{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

تحتفل بمئويتها.. وأرمن العالم مصرّون على اعتراف تركيا بالذنب

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال
TT

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

{الهولوكوست} الأرمنية.. صراع التاريخ والسياسة.. والمال

سبقت «المذبحة الأرمنية» نظيرتها اليهودية بعقود، لكنها لا تزل تصارع للاعتراف بها بشكل كامل رغم مرور مائة عام عليها، من دون أن يكل الأرمن عن السعي لهذا الاعتراف، وعينهم أولا على «المتهمة» تركيا، وريثة السلطنة العثمانية، التي لا تزال تصر على رفض الاعتراف بها، وتقاتل من أجل منع الاعتراف العالمي.
ورغم النشاط اللافت للأرمن، واللوبيات التي أنشأوها، فإن الاعتراف بالإبادة الأرمنية لم يحصل على نطاق واسع، إذ اعترفت 20 دولة فقط بحصولها ليس من بينها الدولة الأهم، أي الولايات المتحدة، على الرغم من اعتراف 40 من ولاياتها بالإبادة، فالرئيس الأميركي باراك أوباما تجنب في خطابه هذا العام وصف ما حصل بالإبادة. ومع هذا كله، فالأمم المتحدة اعترفت بالإبادة، وكذلك البرلمان الأوروبي والكثير من المنظمات الدولية الأخرى.
في الذكرى المئوية تخلت ألمانيا عن حذرها ورفضها لاعتماد تعبير «الإبادة» فخرج الرئيس الألماني يواكيم جاوك، ليستعمل هذه الصفة، مقرا بمسؤولية بلاده الجزئية باعتبارها كانت حليفة لتركيا في الحرب العالمية الأولى حين وقعت الأحداث هذه. وقال: «إن مصير الأرمن هو مثال لتاريخ الدمار الشامل والتطهير العرقي والطرد والإبادة الجماعية، الذي يصادف القرن العشرين بمثل هذه الطريقة الرهيبة». لكن المتهم الأساسي، لا يزال يرفض الاعتراف، على الرغم من توجيه رئيس الوزراء التركي آنذاك، رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان رسالة تعزية إلى الأرمن، في العام الماضي، هي كل ما حصل عليه هؤلاء من اعتراف تركي. وأقر إردوغان بأن معاناة الأرمن ناجمة عن «أحداث كانت لها آثار غير إنسانية مثل الترحيل خلال الحرب العالمية الأولى»، لكنه لم يلفظ كلمة «إبادة».
تتحدث الروايات التاريخية عن مجازر عدة سبقت ما يسمى بالابادة التي تعرض لها الأرمن في السلطنة العثمانية، أولها كانت ما يعرف بالمجازر الحميدية التي قام بها السلطان عبد الحميد الثاني بين عامي 1894 و1896، والتي شملت المسيحيين عامة ومن بينهم الأرمن، ثم أتت في التوقيت نفسه مجازر ديار بكر التي يعتبرها الأرمن مدينتهم، حيث سموها على اسم ملكهم ديكران الكبير الذي يقولون بناها فنالت اسم «ديكراناجيرد»، أي المدينة التي بناها ديكران.
وعند نشوب الحرب العالمية الأولى تمرد الكثير من الشعوب التي كانت خاضعة لسيطرة الدولة العثمانية عليها سعيا لنيل الاستقلال عنها، ومن بين هؤلاء الأرمن الذين ساعدوا جيوش الإمبراطورية الروسية التي هاجمت الدولة العثمانية واحتلت جزءا من أراضيها. أتى رد العثمانيين قاسيا، فكان أن تعاملوا مع الأرمن جميعهم كخونة وجواسيس. وفي 24 أبريل (نيسان) 1915 قام العثمانيون بجمع المئات من أهم الشخصيات الأرمنية في إسطنبول وتم إعدامهم في ساحات المدينة، ثم صدر قرار بترحيل الأرمن عن مناطق الأناضول سعيا لمنعهم من تشكيل ما يشبه «حصان طروادة» في الأناضول. ونقل مئات الآلاف من الأرمن نحو الولايات العثمانية الجنوبية، أي سوريا ولبنان والأردن ومصر. ويتهم الأرمن الأتراك بإبادة مئات القرى الأرمنية شرق البلاد في محاولة لتغيير ديموغرافية تلك المناطق. كما يتهمونهم بإجبار القرويين على العمل كحمالين في الجيش العثماني ومن ثم بإعدامهم بعد إنهاكهم. بعدها أمرت جميع العوائل الأرمنية في الأناضول بترك ممتلكاتها والانضمام إلى القوافل التي تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال في طرق جبلية وعرة وصحراوية قاحلة. ويقول الأرمن إن هؤلاء حرموا من المأكل والملبس. فمات خلال حملات التهجير هذه نحو 75 في المائة ممن شارك بها وترك الباقون في صحارى بادية الشام. ويورد أحد المرسلين الأميركيين إلى مدينة الرها في كتاب عن الإبادة الأرمنية ما حرفيته: «خلال ستة أسابيع شاهدنا أبشع الفظائع تقترف بحق الآلاف.. الذين جاءوا من المدن الشمالية ليعبروا من مدينتنا. وجميعهم يروون نفس الرواية: «قتل جميع رجالهم في اليوم الأول من المسيرة، بعدها تم الاعتداء على النسوة والفتيات بالضرب والسرقة وخطف بعضهن حراسهم.. كانوا من أسوأ العناصر كما سمحوا لأي من كان من القرى التي عبروها باختطاف النسوة والاعتداء عليهن. لم تكن هذه مجرد روايات، بل شاهدنا بأم أعيننا هذا الشيء يحدث علنا في الشوارع».
ويصر الأتراك، على وضع ما يسميه الأرمن بالإبادة في سياق تاريخي، مشككا بأعداد الضحايا من جهة، وواضعا إياها في إطار مآسي الحرب العالمية الأولى من جهة أخرى. ويقول نائب رئيس الوزراء التركي السابق أمر الله إيشلر، أحد مساعدي إردوغان البارزين، أن غالبية المؤتمرات، لمناقشة أحداث 1915 كانت متحيزة وبعيدة عن الحقائق العلمية، خصوصا أنها لم تتناول ظروف الحقبة بموضوعية، واعتمدت على الآراء المنحازة، لا على الوثائق المستخرجة من الأرشيف. وشدد على أن «الدولة العثمانية اعتمدت على سياسة التسامح بين جميع مكونات الدولة الدينية والعرقية (..) وظاهرة التسامح الديني والعرقي على امتداد تاريخ الدولة العثمانية ظاهرة ضربت جذورها عميقا في بنية الدولة والحكومة، وبفضلها تمكنت الدولة العثمانية من إدارة المجتمعات المكونة لها بشكل ناجح لعدة قرون. وأشار إلى أن الغاية من عملية نقل الأرمن، من بعض مناطق وجودهم، إلى أخرى داخل حدود الدولة العثمانية آنذاك.. «لم تكن محو وجودهم، إنما ضمان أمن الدولة، وحماية أولئك المواطنين، بعد انخراط الكثيرين منهم، خلال سنوات الحرب، في صفوف الجيوش الروسية الغازية، بهدف إقامة دولة أرمنية في الأناضول، وتورطهم بتنفيذ مذابح جماعية ضد المسلمين، في مناطق مختلفة من الأناضول، بغية إنشاء دولة متجانسة لهم».
ويقول إيشلر في مقالة خص بها «الشرق الأوسط»، إن الوثائق الخاصة بالدولة العثمانية، تؤكد أن الهدف من عملية التهجير، لم يكن التسبب بتلك الأحداث، وقيام الحكومة العثمانية، آنذاك، بمعاقبة من ثبت ارتكابهم تجاوزات، تثبت مصداقية ذلك، كما قامت الحكومة العثمانية بمحاكمة الموظفين الحكوميين الذين أخلوا بانتظام وأمن عملية التهجير، أمام محكمة «ديوان الحرب العليا» (محكمة الجرائم العسكرية)، التي عقدت في العاصمة إسطنبول، حيث حكمت تلك المحكمة بالإعدام، على كل من ثبت تورطهم بارتكاب انتهاكات، حتى قبل أن تكون الحرب العالمية الأولى قد وضعت أوزارها، كما حصل عام 1916.
ويقول الخبير في مركز التفكير الاستراتيجي جاهد طوز لـ«الشرق الأوسط»، إن حكومة بلاده ترى أن ما حصل ليس أمرا يقره السياسيون، بل هو وقائع تاريخية يجب أن يحسمها المؤرخون والخبراء. وأكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة التركية ترفض الإقرار بجريمة لمرتكبها، وربما لم تحصل. ويشير إلى أن تركيا عرضت فتح الأرشيف العثماني أمام لجنة مشتركة تركية - أرمينية، للتحقيق في الواقعة، لكن الجانب الأخر لا يزال يرفض هذا الأمر.
ويقول: «الأرمن كانوا من رعايا الدولة العثمانية، لكنهم انضموا إلى الروس في قتال العثمانيين مع بدء الحرب العالمية الأولى وشكلوا عصابات نهبت وقتلت الكثير من الأتراك، فقررت الدولة تهجير الأرمن القاطنين في مناطق الحرب إلى مناطق أخرى داخل السلطنة (سوريا والعراق) كإجراء احترازي لوقف دعمهم للجيش الروسي». ويضيف: «الدولة كانت تقاتل على جبهات مختلفة، وكانت هناك أمراض منتشرة وقلة في الغذاء، ما أدى إلى موت الكثير من المهجرين، على غرار الكثير من رعايا السلطنة الآخرين». ورأى أن تسمية ذلك إبادة «غير أخلاقي وغير قانوني». ويشير إلى أن الأرمن استمروا في العيش في مناطق أخرى من تركيا، حتى اليوم. ويوضح طوز أن الأتراك عاشوا متسامحين، وما زالوا، مستدلا على ذلك بأن أتيان محجوبيان، كبير مستشاري رئيس الحكومة داود أوغلو هو شخص أرمني، كاشفا عن أن ثمة مرشحا أرمنيا، هو ماركر إسبان سينزل على لوائح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة وفوزه شبه مضمون.
ويلمح طوز إلى «أهداف اقتصادية» من الإصرار الأرميني على الاعتراف بالإبادة، مشيرا إلى أن أرمينيا تمر بظروف اقتصادية صعبة، وقد تطمح بالحصول على تعويضات مالية تسد بها عجزها». وأكد أن ثمة ممارسات كثيرة ارتكبت تحت حجة الإبادة المزعومة، فهناك 31 دبلوماسيا تركيا قتلوا على أيدي منظمات أرمنية متطرفة حول العالم، بالإضافة إلى نحو 43 مواطنا تركيا.
ويبدو أن عدم الاعتراف التركي ليس مجرد «مكابرة تاريخية»، فهذا الاعتراف تترتب عليه تبعات كبيرة على تركيا التي قد تصبح في حال اعترافها بالذنب، مجبرة على تقديم تعويضات مالية هائلة، كما يتخوف قادتها من استغلال الأمر للمطالبة بأراض يعتبرها الأرمن ملكا لهم عند الحدود بين البلدين، خصوصا أن الأرمن يسمون المناطق المحاذية لحدودهم الدولية «أرمينيا الغربية» لاحتوائها على الكثير من الأراضي التي يعتبرونها أرمنية، بالإضافة إلى جبل أرارات التاريخي الذي يقع في الأراضي التركية.
ويبدي الدكتور شفيق المصري، الخبير في القانون الدولي ثقته بأن تركيا «لن تعترف بالإبادة»، معتبرا أن «مسألة الاعتراف لها قيمة معنوية قبل أي شيء آخر، علما بأن الإبادة من الجرائم الدولية التي لا تخضع لمرور الزمن، وبالتالي حتى وبعد مرور 100 عام على المجازر الأرمنية، فتركيا وفي حال قررت الاعتراف بها فسيكون عليها تلبية كل الواجبات القانونية، ما يطرح إشكالية جديدة بعد عملية الاعتراف لجهة تحديد الضحايا والمبالغ الواجب دفعها بالإضافة إلى تحديد الأراضي التي يجب إعادتها لهم». ويضيف المصري: «مسألة الاعتراف لتركيا هي بحد ذاتها بمثابة انتحار كامل، لذلك نحن متأكدون أنّها لن تقدم على ذلك في يوم من الأيام وستصر على الإنكار وخاصة أنّها قادرة على شمل الضحايا الأرمن مع ضحايا الحرب».
وأوضح المصري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اعتراف تركيا بـ«المجازر الأرمنية» يترتب عليه «تبعات كثيرة وجسيمة» يفرضها القانون الدولي، لجهة دفع التعويضات اللازمة وإعادة الأراضي لأصحابها، لافتا إلى أن «تركيا هي الوريثة القانونية للإمبراطورية العثمانية وبالتالي مسؤوليتها تقتضي وفي حال الاعتراف بـ«الإبادة» بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه وذلك من خلال التعويض.
بدوره، أشار نائب الأمين العام لحزب «الطاشناق» أفيديس كيدانيان إلى أن «الأرمن كانوا يكتفون خلال الـ50 سنة الأولى من الإبادة بمطالبة تركيا بالاعتراف بما اقترفته خلال زمن السلطنة العثمانية، إلا أنهم يصرون اليوم على أن يلي الاعتراف دفع التعويضات اللازمة واسترجاع الأراضي المحتلة».
وأعرب كيدانيان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لكون الظروف الإقليمية والدولية مواتية لاستمرار الأتراك بإنكار اقترافهم الإبادة الأرمنية، مع العلم بأن رئيس جمهورية ألمانيا اعترف بمشاركة ومساهمة بلاده مع الأتراك بهذه الإبادة خلال الحرب. وأضاف: «فإذا كانت ألمانيا أقرّت بذلك، فورثة السلطنة العثمانية ملزمون بالاعتراف أيضا والقيام بواجباتهم تجاه الضحايا».
بعد مائة عام، لم يبقَ من يخبر. الجيل الأول الناجي من تلك الحرب، ذهب بأغلبيته الساحقة، لكن بعد أن روى لأبنائه وأحفاده ذكريات معاناته خلال عملية الترحيل. وجيل الأحفاد الذي لا يزال يعيش التجربة عبر روايات أجداده، يحاول نقل هذه الروايات نفسها إلى أبنائه.
ويؤكد آرا سيسريان، وهو ناشط أرمني لبناني، أن شعبه لا يزال مستمرا في حمل القضية «لكي لا تتكرر مثل هذه الإبادات على يد أنظمة أخرى في العالم». ويروي سيسريان لـ«الشرق الأوسط» تجربته العائلية مع الإبادة، التي سمعها من جديه لأبويه، وجدته لأمه، الذين نجوا من «الإبادة» وبقيت لديهم قصص مرعبة رووا بعض تفاصيلها لأحفادهم، وأبقوا بعضها الآخر لأنفسهم خوفا على براءة طفولتهم.
تبدأ القصة مع جد آرا لأبيه، الذي كان أستاذا تهجر من بلدته زيتون، وهرب إلى الأراضي السورية، حيث أقام في دير الزور التي شهدت أكبر المجازر بحق الأرمن ميتما لبنات الأرمن اليتيمات اللاتي تشردت بعد مقتل عائلاتهن، فآوتهن عائلات مدينة دير الزور من القبائل المسلمة. وأدار مع رفيقين له، هما أستاذان أيضا، الميتم المؤلف من منزل بغرف قليلة كانت كافية لجمع الفتيات اللاتي كانت أعمارهن تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات. واستمروا في عملهم إلى أن تمكنوا من إلحاق هؤلاء الفتيات بأقاربهن الناجين في مصر والأردن ولبنان، وأمنوا تبني من ليس لديهن أقارب. وهناك في دير الزور، نقب الرفاق الثلاثة للوصول إلى عظام وجماجم الضحايا الأرمن، وجمعوها في قبر جماعي واحد، ونصب تذكاري تحول في وقت لاحق إلى مزار للأرمن يستذكرون من خلاله «ضحايا الإبادة». بعدها انتقل الجد إلى حلب حيث استقر وتزوج وأنجب 8 أولاد، كبقية الأرمن الذين كانوا يردون على المجازر بالإنجاب قدر الإمكان.
أما جده لأمه، فهو من ديار بكر، وقد نجا مع عائلته لأن عائلة كردية أخفتهم في منزلها، وأمنت لهم طريقا للهرب بطريق أخرى غير قوافل الموت. لكن جدته لأمه التي كانت تبلغ من العمر نحو 10 سنوات، فقد شهدت المأساة الأكبر. يقول سيسريان إن الأتراك قبضوا على شقيقيها وهما في الـ15 والـ17 من العمر. وبعد ثلاثة أيام أرسلوا من يبلغ العائلة بأخذ الطعام لهم، فذهبت والدتها، وأخذت الطفلة معها لزيارة شقيقيها. وبينما هما تنتظران في باحة السجن مع الطعان، أحضر الشقيقان إلى الباحة، وأعدما أمامهما. بعد ذلك نقلت العائلة التي تبقت منها الجدة ووالدتها ووالدها العجوز عبر قوافل التهجير إلى حلب، لتكتمل معاناتهن مع ما شهدته من تعذيب وعمليات اغتصاب كانت تجري أمام الجميع، لكن أموال والدها جعلت النجاة من رحلة الموت ممكنة بفضل الرشى التي قدمها للجنود.
وفي حلب التقى والدار آرا، تزوجا، وانتقلا إلى لبنان حيث أنشأت عائلتهما الجديدة. يقول آرا إن جدته كانت قليلة الكلام، تتحدث قليلا عما شاهدته وعندما تهم بالبكاء، تتوقف عن الحديث وتذهب للصلاة. ويشير إلى أنه يروي هذه الحكايات لأولاده كي لا ننسى معاناة شعبنا، وكي نتعلم منها العبر. ويؤكد أنه - كبقية الأرمن - لا يحملون المواطنين الأتراك مسؤولية ما حصل، ولا يعتبرون أنه كان إبادة دينية، فلم يقتلونا لأننا مسيحيون ولأنهم مسلمون والدليل أن من أنقذنا دائما كانت العائلات المسلمة في سوريا وتركيا.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».