اختنق الكلام في صدره. لكأنه يقول بينه وبين نفسه: هل يحق لمن يقف على الخطوط الأمامية لجبهة الفكر، لجبهة النار المشتعلة، أن يتزوج؟ هل يحق لمن يشعر بأن حياته مهددة أن ينجب الأطفال؟ أطفاله هم مؤلفاته فقط. هل يحق لمن يصارع كوابيس الظلام أن يؤسس حياة عائلية طبيعية؟ ما انفك كيركيغارد يحاول تبرير موقفه، بعد أن شعر بفداحة ما فعل مع ريجين. لقد اعتقد أنه انفصل عنها، وانتهى الأمر، فإذا بها تلاحقه إلى أبد الآبدين. ما انفك يلوم نفسه ويتحسر ويتعذب. لكأنه عرف أن ما فعله جريمة لا تغتفر. نعم، لقد ارتكب جريمة قتل لحب بريء، حب فتاة غضة في أول الشباب. من يستطيع أن يقتل العاطفة في أولها، في بداية انطلاقتها، في عنفوانها؟ طيلة حياته كلها لم يقم كيركيغارد من تلك الضربة: ضربة الخيانة والغدر. وربما لم يصبح كاتباً وفيلسوفاً شهيراً إلا من أجل تبريرها. لقد لاحقه الإحساس القاتل بالخطيئة والذنب حتى آخر لحظة من حياته. إذا لم نأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار فإننا لن نفهم شيئاً من فلسفة كيركيغارد. لقد أصبحت قصته إحدى أشهر قصص الحب على مدار التاريخ، بالإضافة إلى قصة دانتي وبياتريس، وروميو وجولييت، وأبيلار وهيلويز. ويمكن أن نضيف: مجنون ليلي، وجميل بثينة، وكثير عزة، وعروة وعفراء، وذا الرمة ومي... إلخ. العرب هم الذين دشنوا هذا الحب العذري السماوي الملائكي قبل دانتي وشكسبير بزمن طويل. ولماذا تنسون عنتر وعبلة؟ بأي حق؟

ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت كبارق ثغرك المتبسم

بعد أن تجاوز فيلسوف الدنمارك تلك التجربة العاصفة، شعر وكأنه ولد من جديد، أصبح إنساناً جديداً. لقد انزاح عن كاهله عبء ثقيل: لا عائلة ولا أطفال ولا زواج بعد اليوم، وإنما معارك فكرية فقط. لقد طهره حب ريجين أولسين من الداخل. كشف له عن أعماقه الدفينة، وأوضح له هويته ومشروعه في الحياة. الحب الذي يفشل يحرقك من الداخل حرقاً ويطهرك تطهيراً. بهذا المعنى، فالحب الفاشل أفضل من الحب الناجح بألف مرة. اسألوا أكبر عاشق فاشل في العالم العربي. بعدها أصبح كيركيغارد ذلك الفيلسوف والكاتب الكبير الذي نعرفه. بالمعنى الأدبي للكلمة، وليس مفكراً فيلسوفاً فقط، بالمعنى النثري العويص الجاف. من ثم هناك تشابه كبير بينه وبين نيتشه مع الفارق، الأول مؤمن، والثاني ملحد. وأخيراً، لم ينفك كيركيغارد يحلل أعماقه النفسية على ضوء ذلك الحب الخالد الذي جمعه يوماً ما بفتاة في عزّ الشباب، تدعى ريجين أولسين. عبقريته تفتحت على أنقاض ذلك الحب الحارق أو المحروق. كان ينبغي أن تحصل الكارثة لكي يستشعر ذاته، ينجلي الأفق، يعرف من هو بالضبط. من كثرة ما أحبها تركها. لقد قطع معها لكي تظل - وهي العزيزة الغائبة - أشد حضوراً من كل حضور!