من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

روايتان تتناولان حياة شخصيتين نسويتين مشهورتين

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟
TT

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

من الذي يسرد السيرة الذاتية؟ أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟

تعد السيرة شكلاً من أشكال كتابة التاريخ، ونظراً لأهمية دورها في توثيق حياة المشاهير، غدت من الأدب الشخصي. وتتنوع صيغ كتابة السير الروائية، فمن الترجمة التي تعد أكثر تلك الصيغ قدماً، إلى السيرة الذاتية، والسيرة الغيرية، والسيرة النسوية، وغيرها. وعادة ما تسمى الرواية التي موضوعها شخصية حقيقية مشهورة بـ«رواية السيرة»، وهي تختلف عن الرواية التي موضوعها شخصية متخيلة، تتمركز حولها البطولة، وتلتقي عندها خيوط الحبكة تأزماً وانفراجاً.
ولأن رواية السيرة نمط من أنماط كتابة التاريخ، يغدو التطابق الزماني مع الماضي، - كما يذهب ميشال بوتور - طريقاً لإلقاء نظرة على المستقبل. ووصف فيليب لوجون هذا التطابق بالميثاق السيري الذي بسببه تغدو الحياة منتجة للنص السردي، وليس العكس. وتساءل لوجون، وهو بصدد الضمائر السردية، ما المانع من كتابة المرء سيرته بضمير الغائب؟
وهذا التساؤل يُخفي وراءه إشكالية كبيرة لم يستطع لوجون حلها، وتتعلق بالذي يسرد السيرة الذاتية، أهو مؤلفها أم أن هناك سارداً مستقلاً عنه؟ وهل يختلف الأمر مع كل واحد منهما، فيما إذا كان السرد بضمير المتكلم أو كان بضمير الغائب؟
عموماً تظل الإشكالية مع السيرة الذاتية أكبر منها مع السيرة الغيرية أو الترجمية، لأن في الأخيرة يكون السارد ذا هيئة واضحة مستقلة عن هيئة الشخصية صاحبة السيرة. وتختلف رواية السيرة عن الرواية التسجيلية أو الوثائقية، لأن الأخريين تتعلقان بفترة زمنية محددة أو قضية عامة، بها ترتبط مجموعة من الشخصيات، وإليها تعود الوثائق المدمجة في النص السردي. وعادة ما تستعين الرواية التسجيلية بالكولاج والمونتاج لأجل إعطاء النص سمة وقائعية، وفي الوقت نفسه يتخفى السارد عن أعين القراء.
وأياً كانت السيرة، فإن أهميتها اليوم واضحة، بما صارت تحرزه من تقدم على سائر الأنواع السردية المنضوية في جنس الرواية، فضلاً عن تصدرها عالم الإنتاج الروائي عربياً وعالمياً.
وتتعدد الأسباب وراء هذا الاهتمام الكبير بالكتابة السيرية، منها ما تؤديه من دور تاريخي في توثيق حياة الأشخاص المشهورين وتعريف الناس بها؛ فالسيرة بمثابة وثيقة من وثائق التاريخ. ومنها أيضاً أسباب تزينية تتعلق بالمجتمع الاستهلاكي، في ظل النظام الرأسمالي الجديد، حيث الفرد مستقل بشروط اقتصادية، فيكون من حقه إشهار سيرته أو سيرة أي مشهور من المشاهير، وفي الوقت نفسه يساهم في كتابة تاريخ شخصية، لها حقها في أن توثق مراحل حياتها. وهذه الملكية الخاصة للتاريخ الشخصي يعارضها النظام الاشتراكي الذي يتجنب النظر إلى التاريخ الشخصي ملكية خاصة، كما لا يرى الفرد مستقلاً اقتصادياً ولا المجتمع مستهلكاً وباذخاً.
ولا مجال لتعداد الروايات السيرية، الذاتية منها والغيرية، وهي تتفاوت في الأهمية، لا بحسب طبيعة الرجال والنساء ذوي السير، وإنما أيضاً بحسب فنية الاشتغال السردي وطبيعة التفنن في توظيف فكرة التطابق الزماني وفاعلية السارد فيما يقوم به من مهام السرد والتوثيق التي بها يتحقق الميثاق السردي.
وسنمثل على ذلك بروايتين سيريتين تقاربتا في أنهما اتخذتا موضوعيهما من الأيام الأخيرة في حياة شخصيتين نسويتين مشهورتين، الأولى هي مي زيادة في رواية «مي - ليالي إيزيس كوبيا – ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية» 2018، لواسيني الأعرج، والمرأة الثانية هي معمارية عالمية في رواية «عمتي زهاوي» 2020 لخضير فليح الزيدي.
الرواية الأولى بلا شك وثيقة تاريخية، تضاف إلى سردية التاريخ النسوي، وما في هذا التاريخ من نواقص ومخبوءات مطمورة ومنسية، يمكن للروائي أن يظهرها للعيان، موجهاً معاوله السردية حفراً وتنقيباً في المغيبات والمفقودات.
وإذا كان واسيني الأعرج قد اتخذ من التنقيب في التاريخ طريقاً لبناء روايته، فلأنه أراد من السرد أن يكون غايته، ولتكون روايته من ثم وثيقة من وثائق التاريخ النسوي. وهو ما عبّر عنه المؤلف في ختام الرواية: «ما زلت أؤمن وأنا أنهي ليالي إيزيس كوبيا بأن الرواية أصبحت اليوم أهم سلاح في وجه طغيان النسيان وهزيمة الذاكرة لتحرير التمثال العالق منذ قرون بأعماق الصخرة الصماء» (الرواية، ص350).
وقد تحقق له ذلك بفنية اشتغاله الكتابي على بعدين؛ الأول سردي تمثل في مخطوطة «ليالي العصفورية» التي سمع بها، فراح يبحث عنها حتى وجدها، وبعد ثانٍ ميتاسردي تمثل في لقاء المؤلف بالباحثة روز الخليل، الشغوف بقصة مي زيادة، والأستاذة الجامعية التي ساعدته في العثور على مخطوطة كتبتها مي في أواخر حياتها وأودعتها لدى ممرضتها التي ماتت بعد وفاة مي مباشرة، لتُفقد تلك المخطوطة إلى الأبد.
وقد استغرق أمر العثور على المخطوطة ما يقارب ربع الرواية الأول، لتأتي بعده مي زيادة ساردة سيرتها بلسانها، وكيف قضت أيامها المريرة في مستشفى الأمراض العقلية المسمى بالعصفورية، ثم تنتهي السيرة بعودة المؤلف في الربع الأخير من الرواية إلى الميتاسرد تحت عنوان «هي لم تمت، لكنها شُبهت لهم، ليلة أيلول 2017 وما تلاها»، متخذاً من نفسه سارداً ذاتياً ومعه مي زيادة شخصية مسرودة في صورة روح شفيفة ترافقه وتهمس إليه بالأسرار.
وهذا التلاقي الفني للسرد بالميتاسرد حقق للرواية تطابقاً زمانياً هو بمثابة ميثاق سيري أعطى للرواية سمة وثائقية بـ3 أشكال من التطابق؛ الأول تطابق السارد ياسين الأبيض مع المؤلف واسيني الأعرج، والثاني تطابق مي زيادة الحقيقية مع مي زيادة المسرودة، والثالث تطابق سيميائية الأسماء والأماكن مع المتعالقات النصية، وخارج النصية كالإهداء والشكر.
وكان وراء حرص الكاتب على جعل الشخصيات النسوية هي الغالبة في الرواية دور مهم في اصطباغ السرد بالصبغة النسوية خارقاً في الآن نفسه أهم مواضعة من مواضعات كتابة السيرة الذاتية النسوية من خلال عدم التطابق بين صوتي الساردة والمؤلف اللذين اعتيد أن يكونا متطابقين. وهو ما خلخل الهيمنة الذكورية وقطع الطريق عليها في مزاحمة النسوية حتى محاولة التناصف معها على السيادة السردية. ولو ترك الكاتب الشخصية مي زيادة تدلي بسيرتها من دون توظيف الميتاسرد، ولا الاستعانة بالمخطوطة، لكان أكثر قمعاً للذكورية وأكثر انتصاراً للنسوية، لكنه عند ذاك لن يتمكن من جعل روايته وثيقة تاريخية من وثائق التاريخ النسوي، ومندرجة أيضاً في خانة الأدب النسوي، كما فعل باستعمال المخطوطة، وكان موفقاً بشكل كبير.
أما رواية «عمتي زهاوي» فلم تضف إلى التاريخ النسوي أي إضافة، أولاً لأن المؤلف لم يترك العمة تتحدث بصوتها، بل قمعها حين قدّم صفتها الخصوصية عمةً على صفتها العمومية مهندسةً عالميةً، ليس لها نظير في العمارة ما بعد الحداثية.
وإذا كان العنوان والاستهلال يوحيان بأن الرواية ستتمحور حول هذه الشخصية المشهورة، فإن المتحصل هو اقتصار كتابة سيرتها على الفصل الأول المعنون «حسن العمة» الذي فيه يسرد حسن ابن أخيها قصة أيامها الأخيرة قبل موتها الغامض في إحدى مشافي أميركا، ومن بعدها تغيب الشخصية عن السرد مع انتهاء دور السارد حسن، لتقوم شخصيات أُخر بتولي السرد في الفصول اللاحقة من الرواية.
وأما ما ركز عليه الفصل الأول من ناحية المشروع الهندسي العجائبي، فاضمحل تدريجياً مع الأصوات السردية الثلاثة؛ لحسن رضا غناوي، ولميس الحموي، والحاج صبري الكرخي، وصار المشروع في الفصل الأخير موضوعاً من موضوعات تعج بها الساحة العراقية، مما يتعلق بالمشروعات الوهمية وغسيل الأموال وشراء الذمم والفساد المالي، ناهيك عن مسائل الواقع المعاش من قبيل الإرهاب الذي عبّر عنه السارد بتنظيم أهل الجنة على غرار «تنظيم داعش».
وبدلاً من أن يجعل الكاتب من روايته طريقاً جمالياً للبحث عن الحقيقة في ظل عالم منحط، فإنه سلك أقصر ما يمكن من هذا الطريق، تاركاً أشواطاً أخرى تقاعس عن إكمالها؛ إما لأنه كان على عجلة من أمره، أو ليأس خامره من بلوغ الحقيقة. فختم روايته بسارد موضوعي، ما أضاع على الرواية فنية التعدد في الأصوات السردية، كما أن تعدد الساردين حال دون أن تكون رواية سيرة نسوية، فضلاً عما ترشح في آخر فصل حمل عنوان «هذه ليلتي» من وجهة نظر آيديولوجية، كشف عنها زواج حسن غناوي من لميس الحموي بعد موت الحاج صبري.
أما ما يوحي بها عنوان الرواية مع استهلالها وفصلها الكولاجي، تحت عنوان «كلام جرائد»، وإشارة المؤلف الافتتاحية: «التقريران الصحافيان كانا السبب في إلهامي نسيج حكاية الرواية...».
وزاد في توكيد هذا التقاطع تقسيم الرواية إلى 5 فصول، أربعة منها تسرد بلسان سارد ذاتي، والفصل الأخير يسرده سارد موضوعي، وما أراد السارد الأول توكيده، وهو سرد سيرة نسوية، خيّب الساردون الثلاثة أفق التوقع فيه بتركيزهم على المشروع الهندسي الذي حلّ محل الشخصية، وغدت الرواية واقعية تقليدية. وكان بإمكان المؤلف أن يجعلها رواية سيرة، ويتخذ من هذه الشخصية المشهورة هدفاً، لا مجرد وسيلة لهدف هو في الحقيقة لم يقدم ولم يؤخر فيما نعرفه.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي