دول الخليج أمام مشهد يمني معقد يُدار بأيدٍ إيرانية

تأكيد على أهمية توحيد الصف في وجه التهديدات

صورة من أقمار صناعية تظهر هجوماً بطائرات مسيرة على مصفى للبترول قرب أبوظبي راح ضحيته ثلاثة عاملين في 17 الشهر الماضي (أ.ب)
صورة من أقمار صناعية تظهر هجوماً بطائرات مسيرة على مصفى للبترول قرب أبوظبي راح ضحيته ثلاثة عاملين في 17 الشهر الماضي (أ.ب)
TT

دول الخليج أمام مشهد يمني معقد يُدار بأيدٍ إيرانية

صورة من أقمار صناعية تظهر هجوماً بطائرات مسيرة على مصفى للبترول قرب أبوظبي راح ضحيته ثلاثة عاملين في 17 الشهر الماضي (أ.ب)
صورة من أقمار صناعية تظهر هجوماً بطائرات مسيرة على مصفى للبترول قرب أبوظبي راح ضحيته ثلاثة عاملين في 17 الشهر الماضي (أ.ب)

يرى محللون استراتيجيون خليجيون أن توسيع الحوثية المدعومة من إيران خارطة اعتداءاتها لتشمل دولة الإمارات العربية المتحدة، جاء انعكاساً لخسائرها على الأرض والهزائم التي منيت بها في الفترة الأخيرة. وأكد المحللون في الشأن الاستراتيجي في لقاءات مع «الشرق الأوسط» أنه من الخطأ الافتراض أن قرار توسيع العدوان باتجاه الإمارات كان قراراً حوثياً، لافتين إلى أنه من القرارات الاستراتيجية الحساسة واتُخذ بناء على حسابات استراتيجية إيرانية ولخدمة مصالح إيران الاستراتيجية. ويعتقد المحللون أنفسهم أن الرد السعودي الإماراتي على الاعتداءات الحوثية كان حاسماً ورادعاً وقوياً وفورياً، وينبع هذا الرد من فهم مشترك لطبيعة الحسابات الاستراتيجية الآنية، والبعيدة المدى للتهديدات الإيرانية - الحوثية.
ناقشت «الشرق الأوسط» مع كوكبة من الخبراء الاستراتيجيين الخليجيين التطورات الأمنية الإقليمية الأخيرة في ضوء توسع الاعتداءات الحوثية لتشمل أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة، في أعقاب استهدافها منذ بعض الوقت الأراضي السعودية. وفي هذا الإطار، يحذّر الخبراء من أن المشهد اليمني يزداد تعقيداً سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، وأن الدقائق الأخيرة من ساعة الحرب لم تحن بعد، مشيرين إلى أن الميليشيات الحوثية «تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية لاستمرار الحرب بعد رفضها كل نداءات السلام».

الصقر: قرار التصعيدأكبر من الحوثي
الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس «مركز الخليج للأبحاث»، يقول في تعليقه حول توسيع جماعة الحوثي الإرهابية اعتداءاتها الأخيرة لتشمل دولة الإمارات العربية المتحدة، إنه «من الخطأ الافتراض أن قرار توسيع العدوان كان قراراً حوثياً. قرار العدوان على الإمارات يصنّف من نوع القرارات الاستراتيجية الحساسة التي لا يمكن أن تتخذ على مستوى القيادة الحوثية منفردة، خاصة أنها مجرد قيادة تابعة ومنفذه فقط للمطالب والتوجيهات الإيرانية، فالقرار بتوسيع عملية العدوان اتخذ على مستوى القيادة الإيرانية العليا، واتخذ بناءً على حسابات استراتيجية إيرانية، ولخدمة مصالح إيران الاستراتيجية».
وأضاف بن صقر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «من دون شك، الحسابات الإيرانية تتضمن وضع إيران والميليشيات الحوثية في اليمن، لكنها تتجاوز هذا الأمر لتشمل وضع نفوذ إيران وسيطرتها في عموم المنطقة العربية، وعلاقات إيران الإقليمية والدولية. لذا فإن قرار توسيع العمليات العسكرية في الجزيرة العربية، جاء على خلفية اشتباكات استراتيجية لإيران على عدة جبهات، منها جبهة المفاوضات النووية في فينيا، وخضوع الدولة ونفوذها وسيطرتها لتحديات كبيرة في لبنان، العراق، وسوريا».
وبحسب بن صقر، فإنه «من خلال توسيع رقعة العمليات العسكرية في اليمن، تسعى القيادة الإيرانية إلى إثبات قدرتها على التحدي، وعلى استعداد طهران للتصعيد والمغامرة. وهي في هذا السلوك تحاول تحسين وضعها التفاوضي على جميع الجبهات، عبر إثبات قدراتها على توظيف أذرعها الإقليمية لتهديد الأمن الإقليمي وزعزعة الاستقرار الدولي... وهناك، مما لا شك فيه، قصورٌ دولي في فهم السلوك والعقلية والحسابات الإيرانية تقوم طهران باستغلاله».
رئيس «مركز الخليج للأبحاث» لم يغفل دور التغيرات الميدانية في ردة فعل الحوثيين الأخيرة، فقال: «دون شك، تغيير الواقع الميداني داخل اليمن، وبشكل تدريجي، منذ شهر يونيو (حزيران) العام الماضي، وفشل الوعود الحوثية بقرب فرض السيطرة الكاملة على محافظة مأرب، ثم بداية تحول الوضع العسكري الحوثي من الهجوم إلى الدفاع، وخسارة السيطرة على جميع أرجاء محافظة شبوة، والدخول في معارك فاشلة ومكلفة للمحافظة على مناطق السيطرة في محافظة مأرب... كل هذا قاد إلى تطور حالة من القلق العميق في طهران في ضوء تراكم الخسائر البشرية ضمن العناصر الحوثية المقاتلة، وتراكم الخسائر في المعدات العسكرية التي تتولى إيران توريدها عبر وسائل التهريب للحوثيين».
وتابع: «المشكلة الأساسية في المفهوم الميداني تكمن في تقدم ألوية العمالقة والقوات القبلية الداعمة السريع نحو محافظة مأرب، وهي محافظة ذات قيمة استراتيجية عالية للحوثيين، لكونها من ناحية محافظة نفطية توفر مستقبلاً مصادر مالية داعمة، ولكونها من ناحية أخرى تمتلك حدودا طويلة ومفتوحة مع محافظة صنعاء. لذا فإن مصدر القلق الإيراني - الحوثي يكمن في الحسابات باحتمال انهيار الدفاعات الحوثية في مأرب، ما سيفتح الطريق للتقدم نحو العاصمة صنعاء، وتهديد سيطرة الحوثيين على كامل الشمال اليمني».

الشليمي: المصالح الغربية
من جهته، أوضح الدكتور فهد الشليمي، رئيس «المنتدى الخليجي للأمن والسلام»، أن التصعيد الأخير للحوثيين ضد الإمارات يعود إلى الهزائم المتلاحقة في عدة جبهات داخلية، منها شبوة ومأرب وبعض الأماكن في تعز والبيضاء، إلى جانب السعي للحصول على هدنة التوازن، بحيث إن تصعيد الموقف على المستوى الدولي يجعل المجتمع الدولي والإقليمي يطالب بإيقاف الضرر.
«ومن الأسباب كذلك - بحسب الشليمي - أن ضرب بعض المناطق في الإمارات قد يهدد المصالح الغربية من شركات خاصة وسوق الطاقة، ومحاولة ثني القيادة الإماراتية عن دعم قوات العمالقة الجنوبية التي كبدت الحوثي خسائر كبيرة». وهنا يضيف: «كذلك لا يمكن أن تنطلق هذه الصواريخ من دون موافقة ضمنية إيرانية، خصوصاً أنها تأتي خلال مفاوضات فيينا لخلط الملفات، وتعطي الانطباع أن إيران تستطيع، في حال فشلت المفاوضات، إشعال المنطقة عبر وكلائها مثل حزب الله في لبنان أو الحوثي في اليمن أو الحشد الولائي في العراق».

كاسب: توسع واستمرار في العمليات
أما العميد الدكتور فواز كاسب، وهو محلل استراتيجي وأمني سعودي، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن «إقدام الميليشيات الحوثية الإرهابية على توسيع العمليات الإرهابية لتشمل دولة الإمارات العربية المتحدة، بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ليس بالأمر الجديد». ولفت من ثم إلى أنه «منذ عام 2016، وبداية العمليات العسكرية، كان هناك إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة مفخخة باتجاه الإمارات من قبل الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران. وقد تم التعامل معها بنجاح لتعود مرة أخرى من خلال منظور حوثي مفاده التصعيد بالتصعيد، بعد دخول الإمارات بشكل رئيسي وأساسي ودعم ألوية العمالقة التي تمتلك الخبرة للتعامل في مثل هذه العمليات».
ووفق الدكتور فواز: «يتحقق توسع في العمليات على أرض الواقع، وتحقيق أهداف عالية الأهمية في شبوة ومأرب من خلال الدعم الإماراتي والدعم السابق والمستمر من المملكة العربية السعودية قائدة التحالف، الأمر جعل الحوثي يعود مرة أخرى لتهديد الإمارات تهديداً إرهابياً... وسوف تستمر هذه العمليات، لا سيما أن الحوثي أعلن أن التصعيد بالتصعيد». ويتابع الدكتور فواز كاسب قائلاً: «هذا ما سيجعل ألوية العمالقة تستمر في العمليات العسكرية بالتناغم والتفاعل الإيجابي من القبائل اليمنية وهذا يعطي أهمية للعنصر الاجتماعي». ومن ثم استطرد موضحاً: «كل ما تحقق من انتصارات على الأرض كان بإسناد مستمر وقوي من طيران التحالف، وضرب جميع الأهداف الإرهابية المتحركة والثابتة الأمر الذي أعطى زخماً لألوية العمالقة، وسوف تستمر هذه العمليات».
كذلك، تطرق كاسب إلى اختفاء زعيم المتمردين عبد الملك الحوثي من المشهد السياسي والإعلامي، ومقتل حسن ايرلو القائد الإيراني الفعلي للمعارك على الأرض، وأثر ذلك على تحول المعركة، فقال: «نلاحظ أن جميع الشخصيات اليمنية التي تحلل العمليات الأخيرة، تؤكد وجود تغير في الروح المعنوية والأداء وتراجع لدى الحوثيين، وهو ما يثبت ارتباط هذه الميليشيات وأهمية استغلال ذلك بشكل إيجابي وسريع من قوات التحالف والتوسيع في العمليات العسكرية».

الرد على الاعتداءات الحوثية
عودة للدكتور عبد العزيز بن صقر، الذي يقول: «يوجد توافق سعودي - إماراتي إزاء المخاطر الاستراتيجية لكامل الجزيرة العربية الناشئة عن الوضع اليمني، ومن ضمنها التهديدات المباشرة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يحملها خيار استمرار السيطرة الحوثية على اليمن، واستمرار السيطرة الإيرانية على الحركة الحوثية». ويلفت إلى أنه «من عادة التهديدات والمخاطر تحولها إلى قوة تُوحد المواقف، لكونها توحد المصير. هناك إدراك عميق لدى القيادتين السعودية والإماراتية بوحدة المصير، وكون التهديدات والخطر الإيراني - الحوثي هو خطر توسعي لا يقتصر على دولة واحدة، بل هو خطر إقليمي يمس أمن واستقرار وسلامة أراضي الدولتين».
ويرى رئيس «مركز الخليج للأبحاث» أنه، في قرارها تحدي التهديدات الإيرانية - الحوثية في اليمن، تبنت القيادة السعودية والإماراتية الحسابات الاستراتيجية الآنية، والبعيدة المدى. وأضاف: «التغافل عن حقيقة الاستيلاء غير الشرعي للميليشيات الحوثية على السلطة في اليمن، وعن حقيقة كون الميليشيات الحوثية عصابات من صنيعة الحرس الثوري الإيراني، وترتبط مصيرياً بالدعم والاستراتيجية الإيرانية، سيكون له أثمان وكلف كبيرة، وبعيدة المدى على أمن واستقرار دول مجلس التعاون، وأيضاً على حرية واستقلالية قراراتها السياسية، وحقوقها السيادية، وتحول اليمن إلى مركز عدوان وتهديد وابتزاز إيراني في قلب الجزيرة العربية سيمس سيادة واستقلالية جميع دول المنطقة».
ومن ثم، طالب الدكتور بن صقر بأهمية الاتعاظ من الدرس اللبناني والتجربة اللبنانية المرّة التي جاءت بسبب «التغافل والتخاذل أمام نمو نفوذ وسيطرة ميليشيات حزب الله - اللبناني على زمام السلطة في لبنان، ثم تحولها إلى قوة إقليمية تتدخل وتهدد أمن واستقرار كامل منطقة المشرق العربي لحساب الحرس الثوري الإيراني، وخدمة للمصالح الاستراتيجية التوسعية للإمبراطورية الفارسية الاستعمارية». على حد تعبيره.
وبدوره، أشار الدكتور فهد الشليمي إلى أن البعض كان يعتبر الإرهاب الصاروخي الحوثي ضد السعودية صراعاً بين دولتين، إلا أن انتقال الهجمات إلى دولة غير مجاورة لليمن، في حد ذاته، يشكل انتهاكاً للأمن والسلم الدوليين. ومن ثم، تطرق الشليمي إلى النجاح الدبلوماسي الإماراتي في مجلس الأمن والجامعة العربية، واعتبار الصواريخ الحوثية فعلاً إرهابياً، فقال: «هذه الصواريخ قد تصل إلى قطر والكويت وعمان والبحرين، لكن باختلاف المسار السياسي. أعتقد أن السعودية أثبتت أنها ذات صبر وتكتيك باحترافية دفاعها الجوي الذي صد آلاف الهجمات الجوية، وكانت محقة دائماً في أن منظمة الحوثي إرهابية».
وفيما يخص ردة فعل السعودية والإمارات على الهجمات الحوثية، رجّح العميد الدكتور فواز كاسب أن الدولتين الشقيقتين ستستمران في العمليات، لا سيما في ظل وجود الدعم السياسي والتغير في موقف المجتمع الدولي تجاه الميليشيات الحوثية. وأضاف: «لقد وقع اعتداء حوثي على السفارة الأميركية في صنعاء، وصرح الرئيس (جو) بايدن بأن إدارته تعيد النظر في تصنيف جماعة الحوثي ضمن الجماعات الإرهابية. وبلا شك هذا سوف يزيد الضغط والإرباك على الحوثيين خلال الفترة القادمة».

تعامل دول الخليج مع الملف اليمني

> لفت الدكتور عبد العزيز بن صقر إلى أن هنالك أمراً ما زال غائباً ضمن المنظومة الخليجية، وهو «الإدراك العميق للمخاطر والتهديدات التي تكمن في سياسة إيران التدخلية والتوسعية، والتهديدات البعيدة المدى التي تكمن في توظيف إيران لسياسة تأسيس ودعم الميليشيات الطائفية المسلحة، وتفتيت سلطة الدول القائمة، وخلق دولة داخل دولة، وتوظيف الورقة الطائفية، وإضعاف الهوية والانتماء الديني والوطني والقومي لدى المواطن العربي، لحساب تعميق الولاء الطائفي، الذي يربط عبره الولاء والدعم للسياسة الإيرانية، على حساب المصالح الوطنية والقومية».
وأضاف بن صقر: «تبني بعض دول الخليج العربية سياسة ومواقف متساهلة، وربما متخاذلة ومحابية للموقف الإيراني، وتجنب إدانة السلوك التوسعي والتدخلي أمر مؤسف ومقلق في الوقت نفسه. هذا الأمر ينجر على الموقف الخليجي والعربي من الملف اليمني، فجميع الأطراف الخليجية، ومن ضمنها السعودية والإمارات تؤمن وتعلن جهاراً أن تسوية الصراع في اليمن يجب أن تتم عبر الحلول والتسويات السياسية والمفاوضات الدبلوماسية التي تحافظ على كرامة وحقوق وازدهار الشعب اليمني، وتضمن سيادة الدولة وسلامة أراضيها». ولكن، رغم ذلك، يرى بن صقر أن «تجربة جولات التفاوض المتعددة مع الميليشيات الحوثية، أبرزت قناعة راسخة أن القرار الحقيقي والنهائي يكمن في طهران، ومع القيادة الإيرانية، كما أثبت أن مصلحة إيران تكمن في تخريب أي حل أو تسوية سياسية في اليمن تخدم مصالح الشعب اليمني، طالما أنها تتجاوز أو تُهمش المصالح الاستراتيجية الإيرانية في اليمن... لذا ما هو مطلوب من دول الخليج العربية موقف صلب وموحد قائم على إدراك عميق لحقائق الأزمة اليمنية، وتبني سياسة ومواقف عملية تعكس إدراكا فعليا لحجم التهديدات والمخاطر النابعة من الصراع اليمني».
وهنا، حرص الدكتور فهد الشليمي على التوضيح بأن الملف اليمني «يحتاج توحيد الجهد اليمني ككل، وهو ما شاهدناه في عمليات اليمن السعيد» على حد تعبيره. وأضاف: «نبدأ بقوات الشرعية والمساندة لها، ثم تكون هناك تفاهمات ميدانية على الأرض بحيث تسحب القوات الشرعية في حضرموت (7 ألوية) وتوجهها للحوثي وتفتح جبهات جديدة، والاستمرار في الدعم الجوي، على أن يكون هناك دعم سياسي من الجامعة العربية وهو حصل». واختتم بالقول: «هناك مسؤولية أكبر على دول البحر الأحمر المجاورة لأن هناك قرصنة وألغاماً... وهي مسؤولة عن تأمين هذا الممر الملاحي على شواطئها. كذلك من المهم التوجه إلى ميناء الحُديدة باعتبار اتفاق استوكهولم ليس ذا جدوى، والسيطرة على الميناء، ومنع الحوثي من الاستفادة من الإيرادات».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.