سعود سالم: قصّرت تجاه طلال مداح... وعشقت الفن من خلاله

قال لـ«الشرق الأوسط» إن اللون الحجازي يعبّر عن حضارة أمة وتاريخ ومكتبة زاخرة وسخية

الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
TT

سعود سالم: قصّرت تجاه طلال مداح... وعشقت الفن من خلاله

الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)

قال الشاعر سعود سالم إن الحراك الثقافي والفني الذي تشهده السعودية، مبهر وجميل، وإنه لا يزال في حالة دهشة وسعادة بهذه المرحلة الجديدة، مشيراً إلى أن الألحان الصاخبة والإيقاعات السريعة أصبحت عنصر جذب للجمهور، لكنّ «الأذن النظيفة» ستبحث دائماً عن الأغنية الطربية الرصينة.
وعبّر عن شعوره بالأسف بسبب ما وصفه بالتقصير تجاه الفنان الراحل طلال مداح، وتمنى لو اقترب منه وعمل معه أكثر، بعد أن تسبب انشغاله والتزامه الدائم مع الفنان محمد عبده في هذا الابتعاد.
سعود سالم، شاعر غنائي وأديب سعودي من مواليد مكة المكرمة عام 1961. تتلمذ على يد كبار شعراء وأدباء الحجاز، وعاصر ثلة منهم. تأثر بالمدرسة الحجازية المكية وكتب اللون الحجازي. وأكد أن تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، مهتم شخصياً بالمواهب والأصوات بشكل كبير، يلتفت لهم ويساعدهم ويفتح لهم أبواب الوصول وجسور النجومية والتألق، وأفضل ما يمكن أن نقوله لكل المحاضن التي ترعى هذه المواهب وتصقل مهاراتهم وتطور تجربتهم، هو ضرورة الاهتمام بالفولكلور والموروث الشعبي والغنائي، الذي نضاهي فيه الكثير من العرب، ونتمنى أن تُنظَّم ليالٍ للتراث، وأن يكون لكل لون أو منطقة ليلتها الخاصة التي تلقي الضوء على فولكلورها وموروثها الخاص... وإلى نص الحوار:

> لماذا سعود سالم مختفٍ عن المشاركات في الوقت الحالي؟
- ما زلت موجوداً، آخر أعمالي كان قبل عامين، وهو عمل وطني اسمه «ما في أغلى من بلادي»، وغيابي لم يكن مقصوداً، لكن الظروف هي التي تحدد ذلك.
> هل ما زال «اللون الحجازي» موجوداً في المفردة واللحن حتى الآن، أم ضاع وسط الزحام؟
- بالتأكيد موجود، لأن اللون الحجازي يعبر عن حضارة أمة وأرض ويتكئ على تاريخ ومكتبة زاخرة وسخية، ولا يغيب أبداً، بوصفه لوناً عربياً أصيلاً، مثله مثل الأغنية الشرقية المصرية القديمة، والأغنية الشامية والأندلسية، واللون الحجازي موجود في الكثير من مظاهر حياتنا، مثل الأذان والقراءة الحجازية للقرآن الكريم، والابتهالات والأناشيد، وحاضر في الفن عموماً، ويستحيل أن يغيب تماماً.
> مع المفردة المبتكرة كانت عبقرية اللحن تلعب دوراً في قوة وانتشار الأغنية السعودية، كيف تقيّم مستوى الألحان اليوم، مع رحيل جزء كبير من الرعيل الأول لنجوم التلحين في السعودية؟
- إلى حد ما، أساءت الألحان الجديدة إلى قوام الأغنية، وثبّطت من قوة الحالة الفنية، لكنّ هذا التأثير يتفاوت بين منطقة وأخرى، في المنطقة الحجازية مثلاً المشتغلون في المجال الفني ينطلقون من موروث عريق وراسخ، وهذا يخفف من العشوائية ويفصل تأثير شخص معين أو مجموعة ما على قوته وحضوره، بفضل ارتباطه بتجربة فنية مكتملة وبحضارة وتاريخ عريضين، تقتربان من قرن كامل.
والمرحلة الجديدة مختلفة، بعد اختفاء أسماء كبيرة تركت أثرها في الساحة الفنية، وذلك جزء من سنة الحياة، بانطواء جيل وانطلاق جيل آخر، وهذا ينطبق على كل البلاد العربية، فمصر مثلاً فقدت أجيالاً كاملة من العمالقة، وخلفتها أجيال جديدة وشابة، ومثله في العراق والشام والخليج.
وفي السعودية، كان آخر العمالقة الراحلين من الجيل الأخير، هو طلال باغر، ونحن بانتظار بزوغ نجم جيل جديد من الملحنين، سيكونون امتداداً للحالة الفنية السعودية، ويشاركون في الحفاظ على تجربتها.
> هل تتفق مع مقولة أن أذن الجمهور أصبحت غير صبورة على المفردة المشبعة بالمعنى، وتنشط للإيقاع الصاخب السريع، بما أضرّ بجودة المطروح الفني وقوته؟
- هذا صحيح تماماً، لكنّ هذا لا يلغي وجود قطاع كبير من متذوقي المفردة الرصينة، واللحن المنحوت باحتراف، و«ليلة المعازيم» التي أحياها الفنان محمد عبده ضمن موسم الرياض أخيراً، كانت دليلاً على ذلك، وكانت الليلة سخية بالتجلّي والإبداع، وكانت المقاعد مشغولة بالجماهير الذوّاقة التي كانت تتفاعل مع الفن الأصيل.
> ما رأيك بمقولة أن اللحن في الوقت الحالي أصبح جاذباً للجمهور أكثر من الكلمات؟
- صحيح إلى حدٍّ ما، الإيقاعات السريعة أصبحت عنصر جذب للجمهور، لكن يبقى أن «الأذن النظيفة» ما زالت تبحث عن الأغنية الطربية الرصينة، وعمر الأعمال من هذا النوع طويل، وتبقى حية بين الناس ولا تذبل بسرعة، لأنها صُنعت بحرفية وعلى مهل، فأغانٍ مثل «صوتك يناديني» و«المعازيم» وغيرها من مكتبة الفنان محمد عبده مضى عليها ثلاثة وأربعة عقود، ولا تزال متجلية، وتعيش بين الناس.
> شاركت في تنظيم أشهر المهرجانات الغنائية السعودية أوائل الألفية، في وقت كانت الظروف والفضاء العام غير مناسبين، هل أنت متفائل بالمرحلة الجديدة؟
- هذه المرحلة مختلفة تماماً، بالنظر إلى المعاناة التي كنا نواجهها سابقاً، بسبب الظروف المادية والقبول الاجتماعي والتجهيزات الفنية، لكن الآن نعيش مرحلة مبهرة لم تكن في خيال أو حسبان أكثر المتفائلين في الوسط الفني.
> هل أجهضت الظروف السابقة قدرة «الأغنية السعودية» على التطور الطبيعي، وكيف يمكن تدارك ذلك الآن؟
- بالعكس، لم تحدّ تلك الظروف السابقة الصعبة من تطور الأغنية السعودية بل شقّت طريقها بكل تميز ونجاح، حتى تربعت في موقع يليق بها، ونافست بقية نظيراتها في المنطقة العربية. كانت الأغنية السعودية متطورة ومتألقة في ظل الظروف، ومنذ ستة عقود تقريباً، أيام «يا ريم وادي ثقيف» و«زرعك يا زارع الورد».
> على العكس من المرحلة الفائتة، نشهد الآن حراكاً ثقافياً وفنياً جديداً وواسعاً في السعودية؟
- حراك مبهر وجميل، وأنا على المستوى الشخصي ما زلت في حالة دهشة وسعادة بهذه المرحلة الجديدة.
> وهذا الحراك، هل تراه أعاد الاعتبار لفنانين كاد يمحو ذكرهم التجاهل والإهمال؟
- هذه النقطة ما زال فيها بعض القصور، فنانون مثل علي عبد الكريم ومحمد عمر ويحيى لبان وحسين قريش، هؤلاء عمالقة، وأساتذة أثروا الحالة الفنية في السعودية في اللحظات الصعبة، لماذا يتم استبعادهم من المشاركات، في الوقت الذي نستقطب فيه فنانين عرباً من مناطق مختلفة، ونتجاهل مثل هذه القامات السعودية؟ ولا أعرف تفسيراً لمثل هذا الخطأ، كما أن مسألة الجماهيرية والمردود المالي المتوقع لا تعطي مبرراً لاستبعادهم، لأن استقطابهم يمثل لفتة تكريم لجهودهم، وتثميناً لتجربتهم التي تناطح الفنانين العرب.
> نشهد فرصاً واسعة لاكتشاف المواهب الفنية السعودية وصقلها وتقديمها إلى المسرح العام، حسب تجربتك العريضة، ما أفضل التوصيات لضمان أفضل النتائج لهذه المرحلة الذهبية من الانفتاح؟
- كلنا يلمس اهتمام هيئة الترفيه، ورئيس مجلس إدارة الهيئة تركي آل الشيخ، مهتم شخصياً بالمواهب والأصوات بشكل كبير، يلتفت لهم ويساعدهم ويفتح لهم أبواب الوصول وجسور النجومية والتألق، وأفضل ما يمكن أن نقوله لكل المحاضن التي ترعى هذه المواهب وتصقل مهاراتهم وتطور تجربتهم، هو ضرورة الاهتمام بالفولكلور والموروث الشعبي والغنائي، الذي نضاهي فيه الكثير من العرب، ونتمنى أن تُنظَّم ليالٍ للتراث، وأن يكون لكل لون أو منطقة ليلتها الخاصة التي تلقي الضوء على فولكلورها وموروثها الخاص، في ظل ما تتمتع به السعودية من تنوع وثراء وتعدد في الألوان، قد لا تجده في أي بلد آخر، بنفس المستوى والقدر من التنوع والإدهاش والاختلاف، وسيكون هذا المجهود توثيقاً وتعريفاً في الوقت نفسه، ونضمن عدم انفصال الأجيال الجديدة عن هذه الذخيرة العريقة من موروثنا المحلي، لأن قوتنا تكمن في هذه الألوان البديعة الزاهية.
> بالنظر إلى الأجيال الشابة الآن، هل بمقدور «الأغنية السعودية» أن تحتفظ بطابعها الخاص الذي تم رسم ملامحه بفضل تجربة سابقة في العقود الماضية؟
- أتمنى أن تستمر الأغنية السعودية في الاحتفاظ بطابعها الخاص، وألا تنفصل الأجيال الشابة عن موروثها المحلي، ولا تجربة فنانين عمالقة ساهموا في هندسة شكل مختلف لهذه الأغنية، ويفترض بهم أن يكونوا امتداداً لها، امتداداً لطارق عبد الحكيم وعبد الله محمد وفوزي محسون وعمر كدرس وسامي إحسان ومحمد شفيق وسراج عمر... تركوا مكتبة غنية وتركة كبيرة وتاريخاً لأغنيات لا تموت.
> استحوذ الفنان عبادي الجوهر على مساحة كبيرة في تعاوناتك الغنائية، ما الذي يميز عبادي -في رأيك- عن غيره في تجربته الفنية وإنتاجه الغنائي؟
- الفنان عبادي مدرسة متفردة ومبدعة تعلمت منها الكثير، وظهوره بين عملاقين كطلال وعبده، في وقت يصعب فيه اختراق جدار هذين الفنانين، لكن الفنان عبادي جاء متكئاً على مفرداته، وشق طريقه المختلف، هذا لا يفعله إلا إنسان مبدع وكبير مثل عبادي، وتجمعني به كيمياء شخصية من الحب والتفاهم والصداقة والأخوة، بالإضافة إلى أعمال فنية كبيرة.
> هل كان وجودك بين عملاقي الفن طلال مداح ومحمد عبده مُحرج بالنسبة لك، ومَن أقرب لك في التعامل الفني بينهما؟
- طلال مداح قريب من روحي، ولم أعشق الفن إلا من خلاله، والآن أشعر بالأسف والندم لأنني كنت بعيداً عنه وقصّرت تجاهه كثيراً، لكنّ ذلك بسبب الظروف في مرحلة الشباب، وكنت أتمنى لو عملت معه أكثر، بالإضافة إلى التزامي المتواصل مع الفنان محمد عبده، الأمر الذي شغلني عن الوجود بكثرة مع المرحوم طلال، الذي كنت أنظر إليه كوالد، ونظرة محب ومعجب، ولطالما منعني الحياء عن التعامل معه من شدة تقديري وإكباري له.
والفنان محمد عبده أستاذي، تعرفت على أبو عبد الرحمن وأنا بعمر الـ18 سنة، وعملت برفقته أغاني لا تُعد ولا تُحصى، وآخر تعاوناتي معه أغنية وطنية قبل عام ونصف، بالإضافة إلى أعمال خاصة قبل فترة يسيرة، وعملين آخرين اشتغل على ألحانها الراحل طلال باغر، سيريان النور قريباً.
> ما قصتك في قصيدة «سكة طويلة»، وهل هي أقرب الكلمات إلى قلبك؟
- لم تكن أقرب الكلمات إلى قلبي، فلديَّ الكثير من شعري قريب لقلبي. وقصتها تحكي عن رجل كان في سفر، وعائد إلى أولاده وعائلته، لكن الشوق جعل من المشوار القصير، طويلاً، والسكة تطول على كل مشتاق، كما أن الفنان عبادي أبدع في غنائها، وجعل منها حية وباقية بين الناس.



«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
TT

«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)

قد تُنتج بعض التفاعلات الكيميائية جزيئين يكون كلٌّ منهما صورة مرآتية للآخر، على الرغم من اختلافهما كيميائياً، وقد تختلف الصورتان في تأثيراتهما الحيوية وفي تفاعلهما مع جزيئات أخرى داخل الكائنات الحية. وقد أدرك الباحثون، على مدى عقود، إمكانية تصميم تفاعلات تؤدي، من الناحية النظرية، إلى تكوُّن إحدى هاتين الصورتين المرآتيتين فقط، إلا أن كيفية تحقيق ذلك عملياً ظلّت لغزاً لسنوات طويلة.

وقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من الفرنسي هنري ب. كاغان، والياباني كينسو سوايي لتقديمهما حلّاً لهذا اللغز؛ إذ تكتسب اكتشافاتهما أهمية بالغة للكيميائيين الذين يصمّمون تفاعلات تُستخدم في مجالات شتى، مثل تصنيع المستحضرات الصيدلانية والعطور ونكهات الطعام.

وكما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الأربعاء، فقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من هنري ب. كاغان، من جامعة باريس الجنوبية (باريس ساكلي) في فرنسا، وكينسو سوايي، من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان، «لاكتشافهما التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتماثل»، وهو ما أسهم في الكشف عن أسرار تكوين الجزيئات الكيميائية العضوية في الفراغ.

تصور فني يظهر كيف توجد الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة - يوهان يارنستاد (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)

ووفق بيان الجائزة، فإنه «يوجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة، مثل اليدين، لكن واحدة فقط منهما تدخل في تركيب البروتينات الموجودة في خلاياك، فيما نادراً ما توجد الأخرى في الطبيعة. كما أن جسم الكائن الحي يتعامل مع كل صورة بطريقة مختلفة عن الأخرى». وتمكّن العالِمان الفائزان بنوبل الكيمياء لهذا العام من حل هذا اللغز، كما استطاعا تقديم تفسير علمي لسبب استخدام الحياة نسخة مرآتية واحدة فقط من تلك الجزيئات.

لغز حيّر الكيميائيين

وقد تفرض جزيئات الحياة تحديات صعبة على الكيميائيين. تخيّل أنك صانع أقفال ومفاتيح يُصنّع المفاتيح حسب الطلب؛ تكمن المشكلة في أنك عند إنتاجها ينتهي بك الأمر دائماً بنسختين متناظرتين كصورة المرآة، لكن واحدة فقط منهما هي التي تعمل، بل قد يتعرّض القفل للتلف إذا حاول العميل فتحه بالمفتاح الآخر. وللأسف، فإن التمييز بين هذين المفتاحين أمر بالغ الصعوبة، ما يضطر العميل في النهاية إلى تسلم كليهما. ولطالما شكّلت كيفية نشوء هذا النوع من عدم التماثل الكيميائي لغزاً حيّر الكيميائيين.

وقال هاينر لينكي، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في بيان الأربعاء: «لقد قدّم هنري كاغان وكينسو سوايي حلّاً للغز كيميائي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، وهو: كيف يمكن أن تنشأ ظاهرة التماثل المرآتي الأحادي بشكل تلقائي؟ إن التفاعلات الكيميائية التي طوّراها مذهلة حقاً».

العالم الياباني الحاصل على جائزة نوبل كينسو سوايي (أ.ف.ب)

وتواجه الكيميائيين تحديات مماثلة عند تطوير عقاقير طبية جديدة؛ إذ توجد كثير من جزيئات الأدوية في صورتين متمايزتين، تشكّل كلٌّ منهما صورة مرآتية للأخرى، دون أن تكونا متطابقتين تماماً: فإحداهما تؤدي الغرض العلاجي، فيما قد تتسبّب الأخرى في آثار جانبية غير مرغوب فيها، وأحياناً ضارة.

الكيمياء الأساسية للحياة

ويعود السبب الكامن وراء ذلك إلى طبيعة الكيمياء الأساسية للحياة؛ فالحياة تتسم بما يسميه الكيميائيون «أحادية الكيرالية» (homochirality)، وهي تسمية مشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان «نفس» و«يد». وعلى غرار اليدين، توجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين، كصورة ومرآتها، إلا أن واحدة فقط منهما هي التي تدخل في تركيب البروتينات داخل خلايا أجسامنا، فيما نادراً ما توجد الصورة الأخرى في الطبيعة. وينطبق الأمر ذاته على جزيئات السكر التي تُشكّل جزءاً من الحمض النووي (DNA) لدينا؛ فهذه الجزيئات لها صورتان متمايزتان، كصورة ومرآتها، لكن الحياة تستخدم إحدى هاتين الصورتين في بناء الحمض النووي.

ولطالما تساءل الكيميائيون عن كيفية نشوء هذا النوع من «التماثل»؛ فعندما كانوا يجرون تجارب على تفاعلات كيميائية قادرة على تكوين جزيئين متناظرين كصورة المرآة، كانوا يحصلون دائماً على نسب متساوية من كليهما في أنابيب الاختبار. لذلك سعى الكيميائيون جاهدين إلى إنتاج أحد هذين الشكلين المتناظرين فقط؛ لأن الجزيئات التي تتفاعل مع الكائنات الحية، مثل تلك المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية، لا تؤدي الغرض المطلوب منها إلا إذا كانت في صورة مرآتية محددة دون الأخرى. وقد تجلّت أهمية تحقيق ذلك بوضوح إثر فضيحة عقار «الثاليدومايد» في أوائل الستينات، حين عانى آلاف الأطفال تشوّهات خلقية ناجمة عن تناول هذا العقار المهدّئ؛ إذ أدرك الباحثون، عند تحليلهم أسباب تلك المأساة، أن الضرر كان ناتجاً عن «الصورة المرآتية» للمادة الفعّالة في العقار.

أدوية «أنقى» وأكثر أماناً

هنري ب. كاغان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 (أ.ب)

وتأتي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لتكريم الاكتشافات التي مكّنت الكيميائيين من توجيه تلك التفاعلات الكيميائية والتحكّم فيها من أجل إنتاج أحد أشكال هذا التماثل فقط دون الآخر؛ إذ اكتشف هنري كاغان طريقة للتحكّم في التفاعلات الكيميائية من أجل إنتاج إحدى الصورتين المرآتيتين بنسبة تفوق الأخرى بكثير، وهو ما عُرف بالتأثير غير الخطي لكاغان، عندما اكتشف في عام 1986 أن وجود تفوّق بسيط جداً لإحدى الصورتين المرآتيتين للجزيء في بداية التفاعل يمكن أن يتضخّم بشكل كبير أثناء عملية التصنيع، لتسود تلك الصورة تماماً في النهاية. وقد أحدث اكتشافه ثورة في عمل الكيميائيين الذين يطوّرون تفاعلات لتصنيع كثير من المنتجات الكيميائية الجديدة في مجالات شتى.

كما صمّم كينسو سوايي، في عام 1995، أول تفاعل كيميائي يعتمد على التحفيز؛ إذ يعمل الجزيء الناتج محفّزاً لإنتاج جزيئات تطابقه تماماً، ما يمنح تفوّقاً مطلقاً لصورة مرآتية واحدة فقط. وقد أحدث هذا الاكتشاف ثورة هائلة في صناعة الأدوية والمنتجات الصيدلانية. ويُعدّ تفاعل سوايي واحداً من أكثر التجارب الكيميائية إبهاراً على الإطلاق، وفق وصف القائمين على جائزة نوبل في الكيمياء.

وبفضل أبحاثهما معاً، أصبح من الممكن توجيه التفاعلات لإنتاج أدوية «أنقى» وأكثر أماناً دون الحاجة إلى عمليات فصل معقّدة بعد التصنيع، وهو إنجاز لم يسبق لأحد تحقيقه، باستثناء ما يحدث داخل الكائنات الحية نفسها.

وقال الدكتور طارق قابيل، أستاذ التقنية الحيوية المتفرّغ بكلية العلوم في جامعة القاهرة: «ما أنجزه هذان العالمان يلامس الجوهر الفلسفي والعملي لظاهرة عُرفت بالتناظر المرآوي؛ إذ ينحاز الكون من حولنا، بشكل مذهل، إلى جهة واحدة؛ فالأحماض الأمينية التي تُبنى منها أجسادنا والسكريات التي تمدّنا بالحياة تختار وجهة واحدة فقط، اليسار أو اليمين دون غيرها».

منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكل من هنري كاغان وكينسو سوايي (رويترز)

وأوضح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «طوال عقود، كان الكيميائيون في مختبراتهم يشبهون صانع مفاتيح أعمى؛ فحين يحاولون تصنيع جزيء حيوي مفيد، يخرجون دائماً بخليط متساوٍ من صورتين مرآويتين، تماماً كمن يصنع قفازاً ليد يمنى وآخر ليد يسرى ويضعهما معاً بلا تمييز، وهو ما أدّى تاريخياً إلى مآسٍ طبية كبرى، حين يكون أحد الشكلين دواءً منقذاً والآخر سمّاً زعافاً».

وأضاف: «لقد جاء هنري كاغان، في عام 1986، ليضع حجر الأساس عبر ابتكار طرق غير مسبوقة للتحكّم في التفاعلات عبر محفّزات دقيقة، ممهّداً الطريق لكينسو سوايي، الذي حقّق المعجزة المختبرية عامَي 1995 و2003 بابتكار تفاعلات ذاتية التحفيز تُنتج صورة مرآوية نقية واحدة بنسبة 100 في المائة، تماماً كما تفعل الطبيعة وحدها دون شريك».

ووصف قابيل هذا الاكتشاف بأنه «ثورة مطلقة في صناعة الأدوية والمستحضرات الدوائية الحديثة»، مضيفاً: «بات اليوم بإمكان شركات الدواء هندسة جزيئات نقية خالية من الشوائب المرآوية المعاكسة، ما يرفع الكفاءة العلاجية إلى أقصى حد ممكن، ويقضي على الأعراض الجانبية السامة الناتجة عن تداخلات الصور غير المرغوب فيها».


«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
TT

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة التاسعة والتسعين، في خطوة تعزز حضور سينما المملكة على الساحة الدولية، وذلك بعد مراجعة دقيقة شملت مجموعة أعمال متميزة.

وتتولى لجنة اختيار الفيلم السعودي لجوائز الأوسكار، التي تضم نخبة من أبرز صنّاع السينما والمختصين، مهمة مراجعة الأفلام المتقدمة واختيارها وفق المعايير المعتمدة من أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة «الأوسكار».

وشهدت دورة هذا العام مشاركة عدة أفلام سعودية متميزة، مما تطلّب من اللجنة دراسة متأنية قبل أن تُجمِع، بعد مداولات مكثفة، على اختيار فيلم «مسألة حياة أو موت» في هذه الفئة.

وذكرت هيئة الأفلام السعودية أن الفيلم المُختار للمخرج أنس باطهف يُعدّ من الإنتاجات السينمائية التي تقدم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء.

وتدور أحداث العمل في مدينة جدة حول حياة، التي تؤمن بأن معتقداً متوارثاً ينذر بوفاتها عند بلوغها سن الثلاثين، ويوسف، جرّاح القلب الذي يعاني بطء نبضات قلبه، وتجمعهما ظروف غير متوقعة، لتضعهما أمام أسئلة الحياة والموت والحب والقدر.

ويأتي الفيلم برؤية إخراجية لأنس باطهف، وكتابة سارة طيبة، وبطولة يعقوب الفرحان وسارة طيبة، إلى جانب عدد من المواهب السعودية الصاعدة وأسماء بارزة في الساحة السينمائية.

وبحسب معايير الأهلية المعتمدة لدى الأكاديمية لفئة أفضل فيلم روائي دولي، تمر الأفلام المقدمة من مختلف دول العالم بعدة مراحل من التقييم والفرز، وصولاً إلى إعلان القائمة الأولية.

وتُحدِّد الأكاديمية بعد ذلك القائمة النهائية للمرشحين، على أن يُعلن عن الفيلم الفائز خلال حفل جوائز الأوسكار في شهر مارس (آذار) 2027.


حفرية مصرية فريدة تقود للكشف عن «تمساح أبو الهول»

الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
TT

حفرية مصرية فريدة تقود للكشف عن «تمساح أبو الهول»

الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)

أعادت دراسة جديدة أُجريت على حفريات تاريخية، كان قد عثر عليها في جبل المقطم في مصر، منذ نحو مائة عام مضت، تصنيف تمساح مصري إلى جنس جديد، كما كشفت عن وجود تنوع أكبر بين هذه الأنواع من الكائنات الحية في مصر والبحر الأبيض المتوسط.

وفي الدراسة الجديدة، أعاد فريق دولي، بمشاركة فريق سلام-لاب المصري، دراسة هذه الحفريات المحفوظة حالياً في متحف شتوتغارت الحكومي للتاريخ الطبيعي بألمانيا، ليتبين أن هذا الحيوان يمثل جنساً جديداً أطلق عليه العلماء اسم «هيرو جافيالس»، ليصبح الاسم العلمي لهذا النوع «هيرو جافيالس كايرينسيس»، أو «تمساح أبو الهول القاهري».

ومن المعروف أنه قبل نحو 45 مليون سنة، كانت أجزاء واسعة من مصر مغطاة ببيئات بحرية دافئة وضحلة، عاشت فيها حيتان وعرائس البحر إلى جانب تماسيح طويلة الخطم تُعرف باسم الجافياليات، وهي مجموعة من التماسيح لا تضم اليوم سوى نوعين حيَّين: التمساح الهندي (جافيالس جنجيتيكس) والغاريال الكاذب (توميستوما شليجيلي).

وقال الدكتور بول بيرك، الباحث بالمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي والمؤلف الرئيسي للدراسة: «على مدار أجزاء كبيرة من الخمسين مليون سنة الماضية، احتضنت منطقة البحر المتوسط تنوعاً كبيراً من التماسيح، بما في ذلك الجافياليات».

ووفق الدراسة الجديدة فإنه منذ نحو قرن، وتحديداً في عام 1927 عرف العلماء حفريات لهذا التمساح القديم، حيث عُثر عليها في جبل المقطم شرق القاهرة، ونُسبت إلى جنس «توميستوما»، الذي يمثله اليوم تمساح «الغاريال الكاذب»، بسبب التشابه في شكل الجمجمة والخطم الطويل.

وظل هذا التصنيف قائماً لعقود، قبل أن تشير الدراسات التطورية الأحدث إلى أن التمساح المصري أو «تمساح أبو الهول القاهري» لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجافيال الكاذب الحي، مما دفع العلماء إلى إعادة فحص حفرياته باستخدام الأدلة الحديثة.

إعادة تصور للنوع المنقرض هيرو جافيالس كايرينسيس مع ظهور تمثال أبو الهول بالخلفية (كريم زناتي-سلام لاب)

تمساح أبو الهول القاهري

ويحمل الاسم الجديد قصة طريفة تربط هذا التمساح بأحد أشهر معالم مصر. فقد عُثر على حفرياته في تكوين المقطم الجيولوجي، وهو التكوين الصخري نفسه الذي نُحتت منه صخور تمثال أبو الهول. والأكثر إثارةً أن الجمجمة تفتقر إلى الجزء الأمامي من خطمها، في تشابه لافت مع أنف أبو الهول المفقود.

ووفق الباحثين، من هنا جاء اسم «هيرو جافيالس»؛ فـ«هيرو» مستوحاة من «حِرو» أو حورس، الإله المصري القديم الذي ارتبط بأبو الهول في الدولة الحديثة، حين عُرف التمثال باسم «حور إم أخت»، أي «حورس في الأفق». أما «جافيالس» فتشير إلى القرابة التطورية للحيوان مع جافيالس، جنس الغاريال الهندي الحديث، بينما يشير اسم النوع «كايرينسيس» إلى القاهرة.

وكان الفريق قد أعاد دراسة الحفريات باستخدام أدوات حديثة، من بينها التصوير المقطعي الدقيق، الذي سمح بفحص البنية الداخلية للجمجمة وإعادة بناء أجزاء من التشريح الداخلي رقمياً. وأظهرت المقارنات مجموعة من الصفات التي تميز هذا التمساح عن «توميستوما» وعن الجافياليات المصرية الأخرى التي عاشت في الفترة نفسها تقريباً، وهو ما دعم إنشاء الجنس الجديد «هيرو جافيالس».

ولا تتوقف الدراسة عند إعادة تسمية نوع واحد؛ فهي تكشف أيضاً عن أن الجافياليات كانت أكثر تنوعاً في البحر المتوسط مما توحي به الصورة الحديثة.

وقال الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وقائد الفريق البحثي المصري: «الحفريات المصرية المحفوظة في المتاحف ليست مجرد عينات قديمة في الأدراج، وإنما صفحات من تاريخ مصر الطبيعي تنتظر من يعيد قراءتها باستخدام أدوات وأسئلة جديدة، قد تكون بنفس أهمية اكتشاف عينة جديدة في الحقل». وفق بيان صحافي، الأربعاء.

وقال الباحث المصري بلال سالم، مسؤول حفريات الزواحف والطيور بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمدرس المساعد بكلية العلوم جامعة بنها وأحد مؤلفي الدراسة: «أحد أكثر الجوانب إثارةً في هذه الدراسة أن الحفرية نفسها ليست جديدة؛ الجديد هو السؤال الذي طُرح عليها. أحياناً لا يبدأ الاكتشاف من الصحراء، بل عندما نعود إلى عينة قديمة وننظر إليها مرة أخرى بأدوات مختلفة».