(تحقيق إخباري) نصر الله يطيح رغبة لبنان بتصويب علاقاته بدول الخليج

عون بتغطيته الملاحقات القضائية يستدرج «العروض» لتعطيل الانتخابات

TT

(تحقيق إخباري) نصر الله يطيح رغبة لبنان بتصويب علاقاته بدول الخليج

كشف مصدر وزاري بارز بأن رئيس الجمهورية ميشال عون أخلّ باتفاقه مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على تحييد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ووقف ملاحقته إلى حين تقطيع المفاوضات الجارية بين لبنان وصندوق النقد الدولي التي يراد منها تأمين انتقاله إلى مرحلة التعافي المالي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المحامية العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون لم تطلب إحضار سلامة للاستماع إليه في الدعوى المقامة ضده من «متحدون» من تلقاء ذاتها، وإنما هناك من يوفّر لها الغطاء السياسي وتحديداً من «غرفة الأوضاع» المرابطة في القصر الجمهوري في بعبدا والموالية على بياض لرئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل.
ولفت المصدر الوزاري إلى أن القاضية عون أدارت ظهرها للتفاهم المعقود بين رئيسي الجمهورية والحكومة، ولديها ملء الثقة بوجود من يدعمها ويوفّر لها الحماية السياسية، وهذا ما سيؤدي إلى توتير العلاقة بينهما ويفتح الباب أمام إقحامها في اشتباك سياسي، وإن كان ميقاتي يحرص على استيعاب الصدمات السلبية التي تصيب حكومته بين الحين والآخر والتي يفتعلها في غالب الأحيان عون وبعض مستشاريه.
وأكد أن الادعاء على المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بذريعة أن نقطة الحراسة التابعة له والمتمركزة أمام منزل سلامة في الرابية منعت القوة التابعة لجهاز أمن الدولة من تنفيذها لمذكرة إحضاره لن يمر مرور الكرام وسيترتّب عليه تداعيات سياسية لن تكون لمصلحة «العهد القوي».
وفي هذا السياق، رأى مصدر مقرّب من نادي رؤساء الحكومات أن عون لم ينفك عن استدراج العروض لتعطيل الانتخابات النيابية وصولاً إلى فرضه التمديد للبرلمان الحالي كأمر واقع لعله ينسحب عليه لإيصال المؤسسات الدستورية الكبرى إلى فراغ قاتل، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن عون أخفق في تحقيق أي إنجاز بخلاف ما تعهد به في خطاب القسم أمام البرلمان فور انتخابه رئيساً للجمهورية، وهو يبحث الآن عن إنجاز تحت عنوان إصراره على مكافحة الفساد واسترداد أموال الدولة المنهوبة، مع أنه يدرك جيداً أنه هو من أغرق الدولة في مسلسل من الصدامات بدلاً من أن يبادر إلى إنقاذها.
وأكد المصدر نفسه أن عون اختار العنوان الخطأ في ملاحقته للواء عثمان، وكنا نتوقع منه بأن ينوّه بالإنجاز الأمني الذي حقّقته شعبة المعلومات في قوى الأمن باكتشافها لكبرى شبكات التجسّس الإسرائيلية، وهذا ما لم يفعله بخلاف ما صدر عن رئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي وعدد من القيادات السياسية. وسأل: لماذا أحجم عون عن إشادته بهذا الإنجاز؟ وهل نأى بنفسه عن التنويه بدورها في تفكيك العدد الأكبر من شبكات التجسّس لأنه يتحسّس ممن يقف على رأس هذه المؤسسة الأمنية وأن فريقه يستمر في نصب «الكمائن» السياسية له؟
وكشف أن الفريق السياسي الموالي لباسيل هو من يدير الحملات المنظّمة لتدمير آخر ما تبقّى من مؤسسات الدولة وآخرها مؤسسة قوى الأمن بعد أن اصطدم بحائط مسدود في تشويشه على قائد الجيش العماد جوزف عون، وقال إن عثمان لم يرضخ لضغوط باسيل بإجرائه مناقلات بين كبار الضبّاط في محاولة لتطويعهم لانتزاع ولائهم له لعله يتمكّن من ترتيب وضعه الانتخابي.
وسأل: لماذا لم يبادر عون الحريص على عدم التدخّل لدى القضاء إلى الطلب من مدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا للمثول أمام المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار للاستماع إلى أقواله؟ وهل كان مضطراً لإلحاقه بالمجلس الأعلى للدفاع واتباعه لإمرته ولإمرة رئيس الحكومة؟ وقال إن اللواء عثمان قام بواجباته ولم يخلّ بها، وهذا ما أكّده الرئيس ميقاتي في الاتصال الذي تلقّاه من رئيسة كتلة «المستقبل» النيابية النائبة بهية الحريري.
ولفت المصدر نفسه إلى أن ما قاله ميقاتي للنائبة الحريري ما هو إلا رد مباشر على الحملة التي تستهدف عثمان، وقال إن معركة القاضية عون ومن خلالها رئيس الجمهورية ستكون خاسرة وسترتدّ عليهما، ولن يترتّب عليها أي مفاعيل سياسية يراد منها تطييف الأجواء وشحنها مذهبياً بعد الموقف الذي أعلنه رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي يشكّل سدّاً منيعاً في وجه من يراهن على إحداث انقسام في الشارع بين المسلمين والمسيحيين يعود بلبنان إلى المربّع الأول الذي كان وراء اندلاع الحرب الأهلية التي انتهت بتوافق اللبنانيين على اتفاق الطائف.
واتهم المصدر المقرّب من رؤساء الحكومات السابقين عون بأنه يراهن على استحضار حروب الإلغاء والإقصاء التي قادها أثناء تولّيه رئاسة الحكومة العسكرية، وقال إن هذه الحروب أصبحت من الماضي لأن السواد الأعظم من اللبنانيين هم الآن في مكان آخر في ضوء ارتفاع منسوب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بعد تدهور القيمة الشرائية للعملة الوطنية التي يحاول عون توفير الحلول لها ببيانات إعلامية تكاد تكون شبه يومية بدلاً من أن يبادر إلى الانكفاء عن وضع العراقيل التي تعيق مهمة الحكومة للانتقال بالبلد من التأزُّم إلى الإنقاذ.
وسأل المصدر رئيس الجمهورية، هل لا يجد من مكافأة لقوى الأمن على إنجازاتها في تفكيك شبكات التجسّس الإسرائيلية والأخرى الإرهابية سوى ملاحقة القاضية عون للواء عثمان بتهم مدبّرة سلفاً، فيما يغيب القضاء المختص عن السمع ولا يحرّك ساكناً لوضع حد لتماديها في خرق القوانين؟ وقال إن غرفة الأوضاع التي تتولى تركيب الملفّات ستواجه مشكلة إذا كانت تراهن منذ الآن على أن مكافحتها للفساد ستؤدي إلى استعادة ما خسرته في الشارع المسيحي، خصوصاً أن البطريرك الماروني بشارة الراعي كان أول من تصدّى في عظته ما قبل الأخيرة لما سمّاه وجود انتقائية واستثناءات في الملاحقات القضائية غامزاً من قناة رئيس الجمهورية من دون أن يسمّيه.
كما سأل عن الجدوى من تلغيم الأجواء السياسية وتعميم حالة من الاحتقان المذهبي والقضائي؟ وهل يؤدي كل هذا إلى تعطيل إجراء الانتخابات النيابية، وإلا لماذا أصر عون على احتجازه للتشكيلات القضائية رافضاً الإفراج عنها وربطها بالاستمرار في مكافحة الفساد بإعفاء القاضية عون من المناقلات القضائية الواردة في التشكيلات التي رفعها إليه رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود؟
وقال إن الهدف من احتجازه لهذه التشكيلات يكمن في الخطة المرسومة للقاضية عون بغية إغراق الحكومة في انقسام هي في غنى عنه الآن، بدلاً من أن تلتفت لإنقاذ البلد، مع أن ميقاتي وإن كان يحسن إدارته لتدوير الزوايا فهو في المقابل يسعى لتقطيع الوقت بأقل قدر من الخسائر لتحييد خطة التعافي المالي من التجاذبات السياسية.
وتمنى المصدر على رئيس الجمهورية بأن يعيد النظر في ترتيب أولوياته لردم الهوّة القائمة بين لبنان ودول الخليج العربي بعد أن أطاح الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بالجهود الرامية لرأب الصّدع كمدخل لاستعادة الثقة المفقودة بينهما، خصوصاً أن الرد اللبناني على الورقة التي طرحها وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح باسم الدول العربية والخليجية والمجتمع الدولي في زيارته لبيروت لن يُصرف في مكان، لأن ما قاله أخيراً يتعارض مع روحية الأجوبة التي حملها معه وزير الخارجية عبد الله بو حبيب إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب في الكويت.
فهل يبادر الرئيس عون إلى الرد على ما قاله نصر الله بدلاً من إطلاق يد القاضية عون بغياب الضوابط القضائية الرقابية في ملاحقتها لسلامة وفي ادعائها على اللواء عثمان؟ أم أنه سيصرف النظر عن استهدافه مجدداً لدول الخليج الذي جاء هذه المرة متلازماً مع توصّل «حزب الله» إلى تصنيع المسيّرات وعرضها للبيع لمن يريدها وتطوير الصواريخ إلى صواريخ دقيقة برغم أنه يحشر الدولة في الزاوية ويحوّلها إلى دويلة مسلوبة الإرادة، وبالتالي يعيد التأزُّم المسيطر على علاقات لبنان العربية إلى نقطة الصفر، وهذا ما يتسبب بحشر حليفه رئيس الجمهورية.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.