لماذا يفشل الخطاب السياسي العربي في نزع فتيل الأزمات؟

شعارات بوش الابن أبقته في الحكم لدورتين وشعارات مرسي أخرجته في عامه الأول

مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
TT

لماذا يفشل الخطاب السياسي العربي في نزع فتيل الأزمات؟

مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)
مؤيدون للرئيس المعزول محمد مرسي يرفعون شعارات بينها «نعم للشرعية» و«مرسي رئيسي» (أ.ب)

يهيمن على المشهد السياسي في مصر منذ فترة انقسام واضح. ويظهر هذا الانقسام في الخطاب السياسي المصري أيضا. بل لعل أهم ملامح هذا الخطاب، هو الدعوة الجلية للفرقة التي أخذت تميزه بعد اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011. فلماذا لم يفلح الخطاب السياسي في مصر في لم شمل المصريين؟ ولماذا لم يستطع الخطاب الأخير للرئيس المصري المعزول ، محمد مرسي، احتواء الأزمة، وكان، بدلا من ذلك، مثار مزيد من الاحتجاجات عليه، وعلى جماعة الإخوان المسلمين؟ وكان هذا أيضا، ما لاقته خطابات الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، والرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي.

بيد أنا إذا توجهنا شطر الولايات المتحدة الأميركية، وتأملنا - مثلا - الخطاب السياسي للرئيس السابق جورج دبليو بوش، وجدنا أن بوش نجح في كسب أصوات الناخبين داخليا والفوز بالرئاسة مرتين، ثم نجح خارجيا في اكتساب تأييد دول كثيرة في العالم لحملته على أفغانستان، رغم أنها كانت دعوة لشن الحرب، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 ثم الحرب على العراق عام 2003.

بين خطابين

كان من الطبيعي أن تقسم الثورة المصرية المجتمع إلى طائفتين: طائفة النظام المتضعضع بعد نجاح الثورة، وفريق الثوريين الذين خططوا للثورة، وشاركوا فيها. وكان من المفترض أن يوحد بناء الدولة الجديدة، بعد الثورة، طوائف المجتمع. لكن خطة البناء التي اتفق عليها في أعقاب عدد من الإعلانات الدستورية، قسمت المجتمع أكثر. وهكذا، لم يعد في البلاد نظام قديم منهار وثوريون فقط، بل انقسم الثوريون أنفسهم - بعد أول استفتاء أجري عقب الثورة - إلى إسلاميين (يمثل الإخوان المسلمين غالبيتهم، بالإضافة إلى حزب النور السلفي، والأحزاب الإسلامية الأخرى)، وليبراليين يوصفون أحيانا بالعلمانيين، تنضوي تحت مظلتهم الأحزاب الأخرى غير الإسلامية.
ومنذ ذلك الحين، أخذ الخطاب السياسي يعمق الشرخ ويزيد الفرقة بين الإخوان المسلمين والإسلاميين من ناحية، ورجال النظام القديم وبقايا الحزب الوطني، والأحزاب الأخرى، خاصة المدنية منها والليبراليين من ناحية أخرى.
وازداد الخطاب السياسي المفرق حدة في أعقاب الانتخابات الرئاسية، ونجاح محمد مرسي في أواخر يونيو (حزيران) عام 2012، حتى وصلنا إلى المرحلة التي تلت احتجاجات 30 يونيو، وعزل الرئيس مرسي. فتمثل انقسام المجتمع في انقسام العاصمة ذاتها إلى بؤرتين: إسلامية في ميدان رابعة العدوية، وليبرالية مدنية في ميدان التحرير، عدا ميادين القاهرة الأخرى، وميادين المحافظات المختلفة.
ولكن، هل يمكن أن يكون للخطاب السياسي مثل هذا التأثير في المجتمع، أم أن اللغة مرآة لما يجري فيه من انقسام، وليس لها من دور سوى أنها تعكس الأحداث؟

اللغة والسياسة

أن «الخطاب السياسي» لا ينحصر فقط في الخطب السياسية التي يلقيها الزعماء والساسة، بل يتجاوز ذلك إلى ما يستخدمه السياسيون من وسائل التعبير: مثل الشعارات، واللافتات، والهتافات، والمناظرات، والصور التي يعلقونها أو ينشرونها، والزي الذي يلبسونه، والموسيقى والأناشيد التي تصاحب تجمعاتهم.
وتهدف دراسات تحليل الخطاب السياسي، في أغلبها، إلى تفسير العلاقة بين الخطاب وعدد من العوامل المهمة في المجتمع، أهمها السلطة. ويحاول العلماء كشف الأفكار الآيديولوجية التي يهدف السياسي من خلال خطابه، وعبر سلاح اللغة وأدواته المختلفة، إلى إقناع مخاطبيه بها.
كما يسعى اللغويون، من وراء تحليل الخطاب، إلى مراقبة سلوك الجماعة (بالمعنى الاجتماعي للكلمة)، أو الصفوة، وكيفية سيطرتها على اللغة في الخطاب السياسي، أو تعمد استغلالها من أجل الحفاظ على وضع الجماعة في المجتمع، ومراقبة محاولات السياسيين، من خلال المواقف السياسية، إسباغ الشرعية على أنشطتهم، أو مقترحاتهم عن طريق اللغة. وبهذه السيطرة، بواسطة استخدام اللغة، يمكن أن يقود الخطيب جمهوره بطريقة إيجابية، أو أن يضلله، حتى يعتقد بأن مصالح حزب الخطيب الضيقة هي مصالح الشعب بصفة عامة.
وفي تاريخ البشرية نماذج لخطباء مشهورين من الصنفين، نذكر منهم جمال عبد الناصر في مصر، وتشرشل في بريطانيا، وروزفلت في الولايات المتحدة، وهتلر في ألمانيا.
العلاقة بين اللغة والسياسة علاقة قديمة أدركها أرسطو. فقد عرف الفيلسوف اليوناني الإنسان بأنه «كائن ناطق»، إذ إنه الوحيد بين الكائنات الذي يستخدم اللغة في قضاء حوائجه، والتعبير عن أفكاره وعواطفه ومشاعره، والحديث عن تجاربه الماضية وخططه للمستقبل. وأرسطو أيضا هو الذي وصف الإنسان بأنه «كائن سياسي».
ولا غرابة في ذلك، فالسياسة في مجملها، كما يقول بول تشيلتون، الباحث في تحليل الخطاب السياسي: «هي كيفية استخدام اللغة». ويرى تشيلتون أننا يمكن عن طريق اللغة، من خلال المؤسسات السياسية والاجتماعية، أن نعلن الحرب، وأن نحكم على شخص بأنه «مذنب» أو «بريء»، وأن نزيد الضرائب أو نخفضها. ويرى بعض اللغويين الآخرين، إن اللغة مرتبطة بالسياسة ارتباطا وثيقا، وأن أي منطوق لغوي يكشف وراءه دوما انحيازا سياسيا معينا.
نظرية «الإطار الذهني - Frame»
سنركز بحثنا هنا على جانبين مهمين من جوانب الخطاب السياسي، هما جانب «الإطار الذهني»، أو الصور الذهنية، أو المفاهيم التي يطرحها السياسيون لكسب الجماهير، ثم الخطب السياسية التي يلقونها.
وحتى نفهم نظرية الأطر الذهنية، يجب أن ندرك أن الدور الذي تؤديه الكلمات التي نستخدمها كل يوم في حياتنا، لا يقتصر على إرضاء المخاطبين أو إغضابهم، بل إن تلك الكلمات كثيرا ما تثير - إلى جانب ذلك، وربما نتيجة لذلك - في أذهان السامعين عند نطقها، أطرا (أو صورا) ذهنية معينة، وتفرض على المتلقين فهما خاصا ومحددا إزاء الموقف الذي تلفظ فيه، يسعى المتكلم إلى فرضه. ومن هنا فإن أهمية اللغة (أو الكلام)، تكمن فيما تثيره في أذهان المتلقين من أطر وصور ذهنية محددة، وكذلك فيما لا تثيره، أيضا، من أطر وصور ذهنية. ولا يقف الأمر عند حد التصور الذهني، إذ إن الإنسان عادة ما ينتقل من مرحلة الإدراك الذهني إلى مرحلة السلوك النابع من هذا الإدراك، فيسلك سلوكا معينا.
عندما قررت أوروبا الإجهاز على الدولة العثمانية، عقب خسارتها في أكثر من حرب، وتضعضعها المالي وتحكم القوى الأوروبية الكبرى فيها، رفعت شعارا بسيطا تصف به تلك الدولة، بأنها «رجل أوروبا المريض، وكأنها تدعو بطريقة غير مباشرة إلى المساهمة في القضاء على هذا المريض الذي ليس من أمل في شفائه.
وحديث الدول الغربية والولايات المتحدة عن الأسلحة النووية، يتم في إطارين ذهنيين مختلفين تماما بحسب المخاطب. فتلك الأسلحة هي «سلاح ردع » إن كانت في حيازة دولة غربية، لكنها، أي الأسلحة نفسها، تصبح «سلاح دمار شامل إن سعت إلى حيازتها دولة أخرى قد تخالف الغرب في سياساته.
وعندما احتلت إسرائيل فلسطين حرصت في خطابها السياسي على طمس الهوية الفلسطينية. ولما سئلت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير عن الفلسطينيين قالت: «ليس هناك شيء اسمه فلسطينيون»، وأطلقت إسرائيل على الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية تعبير «عرب إسرائيل» لمحو هويتهم الفلسطينية والتركيز على أنهم عرب، وأخذت وسائل الإعلام الإسرائيلية تردد هذا التعبير، وتناقلته وسائل الإعلام الغربية وحتى العربية، بل أصبح يتردد الآن على ألسنة بعض الفلسطينيين أنفسهم.

{الحرب على الإرهاب}

عندما أراد جورج بوش الابن - عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 - شن الحرب على أفغانستان، لم يقل سنحارب أفغانستان، أو طالبان، أو «القاعدة»، لكنه رفع شعارا ذكيا يخدم مصالحه، ويكسب به تأييد الجميع حتى المعارضين لفكرة الحرب، هو «الحرب على الإرهاب - War on Terror». فالحرب في الشعار على شيء مجرد هو «الإرهاب»، وبذلك يمكن أن تمتد إلى أي مكان، وأن تطول لأي فترة، بحسب ما تريده الإدارة الأميركية، ولا يستطيع أحد أن يعترض على حرب يواجه الإرهاب فيها.
ولم يختر الشعار «الحرب على الإرهابيين»، لأن الإرهابيين محدودون، ولا يمكن شن الحرب هنا وهناك بذريعة مقاتلة الإرهابيين. وبناء على هذا الشعار شن بوش حربه على العراق أيضا، باعتبارها حربا مشروعة ردا على ما حدث لأميركا في 11 سبتمبر.
لم يكن هذا الشعار من بنات أفكار الرئيس الأميركي نفسه، ولا الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، ولكنه صيغ، فيما أظن، بعد استشارة فرانك لونتز خبير الحزب في اللغة والتواصل والتحليل السياسي.
وكان بوش قد مهد لحملته على أفغانستان في خطاب له أمام الكونغرس الأميركي بمجلسيه في 20 سبتمبر 2001. بعبارته المأثورة التي قسم فيها العالم إلى قسمين قائلا: «إما أن تكون معنا، وإما أن تكون مع الإرهابيين.
وحتى يمهد بوش لحملته على العراق، بدأ في خطاب الاتحاد في يناير 2002. في الإشارة إلى ما سماه «محور الشر» الذي يضم العراق وإيران وكوريا الشمالية. وساند الرئيس الأميركي إطاره الذهني الجديد بالزعم بأن تلك الدول تدعم الإرهاب، مركزا الهجوم على العراق في ذلك الخطاب الذي ألقاه في 29 يناير 2002 ويعود فضل صياغة هذا التعبير إلى ديفيد فرم، الذي كان يكتب خطابات الرئيس آنذاك. وقد نجح الرئيس الأميركي من خلال هاتين العبارتين، في الحالتين، في إقناع الأميركيين وكسب تأييد أكبر عدد منهم للحرب على أفغانستان والعراق. ورغم أن بوش - من ناحية أخرى - قسم العالم إلى معسكرين، بيد أنه وحد الأميركيين وراءه.

تخفيف ألم الضرائب

وكان للونتز الفضل أيضا في الصياغة اللغوية المعبرة عن رغبة الحزب الجمهوري في تخفيض الضرائب، من أجل كسب التأييد الداخلي في حملة بوش الأولى للرئاسة الأميركية. فمن بين مبادئ الحزب تخفيض الضرائب عن رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والشركات، وهذا يناقض سياسة الحزب الديمقراطي الذي يريد زيادة الضرائب على الرأسماليين ورجال الأعمال لتمويل برنامج الرعاية الاجتماعية الذي يؤمن به.
ولو رفعت حملة بوش شعارا يقول هدفنا «تخفيض الضرائب، لفقدت أصوات الديمقراطيين ومعارضي التخفيض. لكن فرانك لونتز نصحهم باستخدام شعار آخر هو، أي تخفيف ألم الضرائب. والصورة الذهنية التي يجلبها هذا الشعار إلى الذهن، هي صورة شخص متألم وأن بوش يريد خلاصه وتخفيف ألمه، فكيف يمكن للمعترضين على سياسة تخفيض الضرائب أن يرفضوا تخليص الناس من الألم.
والمشكلة التي ينبهنا إليها جورج لاكوف أحد أبرز علماء نظرية الإطار الذهني، أن من يرفض إطارا ما فهو يدعمه في ذهن المخاطب من دون أن يدري. ويضرب لاكوف مثلا بما اعتاد أن يقوله لطلابه في بداية محاضراته عند شرح النظرية «لا تستحضروا إلى أذهانكم صورة فيل»، وينتهي الأمر بجميع الطلاب وقد استحضروا من دون إرادة منهم صورة فيل إلى أذهانهم. ويقول لاكوف إنك إن أردت رفض إطار ما عليك أن تطرح إطارا آخر يحل محله، لا أن تنفي الإطار الذهني الذي لا توافق عليه.
إذا انتقلنا من الولايات المتحدة إلى الساحة السياسية في مصر، وجدنا انقساما شديدا مثله، إلى حين فض اعتصام رابعة العدوية، ميدانان: ميدان التحرير، حيث كان يحتشد ممثلو حركة تمرد و30 يونيو، وغيرهما من القوى المدنية التي عارضت استمرار الرئيس السابق محمد مرسي في الحكم، وطالبته بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فرفض ثم انتهى الأمر بعزل الجيش له بعد خروج حشود المحتجين ضده. وميدان رابعة العدوية، حيث اعتصم أنصار مرسي، وأصروا على البقاء حتى عودة الرئيس «الشرعي»، كما كانوا يقولون إلى منصبه.
وقد رفع كل من الميدانين شعاراته الخاصة به. فماذا قال محتشدو ميدان التحرير؟ وأنا هنا أنقل فقط الشعارات التي تمثل جزءا من خطابهم السياسي: «الشعب يريد إسقاط الإخوان»، و«يسقط حكم الإخوان، يسقط حكم المرشد»، و«لا لدولة الإخوان»، و«الجيش لن يكون جناحا عسكريا للإخوان»، و«فين السولار؟ زيادة في الأسعار، النور مقطوع.. هنموت م الجوع، الأمن ما فيش.. ولا لقمة عيش»، و«الشعب يريد تطهير الإعلام»، و«الدين لله والوطن للجميع».
وهنا نلحظ التركيز على:
1 - فصل الإخوان عن المجتمع، وكأنهم ليسوا مصريين، أو ليسوا جزءا من الشعب المصري.
1 - معاناة الشعب في الحصول على حاجاته الضرورية.
1 - فكرة المواطنة.
فخطاب ميدان التحرير إذن خطاب - وإن كان يدعو للفرقة بين أبناء الشعب وفصيل سياسي له أفكار آيديولوجية مختلفة، فهو أيضا ينادي بالمواطنة التي تساوي بين الجميع.
وإذا ذهبنا إلى ميدان رابعة العدوية، سنجد شعارات مختلفة هناك، مثل: «نعم للشرعية رغم أنف العلمانية»، و«الشرعية خط أحمر»، و«لا للعنف نعم للشرعية»، و«مع الشرعية ضد الهمجية»، و«لا للبلطجة السياسية»، و«ارحل يا سيسي مرسي هو رئيسي».
وقد رافق تلك الشعارات، رفع علم تنظيم القاعدة المعروف. كما أدت الصورة التي صاحبت شعار «الشرعية خط أحمر» دورا مهما في الترهيب، فقد رسمت وسط الصورة التي تحمل الشعار كف مضرجة بالدماء عند نهاية طريق، وكأنها تقول قف، وإلا... وتضافرت الخطب الملقاة مع الشعارات المكتوبة في حمل رسالة تهديد.
قال صفوت حجازي: «أقول لهم دماؤنا غالية»، و«نحن أشرف من على هذه الأرض»، و«نقول لولي أمرنا: إن لم تضرب بيد من حديد، فسيكون لنا كلام آخر»، و«الرئيس محمد مرسي اللي يرشه بالميه هنرشه بالدم».
وقال أحد الشيوخ في رابعة العدوية، موجها كلامه لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي: «إنت اللي بتعمل حرب أهلية بين المسلمين وغير المسلمين، والعلمانيين، والشيعة، أنت اللي كتبت شهادة وفاة كل واحد عارض الرئيس مرسي، وعارض شرعية الصندوق».
وهنا نلاحظ أن تركيز الخطاب في ميدان رابعة العدوية كان على:
1 - فكرة الشرعية والتشبث بها، مهما كان الثمن، والتهديد بالدم في سبيلها.
2 - فصل الجماعة عن بقية المصريين، والشعور بالاستعلاء بين قادة المحتشدين على من يخالفونهم، ووصم المخالفين بأنهم «علمانيون»، وهذا يعني في أوساط الإسلاميين، بصفة عامة: «ملحدين».
3 - الهجوم على وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، باعتباره ممثلا للجيش المصري.
وأود هنا أن أقول إن ملمح الفرقة في الخطاب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، يرجع إلى فترة نشأة الجماعة، فاسم الجماعة ذاته: «الإخوان المسلمون»، فيه إيحاء بأنهم هم الفصيل الوحيد المسلم. كما أن شعارهم الذي رفعوه غير مرة خلال الانتخابات، وهو «الإسلام هو الحل» شعار فيه مصادرة على أفكار الآخرين من غير المسلمين، ويتسم بالتعميم، ولا يهدف إلا إلى كسب تأييد عامة الناس الميالين للدين بطبيعتهم.
وكان حزب الحرية والعدالة، قد أعلن في أواخر 2011، عن تخليه عن رفع هذا الشعار في الانتخابات البرلمانية التي جرت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، واستبدل به شعار «نحمل الخير لمصر»، لكنه لم يف بالوعد، وأعاد رفع شعار «الإسلام هو الحل» لما له من تأثير شعبي ديماغوغي.

الرئيس الواعظ

اختيار اسم للجماعة فيه استخدام لكلمة الإسلام، ورفعها شعارات دينية، ليس غريبا على جماعة دينية عرفت في أول عهدها باعتبارها جماعة دعوية. أما أن يستخدم الجناح السياسي للجماعة، حزب الحرية والعدالة، الدين وشعارات دينية إسلامية في حملة انتخابية، فهذا أمر قد يفضي إلى مصادرة آراء الآخرين من غير المسلمين، وحتى من المسلمين الذين لا ينتمون إلى جماعة الإخوان أو إلى حزبهم، وقد يؤدي إلى إقصاء الآخر.
وقريب من هذا النهج، جاء الخطاب السياسي للرئيس السابق محمد مرسي، الذي قدمه في شخصية واعظ ديني، ربما لكسب مشاعر المسلمين البسطاء. ظهر ذلك في أول خطاب ألقاه في يونيو 2012، وآخر خطاب ألقاه في يونيو 2013. إذ يبدأ دوما كما يبدأ شيوخ الواعظين خطبهم بالبسملة، والصلاة والتسليم على الرسول الكريم، ثم يتبع ذلك آية قرآنية.
ويعد تقمص شخصيات دينية أو تاريخية، واستخدام اقتباسات من الكتب الدينية، أو من أقوال شخصيات تاريخية مشهورة، وسيلة معروفة في الخطاب السياسي. فقد كان الرئيس المصري السابق أنور السادات، يستخدم أيضا تلك الوسيلة، حتى أطلق عليه وصف «الرئيس المؤمن».
لكن خطاب مرسي السياسي غرق في ذلك أكثر من غيره. ففي خطابه الأول عندما أعلنت نتائج الانتخابات، استحضر شخصية أبو بكر الصديق، ونقل عنه «وأما عن نفسي فإنني ليس لي حقوق، وإنما علي واجبات، فأعينوني أهلي وعشيرتي ما أقمت العدل والحق فيكم، أعينوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته ولم ألتزم بما تعهدت لكم به، فلا طاعة لي عليكم».
وفي نهاية الخطاب، تعهد مرسي للمصريين مستخدما فكرة خيانة الله ومعصيته، وليس الوطن، فقال: «وأردد مؤكدا.. ما أعلنته من قبل، أنني لن أخون الله فيكم ولن أعصيه في وطني، وأضع نصب عيني قول الله سبحانه وتعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)».

العاطفة وإطار الأبوة

الملمح الثاني في خطاب مرسي السياسي هو «العاطفة»، إذ تتكرر لديه كلمات الحب «كل التحية لشعب مصر العظيم وجيش مصر.. والقوات المسلحة بكل أبنائها أينما وجدوا تحية خالصة من قلبي لهم، وحب لا يعلمه في قلبي إلا الله سبحانه وتعالى، وأنا أحب هؤلاء وأقدر دورهم وأحرص على تقويتهم والحفاظ عليهم وعلى المؤسسة العريقة التي نحبها ونقدرها جميعا».. و«الأحباب»: «ولكنني متأكد أننا بتوفيق الله ثم بتعاوننا وبدعمكم أيها الأحباب سنتمكن من عبور هذه المرحلة».
ومن هذا الباب تكراره لتعبيرات «أهلي وعشيرتي»، و«الأهل والعشيرة والأحبة» التي رددها غير مرة في خطابه الأول، ثم استخدام تعبير «أولادي» في خطابيه الأول والأخير في إشارة إلى الشباب.
استحضار إطار الأب الذهني وصورة الوالد - تصويرا للرئيس - وصورة الأبناء أو الأولاد أو حتى الإخوة - تصويرا للشباب أو بعض أفراد الشعب - يستدعي بالضرورة بقية مقتضيات الصورة الذهنية، من وجوب احترام الوالد وطاعته، وإطلاق يده في القرار باعتباره رب العائلة. فالعلاقة بين رئيس الدولة والشباب هنا هي علاقة الأب بالأبناء، وليست علاقة رئيس منتخب كلف بمسؤولية القيادة، وعليه واجبات وله حقوق، بمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات أيضا.

غياب المواطنة

يفضي بنا هذا، إلى ملمح ثالث في الخطاب السياسي لمرسي هو غياب فكرة المواطنة. فمرسي لا يبدأ خطابه بمخاطبة المواطنين، كما كان يفعل الرئيس السابق جمال عبد الناصر، لكنه يوجه خطابه لـ«شعب مصر العظيم». وغاب عن خطابه ذكر من لم يؤيدوه. ففي خطابه الأول توجه بالحديث إلى «شعب مصر العظيم»، ثم شكر «الأهل والعشيرة» في محافظات مصر جلها تقريبا، وعدد أبناء المهن والحرف على اختلافها، وقال: «أتوجه إليكم جميعا في هذا اليوم المشهود الذي أصبحت فيه بعد فضل الله بإرادتكم رئيسا لكل المصريين وسأكون لكل المصريين على مسافة واحدة»، من دون أن يذكر من لم ينتخبوه، وكان عددهم كبيرا. وهو يخالف في ذلك خطاب السادات حينما قال عقب استفتاء شعبي: «سأكون مع الذين قالوا نعم والذين قالوا لا».
وغاب عن الخطاب السياسي لمرسي أيضا، الحديث المفصل عن المشاكل التي يواجهها الشعب فعلا، مثل شح الوقود، وارتفاع الأسعار، وانقطاع التيار الكهربائي. وهو إن تحدث عنها فقد أشار إليها سريعا، محملا النظام القديم مسؤوليتها.

الشرعية بالتهديد

ورغم مطالبة حركة «تمرد» و«30 يونيو» بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، لم يتعرض مرسي في خطابه الأخير، الذي ألقاه بعد مهلة الجيش، لهذا المطلب. بل ركز الخطاب كله على فكرة الشرعية وتمسكه بها مهما كان الثمن، وقال: «فإذا كان الحفاظ على الشرعية ثمنه دمي أنا، فأنا مستعد أن أدفع ذلك الثمن، حسبة لله تعالى».
وكرر مرسي ذكر الدم والدماء غير مرة، واستخدم أسلوب النهي وكأنه يحث على نقيض ما ينهى عنه، فقال متحدثا عن الجيش: «لا أريدكم أن تقعوا في هذا المطب، فلا تسيئوا للجيش وحافظوا على الجيش معي». ونهيه هنا قد دعم - بطريقة غير مباشرة، وربما دون أن يدري - الصورة الذهنية للإساءة إلى الجيش.
في أميركا نجح الرئيس السابق، جورج بوش الابن، في كسب تأييد الأميركيين لبرنامجه ففاز مرتين، لأنه استعان بمستشارين يتقنون عرض القضايا بطريقة مقنعة للمخاطب، وإن بنيت على خداع لغوي. ونجح في كسب مساندة الدول الأخرى لحربه على أفغانستان والعراق، لأنه مهد لها بطرح أطر ذهنية تفرض على المتلقي خيارا قد لا يستطيع الفكاك منه، وهو اتباع مسار بوش.

* باحث أكاديمي – متخصص في الدراسات اللغوية
- جامعة برمنغهام



مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.