الوجه الغامض والتوق إلى الخلاص في أفلام بول شرادر

أعلن أن فيلمه الأخير أفضل أفلام العام

TT

الوجه الغامض والتوق إلى الخلاص في أفلام بول شرادر

لم يتوقف كثيرون عند تصريح المخرج بول شرادر قبل أقل من شهر عندما قال إن فيلمه الأخير «عدّاد ورق اللعب» (The Card Counter) هو أفضل فيلم هذا العام.
لم يعلّق على كلامه أحد ولم يرد عليه أحد أو يوافقه (حسبما تابعنا) أحد أيضاً. ربما مرت كلمته تلك من تحت الرادار أو ربما عُدّت من باب الرغبة الذاتية في إعلاء الشأن خصوصاً أن الفيلم انتقل من مهرجان فنيسيا (حيث شهد عرضه العالمي الأول) إلى عدد محدود من صالات السينما الأميركية بقليل من الاهتمام الإعلامي.
لم يسعف الفيلم أن معظم النقاد في الصحف والمواقع المحترمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا أحبوا الفيلم وأشادوا به. في إيطاليا مُنح الفيلم كذلك درجات عليا من الإشادة خلال أيام المهرجان. في غير مكان لم يختلف الوضع كثيراً. الفيلم من القوّة بحيث لا يمكن تجاهله.
يتمتع «عداد ورق اللعب» بكتابة بديعة وموحية كافية لاتخاذها دروساً للهواة والمحترفين. يتميّز بإخراج ملمٍّ بكل ما تستطيع الصورة ضمّه في كادراتها من قوة التشكيل وقوّة المضمون. في الواقع، هو أفضل شأناً -وعلى أرضية فنية وتقنية محضة- من «قوّة الكلب» الذي نال أضعاف أضعاف ما حققه «ذا كارد كاونتر» من حجم اهتمامٍ وانتشارٍ وجوائز.
على ذلك، لعل الحق على النقاد. معظم من كتب إيجابياً عن الفيلم كتب عنه كفيلم جيّد، بينما هو في الواقع، ليس فيلماً جيداً فحسب بل فيلم مهم جدّاً أيضاً. بالنسبة للنقاد العرب فإن معظمهم يشاهد من 10 إلى 15% فقط من الأفلام الجديدة وذلك بناءً على أسماء مخرجين حفظوها منذ زمن: مارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ وترنس مالك وحفنة من غير الأميركيين إذا استطاعوا الوصول إليها. بول شرادر توقف اهتمام البعض به عند حقيقة أنه كتب سيناريو فيلم «تاكسي درايفر». أبعد من ذلك؟ مستحيل.
متاعب شخصية
لا يخفى أن شخصيات بول شرادر محمّلة بالهموم والمعاناة. منذ أن وضع سيناريو «Taxi Driver» سنة 1976 وهو يرصد تلك الشخصيات التي تبحث عن ملاذ لآلامها وإجابات لأسئلتها لكنها تنتهي من دون إنجاز النقلة المأمولة إلى الأمام. تختلف حكاياته لكنها تلتقي عند نوعية هذه الشخصيات وما تود الخلاص منه. «عداد ورق اللعب» مرتبط عضوياً بـ«تاكسي درايفر» (مارتن سكورسيزي، 1976) وبـ«ثور هائج» (Raging Bull، سكورسيزي، 1980)، و«هاردكور» (شرادر، 1979)، و«نائم خفيف» (Light Sleeper، شرادر، 1992) وصولاً إلى فيلم شرادر السابق مباشرةً لهذا الفيلم وهو «مؤهل أول» (First Reformed) 2017.
لا يكتب شرادر سيناريوهاته لكي ينضم إلى ما يطرحه سواه. ولا يحقق أفلامه لكي تشبه أفلام آخرين في السينما الأميركية. وفي حين أن سبيلبرغ قد ينجز فيلماً عن الغرام بين أبيض ولاتينية، وتقوم جين كامبيون بالحديث عن رجل يواجه مسألة مبتدعة مثل معنى الرجولة في عصر مضى، يسعى شرادر للحديث عن الرجل الأميركي في أيامنا اليوم. عن محنة التصادم بين أخلاقياته وبين مجتمع غير ملتزم بها.
شخصياته محمّلة بمتاعب شخصية تبحث عن خلاص في مجتمع لا يتيح لها حُسن الخلاص. خلفيات هذه الشخصيات لا علاقة لها بحلم كبير لم يتحقق ولا آمال معلّقة، بل تعيش صراعات وأزمات داخلية تحاول حلّها عندما تخفق في تحاشي الصدام النهائي الكبير معها. كما في «تاكسي درايفر»، نهاية «عدّاد ورق اللعب» هي المجابهة الدموية. كما في «ثور هائج» هي في تدمير الذات الذي هو النهاية الختامية لكل هذه الشخصيات في أفلامه.
هنا يقدّم لنا شخصية رجل اسمه تل (أوسكار أيزاك). غامض إلى حد يُرضيه لكنه ليس غريب الأطوار. خرج من السجن بعد ثماني سنوات تلت الحكم عليه لقيامه بتعذيب السجناء في «أبو غريب» وها هو يعمد إلى توظيف خبرة حصدها وراء القضبان وهي أوراق اللعب. يعرف تماماً قوّة كل ورقة وما هي الأوراق التي مرّت أمام عينيه وكيف يتوقف عندما يبلغ حداً معيّناً من الربح... ينتقل من كازينو لآخر ومن مدينة لأخرى. لا ينزل في فندق الكازينوهات التي يلعب فيها، بل يختار «موتيلات» بسيطة. هناك يكتب مذكراته وتعليقاته التي نسمعها خلال الفيلم. مذكرات مفعمة بالأفكار الموحية ويلقيها أيزاك بصوت خافت ومتألّم.
معاناته في مذكرات
في مدى أيام يتعرّف على شخصين: امرأة أفرو - أميركية اسمها لا ليندا (تيفاني هاديش) تعرض عليه رأسمال يمكّنه من الانتقال من الربح الصغير إلى الربح الكبير، وشاب اسمه سيرك (تاي شريدان) يريد الانتقام من غوردو (ويلَم دافو). غوردو كان مسؤولاً عن تجنيد الزمر التي قامت بالتعذيب الوحشي في ذلك السجن. عندما تم فضح هذه الممارسات تم إرسال أمثال ويليام تل ووالد سيرك الذي لم يستطع التأقلم مع المجتمع الذي عاد إليه فانتحر. أما غوردو فواصل حياته المهنية بحماية النظام الذي ابتدع له المهنة، أو كما يقول تل في مذكراته: «أما الذين فوق والذين فوق الذين فوق فنجوا».
تل يبقى المحور. نسمع صوته معلّقاً ونشاهده يكتب مذكّراته. هذا ما فعله إيثان هوك في «First Reform»، وويلَم دافو في «Light Sleeper». كلاهما انكبّ على كتابة معاناته على الورق وأسمعنا ما يمر به. ما يضيفه شرادر إلى هذه الأفلام (ومجمل أعماله الأخرى) ذلك الهاجس الداكن الذي يخيّم على نفوس شخصياته وينتشر في الفيلم عبر اختيارات المخرج من المشاهد. أبطاله، منذ البدايات، وحيدون. يعيشون عزلة مختارة ويرتاحون فيها أو هكذا يعتقدون إلى حين الاصطدام مجدداً بما حاولوا الابتعاد عنه.
يكاد «عداد ورق اللعب» يكون بلا هنّات. ينقص بعض تصرفات بطله (أوسكار أيزاك) دوافع واضحة. لكن هذا النقص يتوارى بسبب أسلوب شرادر المعنيّ جيداً بصَهر الشخصيات وأفعالها وتفاصيل الحياة التي يوفرها على طاولات اللعب وبعيداً عنها، وبصرياته و«اللوك» الذي يمنحه لفيلمه فنياً وكتنفيذ، في محيط متوازن ما بين الفعل وردّ الفعل. من الكتمان والإفصاح ومن العواطف التي تنتظر وقتها المناسب. يستخدم المخرج مشاهد الاستعادة ويقطع عليها بضع مرّات ودائماً في التوقيت الصحيح والأماكن المناسبة.
من حسنات الفيلم أنه لا يوظّف موضوع «أبو غريب» لخدمة وجهة سياسية واحدة، بل يبقيها في توجهها الإنساني. يصفها بالوحشية لكنه لا يذهب بها إلى حد تحويلها إلى قضية أولى. يمنحها حقّها من الإدانة ولا يزيد. هذا، ضمن اهتمامه بالأجواء النفسية والعاطفية والحياتية الداكنة، أفضل بكثير مما لو احتفى بها على منوال خطابي مباشر. تكفيه مشاهد للسجن تبدو كما لو تم تصويرها في جهنم والعبارة التي يتولاها غوردو وهو ينهر سجيناً عربياً عارياً وملقى كالقمامة في ركنه من السجن: «أيام الراحة انتهت يا أحمد».
الغلبة للأخلاقيات
ما الذي يجعل شرادر يختار شخصيات خاسرة. تساءل الناقد جون هاملتون قبل 12 سنة والسؤال لا يزال وارداً ويتكرر مع كل مرة نرى فيها روبرت دينيرو في «تاكسي درايفر» و«الثور الهائج أو رتشارد غير في «أميركان جيغولو» أو جورج س. سكوت في «هاردكور» وصولاً إلى أفلام شرادر القريبة: نك نولتي في «محنة»، وإيثان هوك في «فيرست ريفورمد».
شرادر غصن في شجرة مبدعي أواخر الستينات ومطلع السبعينات. هو من جيل فرنسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي وجورج لوكاس، لكنه لم يكترث لدخول صرح الأعمال المصروف عليها من الاستديوهات الكبيرة إلا لفترة تلت نجاح أعماله الأولى كمخرج («أميركان جيغولو»). نراه حقق فيلماً بأسس هوليوود الحتمية («كات بيبول»، 1982) لكنه انقلب بعيداً عنها عندما حفر في حياة الكاتب الياباني يوكيو ميشيما وخرج بفيلمه المهم «يوشيما: حياة من أربعة فصول» (أنتجته شركة «زيوتروب لكوبولا»).
تنتهي معظم أفلام شرادر بتغليب الأخلاقيات. هو مؤمن بأن ذلك ضروري. جزء من الحياة. في الجانب الآخر هي أفلام نوار (سبق وحقق فيلماً تسجيلياً بعنوان «ملاحظات على الفيلم نوار»، 1971) ما يجعل الصراع بين الخير والشر يرتع في ثنايا التصوير الداكن الملائم للصراع ذاته. وفي بُعد ثالث، هناك صحة لما قاله البعض في أعماله من أن أفلامه هي براغمانية (نسبةً إلى المخرج السويدي الشهير إنغمار برغمن). ربما كل ما كانت تحتاج إليه لكي تحتل لدى نقاد اليوم أهمية أعلى أن تنطق بلغة غير أميركية.


مقالات ذات صلة

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

سينما بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي صِراط وخاطئون ومعركة بعد أخرى.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

أثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»...

انتصار دردير (القاهرة)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.