سعود سالم: قصّرت تجاه طلال مداح... وعشقت الفن من خلاله

قال لـ«الشرق الأوسط» إن اللون الحجازي يعبّر عن حضارة أمة وتاريخ ومكتبة زاخرة وسخية

الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
TT

سعود سالم: قصّرت تجاه طلال مداح... وعشقت الفن من خلاله

الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)
الشاعر السعودي سعود سالم خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» أمس بمنزله في جدة (تصوير: غازي مهدي)

قال الشاعر سعود سالم إن الحراك الثقافي والفني الذي تشهده السعودية، مبهر وجميل، وإنه لا يزال في حالة دهشة وسعادة بهذه المرحلة الجديدة، مشيراً إلى أن الألحان الصاخبة والإيقاعات السريعة أصبحت عنصر جذب للجمهور، لكنّ «الأذن النظيفة» ستبحث دائماً عن الأغنية الطربية الرصينة.
وعبّر عن شعوره بالأسف بسبب ما وصفه بالتقصير تجاه الفنان الراحل طلال مداح، وتمنى لو اقترب منه وعمل معه أكثر، بعد أن تسبب انشغاله والتزامه الدائم مع الفنان محمد عبده في هذا الابتعاد.
سعود سالم، شاعر غنائي وأديب سعودي من مواليد مكة المكرمة عام 1961. تتلمذ على يد كبار شعراء وأدباء الحجاز، وعاصر ثلة منهم. تأثر بالمدرسة الحجازية المكية وكتب اللون الحجازي. وأكد أن تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، مهتم شخصياً بالمواهب والأصوات بشكل كبير، يلتفت لهم ويساعدهم ويفتح لهم أبواب الوصول وجسور النجومية والتألق، وأفضل ما يمكن أن نقوله لكل المحاضن التي ترعى هذه المواهب وتصقل مهاراتهم وتطور تجربتهم، هو ضرورة الاهتمام بالفولكلور والموروث الشعبي والغنائي، الذي نضاهي فيه الكثير من العرب، ونتمنى أن تُنظَّم ليالٍ للتراث، وأن يكون لكل لون أو منطقة ليلتها الخاصة التي تلقي الضوء على فولكلورها وموروثها الخاص... وإلى نص الحوار:

> لماذا سعود سالم مختفٍ عن المشاركات في الوقت الحالي؟
- ما زلت موجوداً، آخر أعمالي كان قبل عامين، وهو عمل وطني اسمه «ما في أغلى من بلادي»، وغيابي لم يكن مقصوداً، لكن الظروف هي التي تحدد ذلك.
> هل ما زال «اللون الحجازي» موجوداً في المفردة واللحن حتى الآن، أم ضاع وسط الزحام؟
- بالتأكيد موجود، لأن اللون الحجازي يعبر عن حضارة أمة وأرض ويتكئ على تاريخ ومكتبة زاخرة وسخية، ولا يغيب أبداً، بوصفه لوناً عربياً أصيلاً، مثله مثل الأغنية الشرقية المصرية القديمة، والأغنية الشامية والأندلسية، واللون الحجازي موجود في الكثير من مظاهر حياتنا، مثل الأذان والقراءة الحجازية للقرآن الكريم، والابتهالات والأناشيد، وحاضر في الفن عموماً، ويستحيل أن يغيب تماماً.
> مع المفردة المبتكرة كانت عبقرية اللحن تلعب دوراً في قوة وانتشار الأغنية السعودية، كيف تقيّم مستوى الألحان اليوم، مع رحيل جزء كبير من الرعيل الأول لنجوم التلحين في السعودية؟
- إلى حد ما، أساءت الألحان الجديدة إلى قوام الأغنية، وثبّطت من قوة الحالة الفنية، لكنّ هذا التأثير يتفاوت بين منطقة وأخرى، في المنطقة الحجازية مثلاً المشتغلون في المجال الفني ينطلقون من موروث عريق وراسخ، وهذا يخفف من العشوائية ويفصل تأثير شخص معين أو مجموعة ما على قوته وحضوره، بفضل ارتباطه بتجربة فنية مكتملة وبحضارة وتاريخ عريضين، تقتربان من قرن كامل.
والمرحلة الجديدة مختلفة، بعد اختفاء أسماء كبيرة تركت أثرها في الساحة الفنية، وذلك جزء من سنة الحياة، بانطواء جيل وانطلاق جيل آخر، وهذا ينطبق على كل البلاد العربية، فمصر مثلاً فقدت أجيالاً كاملة من العمالقة، وخلفتها أجيال جديدة وشابة، ومثله في العراق والشام والخليج.
وفي السعودية، كان آخر العمالقة الراحلين من الجيل الأخير، هو طلال باغر، ونحن بانتظار بزوغ نجم جيل جديد من الملحنين، سيكونون امتداداً للحالة الفنية السعودية، ويشاركون في الحفاظ على تجربتها.
> هل تتفق مع مقولة أن أذن الجمهور أصبحت غير صبورة على المفردة المشبعة بالمعنى، وتنشط للإيقاع الصاخب السريع، بما أضرّ بجودة المطروح الفني وقوته؟
- هذا صحيح تماماً، لكنّ هذا لا يلغي وجود قطاع كبير من متذوقي المفردة الرصينة، واللحن المنحوت باحتراف، و«ليلة المعازيم» التي أحياها الفنان محمد عبده ضمن موسم الرياض أخيراً، كانت دليلاً على ذلك، وكانت الليلة سخية بالتجلّي والإبداع، وكانت المقاعد مشغولة بالجماهير الذوّاقة التي كانت تتفاعل مع الفن الأصيل.
> ما رأيك بمقولة أن اللحن في الوقت الحالي أصبح جاذباً للجمهور أكثر من الكلمات؟
- صحيح إلى حدٍّ ما، الإيقاعات السريعة أصبحت عنصر جذب للجمهور، لكن يبقى أن «الأذن النظيفة» ما زالت تبحث عن الأغنية الطربية الرصينة، وعمر الأعمال من هذا النوع طويل، وتبقى حية بين الناس ولا تذبل بسرعة، لأنها صُنعت بحرفية وعلى مهل، فأغانٍ مثل «صوتك يناديني» و«المعازيم» وغيرها من مكتبة الفنان محمد عبده مضى عليها ثلاثة وأربعة عقود، ولا تزال متجلية، وتعيش بين الناس.
> شاركت في تنظيم أشهر المهرجانات الغنائية السعودية أوائل الألفية، في وقت كانت الظروف والفضاء العام غير مناسبين، هل أنت متفائل بالمرحلة الجديدة؟
- هذه المرحلة مختلفة تماماً، بالنظر إلى المعاناة التي كنا نواجهها سابقاً، بسبب الظروف المادية والقبول الاجتماعي والتجهيزات الفنية، لكن الآن نعيش مرحلة مبهرة لم تكن في خيال أو حسبان أكثر المتفائلين في الوسط الفني.
> هل أجهضت الظروف السابقة قدرة «الأغنية السعودية» على التطور الطبيعي، وكيف يمكن تدارك ذلك الآن؟
- بالعكس، لم تحدّ تلك الظروف السابقة الصعبة من تطور الأغنية السعودية بل شقّت طريقها بكل تميز ونجاح، حتى تربعت في موقع يليق بها، ونافست بقية نظيراتها في المنطقة العربية. كانت الأغنية السعودية متطورة ومتألقة في ظل الظروف، ومنذ ستة عقود تقريباً، أيام «يا ريم وادي ثقيف» و«زرعك يا زارع الورد».
> على العكس من المرحلة الفائتة، نشهد الآن حراكاً ثقافياً وفنياً جديداً وواسعاً في السعودية؟
- حراك مبهر وجميل، وأنا على المستوى الشخصي ما زلت في حالة دهشة وسعادة بهذه المرحلة الجديدة.
> وهذا الحراك، هل تراه أعاد الاعتبار لفنانين كاد يمحو ذكرهم التجاهل والإهمال؟
- هذه النقطة ما زال فيها بعض القصور، فنانون مثل علي عبد الكريم ومحمد عمر ويحيى لبان وحسين قريش، هؤلاء عمالقة، وأساتذة أثروا الحالة الفنية في السعودية في اللحظات الصعبة، لماذا يتم استبعادهم من المشاركات، في الوقت الذي نستقطب فيه فنانين عرباً من مناطق مختلفة، ونتجاهل مثل هذه القامات السعودية؟ ولا أعرف تفسيراً لمثل هذا الخطأ، كما أن مسألة الجماهيرية والمردود المالي المتوقع لا تعطي مبرراً لاستبعادهم، لأن استقطابهم يمثل لفتة تكريم لجهودهم، وتثميناً لتجربتهم التي تناطح الفنانين العرب.
> نشهد فرصاً واسعة لاكتشاف المواهب الفنية السعودية وصقلها وتقديمها إلى المسرح العام، حسب تجربتك العريضة، ما أفضل التوصيات لضمان أفضل النتائج لهذه المرحلة الذهبية من الانفتاح؟
- كلنا يلمس اهتمام هيئة الترفيه، ورئيس مجلس إدارة الهيئة تركي آل الشيخ، مهتم شخصياً بالمواهب والأصوات بشكل كبير، يلتفت لهم ويساعدهم ويفتح لهم أبواب الوصول وجسور النجومية والتألق، وأفضل ما يمكن أن نقوله لكل المحاضن التي ترعى هذه المواهب وتصقل مهاراتهم وتطور تجربتهم، هو ضرورة الاهتمام بالفولكلور والموروث الشعبي والغنائي، الذي نضاهي فيه الكثير من العرب، ونتمنى أن تُنظَّم ليالٍ للتراث، وأن يكون لكل لون أو منطقة ليلتها الخاصة التي تلقي الضوء على فولكلورها وموروثها الخاص، في ظل ما تتمتع به السعودية من تنوع وثراء وتعدد في الألوان، قد لا تجده في أي بلد آخر، بنفس المستوى والقدر من التنوع والإدهاش والاختلاف، وسيكون هذا المجهود توثيقاً وتعريفاً في الوقت نفسه، ونضمن عدم انفصال الأجيال الجديدة عن هذه الذخيرة العريقة من موروثنا المحلي، لأن قوتنا تكمن في هذه الألوان البديعة الزاهية.
> بالنظر إلى الأجيال الشابة الآن، هل بمقدور «الأغنية السعودية» أن تحتفظ بطابعها الخاص الذي تم رسم ملامحه بفضل تجربة سابقة في العقود الماضية؟
- أتمنى أن تستمر الأغنية السعودية في الاحتفاظ بطابعها الخاص، وألا تنفصل الأجيال الشابة عن موروثها المحلي، ولا تجربة فنانين عمالقة ساهموا في هندسة شكل مختلف لهذه الأغنية، ويفترض بهم أن يكونوا امتداداً لها، امتداداً لطارق عبد الحكيم وعبد الله محمد وفوزي محسون وعمر كدرس وسامي إحسان ومحمد شفيق وسراج عمر... تركوا مكتبة غنية وتركة كبيرة وتاريخاً لأغنيات لا تموت.
> استحوذ الفنان عبادي الجوهر على مساحة كبيرة في تعاوناتك الغنائية، ما الذي يميز عبادي -في رأيك- عن غيره في تجربته الفنية وإنتاجه الغنائي؟
- الفنان عبادي مدرسة متفردة ومبدعة تعلمت منها الكثير، وظهوره بين عملاقين كطلال وعبده، في وقت يصعب فيه اختراق جدار هذين الفنانين، لكن الفنان عبادي جاء متكئاً على مفرداته، وشق طريقه المختلف، هذا لا يفعله إلا إنسان مبدع وكبير مثل عبادي، وتجمعني به كيمياء شخصية من الحب والتفاهم والصداقة والأخوة، بالإضافة إلى أعمال فنية كبيرة.
> هل كان وجودك بين عملاقي الفن طلال مداح ومحمد عبده مُحرج بالنسبة لك، ومَن أقرب لك في التعامل الفني بينهما؟
- طلال مداح قريب من روحي، ولم أعشق الفن إلا من خلاله، والآن أشعر بالأسف والندم لأنني كنت بعيداً عنه وقصّرت تجاهه كثيراً، لكنّ ذلك بسبب الظروف في مرحلة الشباب، وكنت أتمنى لو عملت معه أكثر، بالإضافة إلى التزامي المتواصل مع الفنان محمد عبده، الأمر الذي شغلني عن الوجود بكثرة مع المرحوم طلال، الذي كنت أنظر إليه كوالد، ونظرة محب ومعجب، ولطالما منعني الحياء عن التعامل معه من شدة تقديري وإكباري له.
والفنان محمد عبده أستاذي، تعرفت على أبو عبد الرحمن وأنا بعمر الـ18 سنة، وعملت برفقته أغاني لا تُعد ولا تُحصى، وآخر تعاوناتي معه أغنية وطنية قبل عام ونصف، بالإضافة إلى أعمال خاصة قبل فترة يسيرة، وعملين آخرين اشتغل على ألحانها الراحل طلال باغر، سيريان النور قريباً.
> ما قصتك في قصيدة «سكة طويلة»، وهل هي أقرب الكلمات إلى قلبك؟
- لم تكن أقرب الكلمات إلى قلبي، فلديَّ الكثير من شعري قريب لقلبي. وقصتها تحكي عن رجل كان في سفر، وعائد إلى أولاده وعائلته، لكن الشوق جعل من المشوار القصير، طويلاً، والسكة تطول على كل مشتاق، كما أن الفنان عبادي أبدع في غنائها، وجعل منها حية وباقية بين الناس.



وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.