لماذا يفشل الخطاب السياسي العربي في نزع فتيل الأزمات؟

شعارات بوش الابن أبقته في الحكم لدورتين وشعارات مرسي أخرجته في عامه الأول

مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
TT

لماذا يفشل الخطاب السياسي العربي في نزع فتيل الأزمات؟

مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)

يهيمن على المشهد السياسي في مصر منذ فترة انقسام واضح. ويظهر هذا الانقسام في الخطاب السياسي المصري أيضا. بل لعل أهم ملامح هذا الخطاب، هو الدعوة الجلية للفرقة التي أخذت تميزه بعد اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011. فلماذا لم يفلح الخطاب السياسي في مصر في لم شمل المصريين؟ ولماذا لم يستطع الخطاب الأخير للرئيس المصري المعزول ، محمد مرسي، احتواء الأزمة، وكان، بدلا من ذلك، مثار مزيد من الاحتجاجات عليه، وعلى جماعة الإخوان المسلمين؟ وكان هذا أيضا، ما لاقته خطابات الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، والرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي.

بيد أنا إذا توجهنا شطر الولايات المتحدة الأميركية، وتأملنا - مثلا - الخطاب السياسي للرئيس السابق جورج دبليو بوش، وجدنا أن بوش نجح في كسب أصوات الناخبين داخليا والفوز بالرئاسة مرتين، ثم نجح خارجيا في اكتساب تأييد دول كثيرة في العالم لحملته على أفغانستان، رغم أنها كانت دعوة لشن الحرب، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 ثم الحرب على العراق عام 2003.

بين خطابين

كان من الطبيعي أن تقسم الثورة المصرية المجتمع إلى طائفتين: طائفة النظام المتضعضع بعد نجاح الثورة، وفريق الثوريين الذين خططوا للثورة، وشاركوا فيها. وكان من المفترض أن يوحد بناء الدولة الجديدة، بعد الثورة، طوائف المجتمع. لكن خطة البناء التي اتفق عليها في أعقاب عدد من الإعلانات الدستورية، قسمت المجتمع أكثر. وهكذا، لم يعد في البلاد نظام قديم منهار وثوريون فقط، بل انقسم الثوريون أنفسهم - بعد أول استفتاء أجري عقب الثورة - إلى إسلاميين (يمثل الإخوان المسلمين غالبيتهم، بالإضافة إلى حزب النور السلفي، والأحزاب الإسلامية الأخرى)، وليبراليين يوصفون أحيانا بالعلمانيين، تنضوي تحت مظلتهم الأحزاب الأخرى غير الإسلامية.
ومنذ ذلك الحين، أخذ الخطاب السياسي يعمق الشرخ ويزيد الفرقة بين الإخوان المسلمين والإسلاميين من ناحية، ورجال النظام القديم وبقايا الحزب الوطني، والأحزاب الأخرى، خاصة المدنية منها والليبراليين من ناحية أخرى.
وازداد الخطاب السياسي المفرق حدة في أعقاب الانتخابات الرئاسية، ونجاح محمد مرسي في أواخر يونيو (حزيران) عام 2012، حتى وصلنا إلى المرحلة التي تلت احتجاجات 30 يونيو، وعزل الرئيس مرسي. فتمثل انقسام المجتمع في انقسام العاصمة ذاتها إلى بؤرتين: إسلامية في ميدان رابعة العدوية، وليبرالية مدنية في ميدان التحرير، عدا ميادين القاهرة الأخرى، وميادين المحافظات المختلفة.
ولكن، هل يمكن أن يكون للخطاب السياسي مثل هذا التأثير في المجتمع، أم أن اللغة مرآة لما يجري فيه من انقسام، وليس لها من دور سوى أنها تعكس الأحداث؟

اللغة والسياسة

أن «الخطاب السياسي» لا ينحصر فقط في الخطب السياسية التي يلقيها الزعماء والساسة، بل يتجاوز ذلك إلى ما يستخدمه السياسيون من وسائل التعبير: مثل الشعارات، واللافتات، والهتافات، والمناظرات، والصور التي يعلقونها أو ينشرونها، والزي الذي يلبسونه، والموسيقى والأناشيد التي تصاحب تجمعاتهم.
وتهدف دراسات تحليل الخطاب السياسي، في أغلبها، إلى تفسير العلاقة بين الخطاب وعدد من العوامل المهمة في المجتمع، أهمها السلطة. ويحاول العلماء كشف الأفكار الآيديولوجية التي يهدف السياسي من خلال خطابه، وعبر سلاح اللغة وأدواته المختلفة، إلى إقناع مخاطبيه بها.
كما يسعى اللغويون، من وراء تحليل الخطاب، إلى مراقبة سلوك الجماعة (بالمعنى الاجتماعي للكلمة)، أو الصفوة، وكيفية سيطرتها على اللغة في الخطاب السياسي، أو تعمد استغلالها من أجل الحفاظ على وضع الجماعة في المجتمع، ومراقبة محاولات السياسيين، من خلال المواقف السياسية، إسباغ الشرعية على أنشطتهم، أو مقترحاتهم عن طريق اللغة. وبهذه السيطرة، بواسطة استخدام اللغة، يمكن أن يقود الخطيب جمهوره بطريقة إيجابية، أو أن يضلله، حتى يعتقد بأن مصالح حزب الخطيب الضيقة هي مصالح الشعب بصفة عامة.
وفي تاريخ البشرية نماذج لخطباء مشهورين من الصنفين، نذكر منهم جمال عبد الناصر في مصر، وتشرشل في بريطانيا، وروزفلت في الولايات المتحدة، وهتلر في ألمانيا.
العلاقة بين اللغة والسياسة علاقة قديمة أدركها أرسطو. فقد عرف الفيلسوف اليوناني الإنسان بأنه «كائن ناطق»، إذ إنه الوحيد بين الكائنات الذي يستخدم اللغة في قضاء حوائجه، والتعبير عن أفكاره وعواطفه ومشاعره، والحديث عن تجاربه الماضية وخططه للمستقبل. وأرسطو أيضا هو الذي وصف الإنسان بأنه «كائن سياسي».
ولا غرابة في ذلك، فالسياسة في مجملها، كما يقول بول تشيلتون، الباحث في تحليل الخطاب السياسي: «هي كيفية استخدام اللغة». ويرى تشيلتون أننا يمكن عن طريق اللغة، من خلال المؤسسات السياسية والاجتماعية، أن نعلن الحرب، وأن نحكم على شخص بأنه «مذنب» أو «بريء»، وأن نزيد الضرائب أو نخفضها. ويرى بعض اللغويين الآخرين، إن اللغة مرتبطة بالسياسة ارتباطا وثيقا، وأن أي منطوق لغوي يكشف وراءه دوما انحيازا سياسيا معينا.
نظرية «الإطار الذهني - Frame»
سنركز بحثنا هنا على جانبين مهمين من جوانب الخطاب السياسي، هما جانب «الإطار الذهني»، أو الصور الذهنية، أو المفاهيم التي يطرحها السياسيون لكسب الجماهير، ثم الخطب السياسية التي يلقونها.
وحتى نفهم نظرية الأطر الذهنية، يجب أن ندرك أن الدور الذي تؤديه الكلمات التي نستخدمها كل يوم في حياتنا، لا يقتصر على إرضاء المخاطبين أو إغضابهم، بل إن تلك الكلمات كثيرا ما تثير - إلى جانب ذلك، وربما نتيجة لذلك - في أذهان السامعين عند نطقها، أطرا (أو صورا) ذهنية معينة، وتفرض على المتلقين فهما خاصا ومحددا إزاء الموقف الذي تلفظ فيه، يسعى المتكلم إلى فرضه. ومن هنا فإن أهمية اللغة (أو الكلام)، تكمن فيما تثيره في أذهان المتلقين من أطر وصور ذهنية محددة، وكذلك فيما لا تثيره، أيضا، من أطر وصور ذهنية. ولا يقف الأمر عند حد التصور الذهني، إذ إن الإنسان عادة ما ينتقل من مرحلة الإدراك الذهني إلى مرحلة السلوك النابع من هذا الإدراك، فيسلك سلوكا معينا.
عندما قررت أوروبا الإجهاز على الدولة العثمانية، عقب خسارتها في أكثر من حرب، وتضعضعها المالي وتحكم القوى الأوروبية الكبرى فيها، رفعت شعارا بسيطا تصف به تلك الدولة، بأنها «رجل أوروبا المريض، وكأنها تدعو بطريقة غير مباشرة إلى المساهمة في القضاء على هذا المريض الذي ليس من أمل في شفائه.
وحديث الدول الغربية والولايات المتحدة عن الأسلحة النووية، يتم في إطارين ذهنيين مختلفين تماما بحسب المخاطب. فتلك الأسلحة هي «سلاح ردع » إن كانت في حيازة دولة غربية، لكنها، أي الأسلحة نفسها، تصبح «سلاح دمار شامل إن سعت إلى حيازتها دولة أخرى قد تخالف الغرب في سياساته.
وعندما احتلت إسرائيل فلسطين حرصت في خطابها السياسي على طمس الهوية الفلسطينية. ولما سئلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير عن الفلسطينيين قالت: «ليس هناك شيء اسمه فلسطينيون»، وأطلقت إسرائيل على الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية تعبير «عرب إسرائيل» لمحو هويتهم الفلسطينية والتركيز على أنهم عرب، وأخذت وسائل الإعلام الإسرائيلية تردد هذا التعبير، وتناقلته وسائل الإعلام الغربية وحتى العربية، بل أصبح يتردد الآن على ألسنة بعض الفلسطينيين أنفسهم.

{الحرب على الإرهاب}

عندما أراد جورج بوش الابن - عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 - شن الحرب على أفغانستان، لم يقل سنحارب أفغانستان، أو طالبان، أو «القاعدة»، لكنه رفع شعارا ذكيا يخدم مصالحه، ويكسب به تأييد الجميع حتى المعارضين لفكرة الحرب، هو «الحرب على الإرهاب - War on Terror». فالحرب في الشعار على شيء مجرد هو «الإرهاب»، وبذلك يمكن أن تمتد إلى أي مكان، وأن تطول لأي فترة، بحسب ما تريده الإدارة الأميركية، ولا يستطيع أحد أن يعترض على حرب يواجه الإرهاب فيها.
ولم يختر الشعار «الحرب على الإرهابيين»، لأن الإرهابيين محدودون، ولا يمكن شن الحرب هنا وهناك بذريعة مقاتلة الإرهابيين. وبناء على هذا الشعار شن بوش حربه على العراق أيضا، باعتبارها حربا مشروعة ردا على ما حدث لأميركا في 11 سبتمبر.
لم يكن هذا الشعار من بنات أفكار الرئيس الأميركي نفسه، ولا الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، ولكنه صيغ، فيما أظن، بعد استشارة فرانك لونتز خبير الحزب في اللغة والتواصل والتحليل السياسي.
وكان بوش قد مهد لحملته على أفغانستان في خطاب له أمام الكونغرس الأميركي بمجلسيه في 20 سبتمبر 2001. بعبارته المأثورة التي قسم فيها العالم إلى قسمين قائلا: «إما أن تكون معنا، وإما أن تكون مع الإرهابيين.
وحتى يمهد بوش لحملته على العراق، بدأ في خطاب الاتحاد في يناير 2002. في الإشارة إلى ما سماه «محور الشر» الذي يضم العراق وإيران وكوريا الشمالية. وساند الرئيس الأميركي إطاره الذهني الجديد بالزعم بأن تلك الدول تدعم الإرهاب، مركزا الهجوم على العراق في ذلك الخطاب الذي ألقاه في 29 يناير 2002 ويعود فضل صياغة هذا التعبير إلى ديفيد فرم، الذي كان يكتب خطابات الرئيس آنذاك. وقد نجح الرئيس الأميركي من خلال هاتين العبارتين، في الحالتين، في إقناع الأميركيين وكسب تأييد أكبر عدد منهم للحرب على أفغانستان والعراق. ورغم أن بوش - من ناحية أخرى - قسم العالم إلى معسكرين، بيد أنه وحد الأميركيين وراءه.

تخفيف ألم الضرائب

وكان للونتز الفضل أيضا في الصياغة اللغوية المعبرة عن رغبة الحزب الجمهوري في تخفيض الضرائب، من أجل كسب التأييد الداخلي في حملة بوش الأولى للرئاسة الأميركية. فمن بين مبادئ الحزب تخفيض الضرائب عن رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والشركات، وهذا يناقض سياسة الحزب الديمقراطي الذي يريد زيادة الضرائب على الرأسماليين ورجال الأعمال لتمويل برنامج الرعاية الاجتماعية الذي يؤمن به.
ولو رفعت حملة بوش شعارا يقول هدفنا «تخفيض الضرائب، لفقدت أصوات الديمقراطيين ومعارضي التخفيض. لكن فرانك لونتز نصحهم باستخدام شعار آخر هو، أي تخفيف ألم الضرائب. والصورة الذهنية التي يجلبها هذا الشعار إلى الذهن، هي صورة شخص متألم وأن بوش يريد خلاصه وتخفيف ألمه، فكيف يمكن للمعترضين على سياسة تخفيض الضرائب أن يرفضوا تخليص الناس من الألم.
والمشكلة التي ينبهنا إليها جورج لاكوف أحد أبرز علماء نظرية الإطار الذهني، أن من يرفض إطارا ما فهو يدعمه في ذهن المخاطب من دون أن يدري. ويضرب لاكوف مثلا بما اعتاد أن يقوله لطلابه في بداية محاضراته عند شرح النظرية «لا تستحضروا إلى أذهانكم صورة فيل»، وينتهي الأمر بجميع الطلاب وقد استحضروا من دون إرادة منهم صورة فيل إلى أذهانهم. ويقول لاكوف إنك إن أردت رفض إطار ما عليك أن تطرح إطارا آخر يحل محله، لا أن تنفي الإطار الذهني الذي لا توافق عليه.
إذا انتقلنا من الولايات المتحدة إلى الساحة السياسية في مصر، وجدنا انقساما شديدا مثله، إلى حين فض اعتصام رابعة العدوية، ميدانان: ميدان التحرير، حيث كان يحتشد ممثلو حركة تمرد و30 يونيو، وغيرهما من القوى المدنية التي عارضت استمرار الرئيس السابق محمد مرسي في الحكم، وطالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فرفض ثم انتهى الأمر بعزل الجيش له بعد خروج حشود المحتجين ضده. وميدان رابعة العدوية، حيث اعتصم أنصار مرسي، وأصروا على البقاء حتى عودة الرئيس «الشرعي»، كما كانوا يقولون إلى منصبه.
وقد رفع كل من الميدانين شعاراته الخاصة به. فماذا قال محتشدو ميدان التحرير؟ وأنا هنا أنقل فقط الشعارات التي تمثل جزءا من خطابهم السياسي: «الشعب يريد إسقاط الإخوان»، و«يسقط حكم الإخوان، يسقط حكم المرشد»، و«لا لدولة الإخوان»، و«الجيش لن يكون جناحا عسكريا للإخوان»، و«فين السولار؟ زيادة في الأسعار، النور مقطوع.. هنموت م الجوع، الأمن ما فيش.. ولا لقمة عيش»، و«الشعب يريد تطهير الإعلام»، و«الدين لله والوطن للجميع».
وهنا نلحظ التركيز على:
1 - فصل الإخوان عن المجتمع، وكأنهم ليسوا مصريين، أو ليسوا جزءا من الشعب المصري.
1 - معاناة الشعب في الحصول على حاجاته الضرورية.
1 - فكرة المواطنة.
فخطاب ميدان التحرير إذن خطاب - وإن كان يدعو للفرقة بين أبناء الشعب وفصيل سياسي له أفكار آيديولوجية مختلفة، فهو أيضا ينادي بالمواطنة التي تساوي بين الجميع.
وإذا ذهبنا إلى ميدان رابعة العدوية، سنجد شعارات مختلفة هناك، مثل: «نعم للشرعية رغم أنف العلمانية»، و«الشرعية خط أحمر»، و«لا للعنف نعم للشرعية»، و«مع الشرعية ضد الهمجية»، و«لا للبلطجة السياسية»، و«ارحل يا سيسي مرسي هو رئيسي».
وقد رافق تلك الشعارات، رفع علم تنظيم القاعدة المعروف. كما أدت الصورة التي صاحبت شعار «الشرعية خط أحمر» دورا مهما في الترهيب، فقد رسمت وسط الصورة التي تحمل الشعار كف مضرجة بالدماء عند نهاية طريق، وكأنها تقول قف، وإلا... وتضافرت الخطب الملقاة مع الشعارات المكتوبة في حمل رسالة تهديد.
قال صفوت حجازي: «أقول لهم دماؤنا غالية»، و«نحن أشرف من على هذه الأرض»، و«نقول لولي أمرنا: إن لم تضرب بيد من حديد، فسيكون لنا كلام آخر»، و«الرئيس محمد مرسي اللي يرشه بالميه هنرشه بالدم».
وقال أحد الشيوخ في رابعة العدوية، موجها كلامه لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي: «إنت اللي بتعمل حرب أهلية بين المسلمين وغير المسلمين، والعلمانيين، والشيعة، أنت اللي كتبت شهادة وفاة كل واحد عارض الرئيس مرسي، وعارض شرعية الصندوق».
وهنا نلاحظ أن تركيز الخطاب في ميدان رابعة العدوية كان على:
1 - فكرة الشرعية والتشبث بها، مهما كان الثمن، والتهديد بالدم في سبيلها.
2 - فصل الجماعة عن بقية المصريين، والشعور بالاستعلاء بين قادة المحتشدين على من يخالفونهم، ووصم المخالفين بأنهم «علمانيون»، وهذا يعني في أوساط الإسلاميين، بصفة عامة: «ملحدين».
3 - الهجوم على وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، باعتباره ممثلا للجيش المصري.
وأود هنا أن أقول إن ملمح الفرقة في الخطاب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، يرجع إلى فترة نشأة الجماعة، فاسم الجماعة ذاته: «الإخوان المسلمون»، فيه إيحاء بأنهم هم الفصيل الوحيد المسلم. كما أن شعارهم الذي رفعوه غير مرة خلال الانتخابات، وهو «الإسلام هو الحل» شعار فيه مصادرة على أفكار الآخرين من غير المسلمين، ويتسم بالتعميم، ولا يهدف إلا إلى كسب تأييد عامة الناس الميالين للدين بطبيعتهم.
وكان حزب الحرية والعدالة، قد أعلن في أواخر 2011، عن تخليه عن رفع هذا الشعار في الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، واستبدل به شعار «نحمل الخير لمصر»، لكنه لم يف بالوعد، وأعاد رفع شعار «الإسلام هو الحل» لما له من تأثير شعبي ديماغوغي.

الرئيس الواعظ

اختيار اسم للجماعة فيه استخدام لكلمة الإسلام، ورفعها شعارات دينية، ليس غريبا على جماعة دينية عرفت في أول عهدها باعتبارها جماعة دعوية. أما أن يستخدم الجناح السياسي للجماعة، حزب الحرية والعدالة، الدين وشعارات دينية إسلامية في حملة انتخابية، فهذا أمر قد يفضي إلى مصادرة آراء الآخرين من غير المسلمين، وحتى من المسلمين الذين لا ينتمون إلى جماعة الإخوان أو إلى حزبهم، وقد يؤدي إلى إقصاء الآخر.
وقريب من هذا النهج، جاء الخطاب السياسي للرئيس السابق محمد مرسي، الذي قدمه في شخصية واعظ ديني، ربما لكسب مشاعر المسلمين البسطاء. ظهر ذلك في أول خطاب ألقاه في يونيو 2012، وآخر خطاب ألقاه في يونيو 2013. إذ يبدأ دوما كما يبدأ شيوخ الواعظين خطبهم بالبسملة، والصلاة والتسليم على الرسول الكريم، ثم يتبع ذلك آية قرآنية.
ويعد تقمص شخصيات دينية أو تاريخية، واستخدام اقتباسات من الكتب الدينية، أو من أقوال شخصيات تاريخية مشهورة، وسيلة معروفة في الخطاب السياسي. فقد كان الرئيس المصري السابق أنور السادات، يستخدم أيضا تلك الوسيلة، حتى أطلق عليه وصف «الرئيس المؤمن».
لكن خطاب مرسي السياسي غرق في ذلك أكثر من غيره. ففي خطابه الأول عندما أعلنت نتائج الانتخابات، استحضر شخصية أبو بكر الصديق، ونقل عنه «وأما عن نفسي فإنني ليس لي حقوق، وإنما علي واجبات، فأعينوني أهلي وعشيرتي ما أقمت العدل والحق فيكم، أعينوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته ولم ألتزم بما تعهدت لكم به، فلا طاعة لي عليكم».
وفي نهاية الخطاب، تعهد مرسي للمصريين مستخدما فكرة خيانة الله ومعصيته، وليس الوطن، فقال: «وأردد مؤكدا.. ما أعلنته من قبل، أنني لن أخون الله فيكم ولن أعصيه في وطني، وأضع نصب عيني قول الله سبحانه وتعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)».

العاطفة وإطار الأبوة

الملمح الثاني في خطاب مرسي السياسي هو «العاطفة»، إذ تتكرر لديه كلمات الحب «كل التحية لشعب مصر العظيم وجيش مصر.. والقوات المسلحة بكل أبنائها أينما وجدوا تحية خالصة من قلبي لهم، وحب لا يعلمه في قلبي إلا الله سبحانه وتعالى، وأنا أحب هؤلاء وأقدر دورهم وأحرص على تقويتهم والحفاظ عليهم وعلى المؤسسة العريقة التي نحبها ونقدرها جميعا».. و«الأحباب»: «ولكنني متأكد أننا بتوفيق الله ثم بتعاوننا وبدعمكم أيها الأحباب سنتمكن من عبور هذه المرحلة».
ومن هذا الباب تكراره لتعبيرات «أهلي وعشيرتي»، و«الأهل والعشيرة والأحبة» التي رددها غير مرة في خطابه الأول، ثم استخدام تعبير «أولادي» في خطابيه الأول والأخير في إشارة إلى الشباب.
استحضار إطار الأب الذهني وصورة الوالد - تصويرا للرئيس - وصورة الأبناء أو الأولاد أو حتى الإخوة - تصويرا للشباب أو بعض أفراد الشعب - يستدعي بالضرورة بقية مقتضيات الصورة الذهنية، من وجوب احترام الوالد وطاعته، وإطلاق يده في القرار باعتباره رب العائلة. فالعلاقة بين رئيس الدولة والشباب هنا هي علاقة الأب بالأبناء، وليست علاقة رئيس منتخب كلف بمسؤولية القيادة، وعليه واجبات وله حقوق، بمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات أيضا.

غياب المواطنة

يفضي بنا هذا، إلى ملمح ثالث في الخطاب السياسي لمرسي هو غياب فكرة المواطنة. فمرسي لا يبدأ خطابه بمخاطبة المواطنين، كما كان يفعل الرئيس السابق جمال عبد الناصر، لكنه يوجه خطابه لـ«شعب مصر العظيم». وغاب عن خطابه ذكر من لم يؤيدوه. ففي خطابه الأول توجه بالحديث إلى «شعب مصر العظيم»، ثم شكر «الأهل والعشيرة» في محافظات مصر جلها تقريبا، وعدد أبناء المهن والحرف على اختلافها، وقال: «أتوجه إليكم جميعا في هذا اليوم المشهود الذي أصبحت فيه بعد فضل الله بإرادتكم رئيسا لكل المصريين وسأكون لكل المصريين على مسافة واحدة»، من دون أن يذكر من لم ينتخبوه، وكان عددهم كبيرا. وهو يخالف في ذلك خطاب السادات حينما قال عقب استفتاء شعبي: «سأكون مع الذين قالوا نعم والذين قالوا لا».
وغاب عن الخطاب السياسي لمرسي أيضا، الحديث المفصل عن المشاكل التي يواجهها الشعب فعلا، مثل شح الوقود، وارتفاع الأسعار، وانقطاع التيار الكهربائي. وهو إن تحدث عنها فقد أشار إليها سريعا، محملا النظام القديم مسؤوليتها.

الشرعية بالتهديد

ورغم مطالبة حركة «تمرد» و«30 يونيو» بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لم يتعرض مرسي في خطابه الأخير، الذي ألقاه بعد مهلة الجيش، لهذا المطلب. بل ركز الخطاب كله على فكرة الشرعية وتمسكه بها مهما كان الثمن، وقال: «فإذا كان الحفاظ على الشرعية ثمنه دمي أنا، فأنا مستعد أن أدفع ذلك الثمن، حسبة لله تعالى».
وكرر مرسي ذكر الدم والدماء غير مرة، واستخدم أسلوب النهي وكأنه يحث على نقيض ما ينهى عنه، فقال متحدثا عن الجيش: «لا أريدكم أن تقعوا في هذا المطب، فلا تسيئوا للجيش وحافظوا على الجيش معي». ونهيه هنا قد دعم - بطريقة غير مباشرة، وربما دون أن يدري - الصورة الذهنية للإساءة إلى الجيش.
في أميركا نجح الرئيس السابق، جورج بوش الابن، في كسب تأييد الأميركيين لبرنامجه ففاز مرتين، لأنه استعان بمستشارين يتقنون عرض القضايا بطريقة مقنعة للمخاطب، وإن بنيت على خداع لغوي. ونجح في كسب مساندة الدول الأخرى لحربه على أفغانستان والعراق، لأنه مهد لها بطرح أطر ذهنية تفرض على المتلقي خيارا قد لا يستطيع الفكاك منه، وهو اتباع مسار بوش.

* باحث أكاديمي – متخصص في الدراسات اللغوية
- جامعة برمنغهام



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.