«حزب الله» يحوّل «اليونيفيل» إلى «صندوق بريد»

اعتداءات متكررة على دوريات الأمم المتحدة باسم «الأهالي» في جنوب لبنان

«حزب الله» يحوّل «اليونيفيل» إلى «صندوق بريد»
TT

«حزب الله» يحوّل «اليونيفيل» إلى «صندوق بريد»

«حزب الله» يحوّل «اليونيفيل» إلى «صندوق بريد»

حوّلت الاعتداءات المتكررة على قوات حفظ السلام الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) البعثة الدولية إلى «صندوق بريد سياسي»، توجه عبره رسائل سياسية إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
اعتراض دوريات البعثة الدولية لم يكن في أي وقت سابق، بهذا الكم، إذ سجلت 3 حوادث خلال شهر واحد، في ظل تأزم محلي، ومطالب دولية بنزع سلاح «حزب الله» عبر تنفيذ القرارات الدولية، بينها 1701 و1559. بموازاة تغيّر في المزاج السياسي الداخلي نحو استيعاب الحزب كقوة عسكرية في داخل البلاد. أما اللافت في حوادث اعتراض القوات الدولية، فهو ردة فعل «اليونيفيل»، التي صعّدت اللهجة ضد المرتكبين، وطالبت السلطات اللبنانية بالتحقيق وإحالة المتورطين إلى المحاسبة. وهذا مؤشر على تبدل في خطاب البعثة التي كانت تكتفي بالإعلان عن التحقيق في الأحداث، والتنسيق مع الجيش اللبناني. وجزمت في البيانات والتصريحات التي تلت الاعتداءات الثلاثة الأخيرة، بأن ذرائع السكان غير صحيحة.

في أغسطس (آب) من العام 2006، بموجب القرار الدولي رقم 1701 الذي أنهى الحرب الإسرائيلية على لبنان، أذن المجلس لقوة «اليونيفيل» باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية في مناطق انتشار قواتها، وحسبما يقتضيه الوضع في حدود قدراتها، لضمان ألا تُستخدَم مناطق عملياتها لأي أنشطة عدائية من أي نوع كان، ومقاومة المحاولات التي تهدف إلى منعها بالقوة من القيام بواجباتها التي نص عليها تكليف مجلس الأمن. ويضاف إلى ذلك حماية موظفي ومرافق ومنشآت ومعدات الأمم المتحدة، وكفالة أمن وحرية تنقل موظفي الأمم المتحدة والعاملين في مجال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين المعرضين لخطر العنف الجسدي، دون المساس بمسؤوليات حكومة لبنان.
لقد شكّل هذا القرار توسعة لمهام البعثة الدولية عما كان الأمر عليه بعد تشكيل البعثة في المرحلة الأولى في العام 1978 لتنفيذ القرار 425. ومنذ ذلك الوقت، تسيّر البعثة الدولية يومياً ما يزيد عن 400 دورية، يشارك الجيش اللبناني بنسبة تصل إلى 35 دورية يومياً، ونادراً ما تعرضت القوات الدولية لاعتداءات أو محاولة عرقلة لمهامها، إلا في حالات نادرة كانت على الأغلب تحدث قبل فترة التمديد لولايتها في أغسطس من كل سنة.
لكن خلال الشهر الأخير وحده، سُجّلت 3 اعتداءات، وهو رقم كبير نسبة إلى حوادث التعرض السابقة، ما رسم مؤشرات على تبدل سياسي وميداني، سهل لهذه الأحداث. وخلال شهرين، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تعرضت قوات «اليونيفيل» لـ3 اعتداءات منفصلة. الأول حصل في بلدة شقرا يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) على خلفية اتهام الجنود بالتقاط صور، أما الثاني فحصل في بنت جبيل في 3 يناير (كانون الثاني) الحالي؛ حيث أقدم أشخاص على مهاجمة دورية للقوات الدولية. وأما الثالث فوقع في 25 ديسمبر (كانون الأول) أيضاً في بلدة رامية الحدودية، علماً بأن الاتهامات المحلية كانت توجه إلى «الأهالي».
«الأهالي» و«حزب الله»
ترفض الدكتورة منى فياض، الأكاديمية والباحثة اللبنانية في علم النفس السياسي، الاتهامات لـ«الأهالي» بالوقوف وراء الاعتداءات، معتبرة أن هذه الذرائع «لا تنطلي على أحد»، ومشيرة إلى أن «حزب الله» يختبئ وراء الأهالي فيها. وتشرح فياض في حديث لـ«الشرق الأوسط» المسار الذي يتبعه الحزب في هذا السياق، قائلة: «(حزب الله) استطاع أن يتوصل مع مرور الوقت إلى إيجاد مراكز سلطة رديفة ومستقلة عن الدولة، أمّنت له أرضية لفرض ثنائية وازدواجية في السلطة؛ حيث يوجد الحزب وتوجد الدولة». ثم تضيف أن إحدى الوسائل الأساسية التي اعتمدها للوصول إلى هذا الأمر «التحدث باسم المجتمع المقاوم، وإعطاء اسم (الأهالي) للفئات التي يحركها من الطائفة الشيعية، بشكل خاص، كلما احتاج لخدمتها للضغط على طرف معين، كي لا يكون في الواجهة... إذ يلجأ إلى الأهالي بدلاً من أن ينزل كحزب ليقوم بالضغط بنفسه».

- دوافع سياسية
في الواقع، أثارت حوادث الاعتداء الأخيرة جملة أسئلة عن الدوافع والرسائل السياسية الموجهة للبعثة الدولية. وردّت عليها «اليونيفيل» بدعوة السلطات اللبنانية للتحقيق فيهما، وتقديم المرتكبين للعدالة. وكانت البيانات لافتة بمضمونها التصعيدي لجهة رفض «حرمان اليونيفيل من حرية الحركة»، كما جاء في بيان المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك.
الدكتورة فياض تشير إلى الاعتداء الأخير على «اليونيفيل» قبل أيام؛ حيث اعتُدي على دورية روتينية كانت تقوم بدورها، ولم تكن تدخل أي مكان ممنوع عندما اعتُرض سبيل آلياتها، وهذا استكمال لمسار سابق؛ حيث «تكررت الاعتداءات بحجة أنهم يدخلون شوارع لم يكن بالوارد دخولها من دون دخول الجيش اللبناني». وتضيف فياض أن «هذه الاعتداءات تأتي بالتزامن مع شعور أهالي الجنوب أنهم في حاجة إلى اليونيفيل، بالنظر إلى أن الأمن والسلام الذي ينعمون به منذ تطبيق القرار 1701 بعد حرب 2006 لم ينعموا به في أي مرحلة سابقة». وتتابع لافتة إلى أن الجنوب تمتع بالأمان منذ ذلك الوقت، حتى في فترة التفجيرات والتوترات التي طالت بيروت ومناطق أخرى، ولم تسجل أي حادثة باستثناء اغتيال الباحث المعارض للحزب لقمان سليم في فبراير (شباط) الماضي، مع أن المنطقة مليئة بالكاميرات، ويفترض أن يكون الحزب يعرف تفاصيل فيها.
أيضاً، توضح فياض هنا أن الحزب «استخدم معادلة (جيش وشعب ومقاومة وأهالي) ليقوم بالأمور التي تمارس الضغوط من دون أن يظهر في الصورة». وحقاً «لا يظهر (حزب الله) في صورة الاعتداءات بشكل علني، ويبرز الأهالي بدلاً منه، لأنه يريد الإيحاء بالشكل أنه يطبق (القرار 1701)».

- تغيّر في لهجة «اليونيفيل»
من جهة ثانية، بعد الاعتداء الأخير في 25 يناير، قال الناطق الرسمي باسم «اليونيفيل» أندريا تيننتي، في بيان، إن «جنود حفظ السلام لم يكونوا على أملاك خاصة، ولكن على طريق عام يسلكونه في العادة، وكانوا يقومون بعملهم لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701 والحفاظ على الاستقرار في جنوب لبنان». وأكد الناطق الأممي أنه «بموجب القرار 1701، تتمتع اليونيفيل بحرية الحركة الكاملة والحق في القيام بدوريات داخل منطقة عملياتها». ورأى أن «الاعتداءات على الرجال والنساء الذين يخدمون قضية السلام تعتبر جرائم بموجب القانونين اللبناني والدولي»، داعياً «السلطات اللبنانية إلى التحقيق في هذه الجريمة ومحاكمة المسؤولين عنها».
في هذا السياق، يبدو هذا البيان تحولاً في تحرك «اليونيفيل» تجاه التعرض لجنودها. وحسب الدكتورة فياض، الذريعة القائلة إن الأهالي يقفون وراء الاعتداء، أو الادعاء أن جنود البعثة كانوا يصوّرون، وتم اعتراضهم، «لم تعد ذرائع يصدقها أو يتجاهلها جنود البعثة». وتلاحظ هنا أن «لهجة الناطقين باسم اليونيفيل تغيرت عن السابق، وبدأت المواجهة تتنامى... فهم يتلمسون طريقاً لتغيير المعادلة، وليصير لهم دور أفضل». أيضاً ترى فياض أن هذه التغيرات «ليست متعلقة بلبنان فقط، بل بإطار المباحثات في فيينا التي للولايات المتحدة دور كبير فيها»، آسفة لتغييب السلطات الشرعية في الجنوب؛ حيث يفترض أن يكون الجيش اللبناني هو المرجع الأساسي، ولا سلاح إلا سلاحه.

- رسائل دولية
من جانب آخر، يقرأ الباحث السياسي والعسكري اللبناني العميد الركن خالد حمادة أبعاداً تتخطى توجيه أنشطة «اليونيفيل» في منطقة جنوب الليطاني. ويتوقف عند التوقيت الذي يعتبره أكثر أهمية من الحدث نفسه، بصرف النظر عن تكراراته في الآونة الأخيرة.
إذ يقول العميد حمادة لـ«الشرق الأوسط» إن اعتراض «اليونيفيل» المتكرر «الذي بلا شك يقف (حزب الله) وراءه مرتبط بمجموعة تطورات إقليمية» تؤشر إلى متغيرات ميدانية مهمة في المنطقة، و«تسعى من خلالها إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية في رد فعل على انكساراتها وتعثرها في المنطقة». ويستطرد قائلاً إن الاعتداءات على اليونيفيل في لبنان «لا يمكن احتساب الجهة المسؤولة عنها على أنها (حزب الله)، بل إيران نفسها، كون الحزب هو ذراع إيرانية في لبنان».
ومن ثم، يشرح حمادة فيقول إن «كل الأوراق الإقليمية تسعى إيران لخلطها». وفي هذا الإطار، يشير إلى «التطورات العراقية لجهة تعثر العملية السياسية والمصاعب في تشكيل الحكومة، ومحاولة اغتيال رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي في وقت سابق، والاعتداءات المتكررة بالصواريخ على دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وغير ذلك، ما يؤشر إلى ردود فعل إيرانية في كل مكان تتمتع فيه بنفوذ». كذلك، يرى حمادة أن الهجوم الذي نفذه «داعش» على سجن غوران في شمال شرقي سوريا «هو واحد من الأوراق التي تستخدم إيرانياً للضغط في المنطقة»، وينضم إليها لبنان «المنهار سياسياً»؛ حيث «تستخدم ورقة اليونيفيل».
حسب العميد الركن حمادة، فإن إيران «تستخدم كل تلك الأوراق كردود فعل على تعثرها، وتنفّذها في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ، وهي العواصم التي زعمت في وقت سابق أنها تسيطر عليها». وبناءً عليه، فالتعرض لليونيفيل ضمن هذه السياسة الإيرانية «بالنظر إلى أن (حزب الله) هو فصيل إيراني ينفذ سياسة طهران، وليس له أي قرار خاص بمعزل عن طهران».
كذلك، إذ يشير الباحث العسكري والاستراتيجي اللبناني إلى أن الرسالة الإيرانية تفيد بأنها قادرة على تعطيل مفاعيل القرار 1701 ووضعه خارج الاستعمال «إلا حيث يريد (حزب الله)». ويرى أن لبنان «عاجز عن الرد على هذا الانتهاك أو إيقافه، ولذا يتصرف معه كما تجري العادة وفق سياسة تمييع تشبه المواقف التي يتخذها في ملفات أخرى متصلة بالحزب، مثل ردّ الدولة (وليس الحكومة) على المبادرة الخليجية التي حملها وزير خارجية الكويت إلى بيروت في الأسبوع الماضي».

- مظلة أممية
في هذه الأثناء، تتصاعد المخاوف في الجنوب من أن تؤدي تلك التعديات إلى رفع المظلة الدولية وانسحاب قوات «اليونيفيل» من لبنان، ما يفقد لبنان غطاء دولياً هو من أواخر المظلات الدولية في البلاد. ولكن حمادة، يخالف هنا هذا التقدير، إذ يرى أن القوات الدولية «ستبقى، ولن تفرض الاعتداءات انسحاب اليونيفيل»، ويضيف أن تكرار التعرض للبعثة الدولية «ستنتج عنه ردات فعل دولية، وربما اجتماعات في مجلس الأمن، وتحويل الملف إلى الفصل السابع، ما يعني مزيداً من العقوبات والتصعيد». ثم يؤكد أن مجلس الأمن «لن يرضخ لتعطيل قرار دولي ولن يسمح بابتزازه»، وفي المقابل «لا يريد الحزب أن تخرج القوات الدولية، وبالتالي يفقد ورقة ابتزاز ثمينة بين يديه»، متسائلاً: «إذا غادرت القوات الدولية، فما هي السيناريوهات؟ هل سيزيد الحزب عسكرة المنطقة التي عسكرها منذ العام 2000؟»
على هذا التساؤل يجيب العميد حمادة بأن هناك خطاً دولياً أحمر يتمثل في «إبقاء اليونيفيل»؛ حيث «تلتقي المصلحة الإسرائيلية بأن تُعهد المنطقة إلى القوة الدولية كونها ضرورة أمنية لإسرائيل، مع مصلحة إيرانية بأن تبقى القوات الدولية كورقة يجري لعبها والتفاوض على أساسها». أما عن موقف (حزب الله)، فيرى حمادة أنه «يريد الإبقاء على القوات الدولية والقرار 1701 كي يتفرغ في المقابل للداخل اللبناني، ويدفع إلى تنفيذ القرار بالنكهة الإيرانية وبما يتناسب معها، بمعنى إفراغ القرار الدولي من مضمونه وتنفيذه بما يتناسب مع أهوائه».

- مهام أمنية وإنسانية
يمنح قرار مجلس الأمن 1701 المؤرخ في 11 أغسطس 2006 قوات «اليونيفيل» مهام «رصد وقف الأعمال العدائية»، و«مرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية خلال انتشارها في جميع أنحاء جنوب لبنان، بما في ذلك على طول الخط الأزرق، بينما تسحب إسرائيل قواتها المسلحة من لبنان».
كذلك، يمنح القرار هذه القوات المهام التالي...
- تنسيق الأنشطة المشار إليها في الفقرة السابقة (أعلاه) مع حكومة لبنان وحكومة إسرائيل.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين والعودة الطوعية والآمنة للنازحين.
- مساعدة القوات المسلحة اللبنانية في اتخاذ خطوات ترمي إلى إنشاء منطقة، بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، خالية من أي عناصر مسلّحة، أو موجودات وأسلحة غير تلك التابعة لحكومة لبنان وقوة اليونيفيل المنتشرة في هذه المنطقة.
- مساعدة حكومة لبنان، بناء على طلبها، في تأمين حدودها ونقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو الأعتدة ذات الصلة إلى لبنان من دون موافقة الحكومة.
وتظهر سجلات البعثة الدولية أنه خلال العام 2021، نفّذ عناصر «اليونيفيل» أكثر من 180 ألف نشاط عملياتي، وأكثر من 400 مشروع، كما قدّمت اليونيفيل الدعم للجيش اللبناني «الذي يعتبر الأساس للوصول إلى هدفنا في توفير سلام مستدام في جنوب لبنان».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.