فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

«رسامون من العالم العربي» في جزئه الأول... قصة المؤسسين

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
TT

فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم

قليلاً ما تصدر في العالم العربي كتب رصينة في الفن التشكيلي بمقدورها أن تكون وسيطاً ممتعاً، عميقاً ومبسطاً، بين الفنانين وعامة الناس. من هنا تأتي أهمية الكتاب الجديد للناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف «رسامون من العالم العربي» الذي صدر الجزء الأول منه حاملاً عنواناً فرعياً «الفاتحون»، على أن يصدر الجزء الثاني «المغامرون» قريباً. ويتمنى المؤلف أن يتمكن من وضع الجزء الثالث، مخصصاً إياه للتشكيليين الشباب. بهذا المعنى عكف المؤلف على وضع موسوعة لمن يريد التعرف على الحركة التشكيلية العربية منذ نشوئها في القرن التاسع عشر، من خلال تقديم الأسماء الأكثر تأثيراً. هو لا يدعي أنه أحصى كل الفنانين... «إنهم أكثر مما نتصور. العالم العربي غابة من الرسامين. وإن كان أثرهم في الواقع لا يزال محدوداً؛ لأسباب عديدة».
الجزء الأول «الفاتحون» الذي أبصر النور بعناية «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة» في البحرين، يتكون من مقدمة شيقة تحمل عنوان «ما لا نتذكره لا يحدث»، ثم يستعرض الكاتب مسارات 86 فناناً عربياً من المؤسسين، وجميعهم ولدوا قبل عام 1935، بادئاً بالفنانين داود وجورج قرم من لبنان، ومنتهياً بإلياس الزيات أحد مؤسسي كلية الفنون الجميلة بدمشق. اللطيف في الصفحات التي خصصت لكل فنان، أنها كتبت بأسلوب رشيق، لا إسهاب فيه، فيها معلومات وافية عن حياة كل منهم، مع تتبع مساره الفني، وتحري المؤثرات على عمله، وكذلك تطور أسلوبه الجمالي، وإعطاء فكرة واضحة عما تميز به كل منهم، ومدى تأثيره في فناني عصره أو من أتوا بعده. وهو ما يفسح في المجال أمام القارئ أن يشكل فكرة عن المحطات الرئيسية في تاريخ الفن التشكيلي العربي.

من هم المؤسسون؟

نحو 600 صفحة من الورق الصقيل، مزدانة بصور تبرز أهم أعمال كل فنان، إلى جانب مساره الإبداعي. وهو ما جعل الكاتب يطلق على مشروعه الموسوعي هذا صفة «متحف خيالي». لم ينشغل الكاتب بهاجس ألح طويلاً على مؤرخي الفن، وهو: من الذي بدأ الرسم أولاً؟ أو من يكون المؤسس الأول؟ «قررت أن أتصفح أوراق تجارب الفنانين الأوائل، واحداً بعد آخر، كما لو أني أتصفح كتاباً وضعته الحياة بين يدي. أنا هنا أعيد رواية أحداث، كان لها أكبر الأثر في تطوير معرفتنا بالرسم، ومن ثم الارتقاء بذائقتنا الجمالية».
يشرح فاروق يوسف لـ«الشرق الأوسط» أنه قضى 5 سنوات منكباً على البحث كي يصدر هذا الكتاب... «في النهاية، المشقة (الأكبر) كانت في جمع المعلومات المشتتة، وغربلة الفنانين الذين عليّ أن أختارهم، وسط كم هائل من الأسماء. هناك أسماء معروفة لكنها لم تكن مؤثرة. وبالتالي فإن أول رسام عراقي، على سبيل المثال واسمه عبد القادر سالم، ليس موجوداً في الكتاب؛ لأن أسلوبه كان مدرسياً».
يشرح يوسف أن «اللوحة التي تعلق على حائط هي فن غربي. نحن في تراثنا الرسم قديم وموجود، لكنه لم يكن يوضع في إطار ويعلق. كان موجوداً على الخزف والورق والقماش والزجاج وفي الكتب، وحين أتحدث عن الفاتحين أو المؤسسين، فهم أولئك الذين كانوا أول من رسموا لوحات توضع على جدار بالمعنى الغربي». وهنا يلفت يوسف إلى أن اللبنانيين كانوا سباقين إلى الريادة، متقدمين على المنطقة العربية كلها، لأسباب دينية، ولوجود الرسم في الكنائس. الرسام داود قرم ذهب لدراسة الرسم في روما سنة 1870، مما مهد الطريق لابنه جورج لدراسة الرسم في باريس من بعده. داود قرم بدأ الرسم في الكنائس والأديرة قبل أن ينتقل إلى الرسوم الشخصية، وهو ما أكسبه شهرة عالمية في زمانه، وقد أصبح على صلة بالملوك والأمراء والساسة الذين رسمهم، في أوروبا ومصر والآستانة. وعلى خطاه سار ابنه جورج منتقلاً من الرسم الكنسي إلى رسم المناظر الطبيعية والأشخاص. وتكر سبحة الفنانين، فنمر على حبيب سرور الذي يصح أن يطلق عليه لقب «المعلم»، فعلى يديه تتلمذ مصطفى فروخ وصليبا الدويهي. وهو الذي كان أول من اكتشف موهبة جبران خليل جبران الفنية.

فنان وقصة ومفاجأة
الكتاب يقوم بمسح لفنانين من مختلف الدول العربية، فنجد محمود سعيد، ومحمد راسم، وراغب عياد، وجواد سليم، والهادي الخياشي وولده نور، ونصير شورى، والهادي التركي، وحاتم المكي، والشعيبية طلال، والجيلالي الغرباوي، وباية محيي الدين، وفاتح المدرس، وأحمد شبرين، وإيتيل عدنان، وشفيق عبود، وعارف الريس، وإسماعيل شموط، وشاكر حسن آل سعيد، وأحمد الشرقاوي، وأمين الباشا، وعلي بن سالم.
رسامون مشاهير، وآخرون أقل شهرة، لكنهم جميعهم استحقوا وجودهم في هذا المرجع، ولا بد من أن يجد القارئ في تتبع سيرهم المتلاحقة ما يجعله يفهم صلة الرحم الثقافي بين فنان وآخر، وربما فهم الشقة التي أبعدت بعضهم. هناك الفنانة العراقية مديحة عمر، التي ماتت عام 2006 عن 98 عاماً. امرأة لم يعرف عنها الكثير، رغم أنها من أهم رائدات الفن التشكيلي الحديث في العراق، فقد قضت جل حياتها في الولايات المتحدة الأميركية، إلا إن المعرضين اللذين أقامتهما في بغداد يشهدان على مرورها المؤثر في الثقافة العراقية. وميزة هذه العراقية المغتربة أنها شغفت بالخطوط العربية منذ طفولتها. وقد أسهمت مديحة عمر منذ الأربعينات في البحث عن الحرف العربي عبر الفن التشكيلي متوخية الكشف عن طاقاته الإبداعية.
إلى جانب المسار الإبداعي، نجح الكاتب في إدخالنا إلى حياة هؤلاء الفنانين، التي غالباً ما تتسم بالمفاجآت والتشويق، بسلاسة وعذوبة؛ إذ سيحلو لك أن تقرأ حكاية الرسامة فخر النساء زيد؛ تركية الأصل التي تزوجت من الأمير زيد بن علي شقيق ملك العراق فيصل الأول، وبيعت لوحتها «انشطار الذرة وحياة النبات» عام 2013 مقابل 2.74 مليون دولار.

ملحقان للتيناوي
والمجموعات الفنية

للكتاب ملحقان: الأول خصص لأبي صبحي التيناوي، ولد عام 1888 ومارس الرسم على الورق والزجاج. نشأ أمياً، ثم صار رساماً. رسم وباع ما كان يخطه في المقاهي الشعبية في دمشق، وسيلة لكسب الرزق، إلى أن لحظ البعض في الستينات في رسومه أصالة وتمايزاً، وطبعت رسومه وبيعت بسبب إقبال اللبنانيين والأجانب عليها، لاقتنائها. ويعلق فاروق يوسف: «هو رسام لا يمكن إنكار اتصال أعماله بفن عربي، ممتد إلى مقامات الحريري التي زينها يحيى بن محمود الواسطي برسومه في القرن الثالث عشر الميلادي». لكن الكتاب لم يدرج التيناوي مع جملة الفنانين المؤسسين، باعتباره لا ينتمي إلى مدرسة الفن الحديث، ولم يأت بجديد، لكنه رغم ذلك أثر في عدد من الرسامين العرب والسوريين.
أما الملحق الثاني فمخصص للجماعات الفنية التي نشأت في تلك الفترة المبكرة، وكان لها حضورها... نجد «جماعة الفن والحرية» المصرية التي قامت بتأثير من بيان «برايتون - تروتسكي» الذي صدر عام 1938 في المكسيك ودعا إلى إنشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر. وكانت هذه الجماعة بعيدة؛ لا بل منفصلة عن التجارب التي استلهمت التاريخ المصري وحياة الفلاحين، ويمكن القول إنها سارت عكسها. هناك أيضاً «جماعة بغداد للفن الحديث» ودعت إلى استلهام جماليات فن يحيى بن محمود الواسطي الذي عاش في العراق في القرن الثالث عشر، ومن بين أعضائها جواد سليم وجبرا إبراهيم جبرا. و«جماعة مدرسة تونس» التي قدمت أعمالاً صورت الحياة المحلية بأسلوب استشراقي عديم الخيال.
ويشرح لنا يوسف أن «فترة التأسيس في الرسم العربي كانت أكثر أصالة من اليوم. كان لكل من هؤلاء الفاتحين الذين تحدثت عنهم في كتابي، عالمه الخاص. وهي مرحلة عظيمة ترك فنانون كبار بصمات بنى عليها من جاءوا بعدهم». وفي رأيه أن «بروز فكرة القومية، وأحزابها التي شهدت ذروتها في الستينات والسبعينات، أثرت على المزاج الفني. لهذا نرى أن اللوحات فقدت شيئاً من بريقها». يعطي مثلاً على ذلك الفن المصري بعد جمال عبد الناصر، ويقول: «لو قارنا ما قبل بما أتى بعد ذلك، فسنجد أن اللوحات في مصر، أصبحت تتشابه في مفرداتها، وطغت عليها الألوان الترابية. لقد نما اهتمام بالتاريخ الفرعوني وحصل تأثر واضح».

إصداران إضافيان منتظران
يستعد المؤلف لإصدار المجلد الثاني من هذا العمل الكبير، عن الرسامين العرب، دون الأخذ بالاعتبار انتماءاتهم القطرية، بل ينظر إليهم جميعهم باعتبارهم ينتمون إلى ثقافة واحدة رغم بعض التمايزات. وسيخصص الجزء الثاني للرسامين الذين ولدوا قبل ستينات القرن الماضي وبعد 1935، «وهي فترة صعبة؛ لأنها شهدت انفتاحاً كبيراً على العالم. سنرى خلال هذه المرحلة تأثير ظهور الفن التجريدي في أميركا، في أربعينات القرن الماضي، حيث حدث نوع من الفوضى في أحوال الفن في العالم، نبت أشخاص لا يجيدون الرسم أصلاً وتمكنوا من بيع لوحاتهم بمبالغ باهظة».
ويبدو أن إنجاز المجلد الثالث سيكون أصعب من الاثنين السابقين له، بحسب المؤلف؛ «وذلك لأننا لا نزال نقطف ثمار العشوائية التي انتشرت في الفن. نحن نعاني من الكثرة المفرطة في عدد الفنانين والأعمال. هناك فنانون شباب لا يعرفون كيف يرسمون شجرة، أو شخصاً، ومع ذلك معترف بهم، وربما لهم رواج. هذا ليس دفاعاً مني عن التشخيص في الرسم، ليس هذا ما أقصده، وإنما يفترض من الفنان أن يجيد الحرفة. وهؤلاء الذين أتحدث عنهم أصبحوا أغلبية، وبالتالي هم قادرون على فرض وجودهم والدفاع عن أنفسهم».



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.