كيف نجا موليير من براثن الأصولية والأصوليين؟

فرنسا تحتفي بمرور 400 سنة على ولادته

موليير
موليير
TT

كيف نجا موليير من براثن الأصولية والأصوليين؟

موليير
موليير

يعدّ موليير مفخرة الفرنسيين مثلما أن شكسبير هو مفخرة الإنجليز. كلاهما أبدع من المسرحيات العبقرية، ما أدى إلى تخليده على مدار العصور والأجيال. بل أصبحت أسماء مسرحياتهما معروفة كونياً ورائجة على كل شفة ولسان. فمن لم يسمع باسم «روميو وجولييت» مثلاً، أو «تاجر البندقية»، أو «هاملت»، أو «ماكبث»، لشكسبير؟ من لم يسمع بمسرحية «دون جوان»، أو «البخيل»، أو «المريض الوهمي الوسواسي»، أو «البورجوازي النبيل»... إلخ، لموليير؟ وكلها تكاد تميتك من الضحك لأن موليير على عكس شكسبير كان كوميدياً هزلياً لا تراجيدياً. ثم بالأخص من لم يسمع بمسرحية «طرطوف أو المنافق» التي سوف تحظى بكل اهتمامنا بعد قليل.
مناسبة هذا الحديث هو أن فرنسا تحتفل هذا العام بمرور 400 سنة على ولادة هذا العبقري العملاق (1622 - 2022). وقد كرست له معارض فنية واحتفالات كبرى في مدينة فرساي على وجه الخصوص. وذلك لأن فرساي كانت هي عاصمة فرنسا آنذاك إبان العهد الملكي. كانت عاصمة العالم. وفيها يوجد إحدى عجائب الدنيا السبع؛ قصر فرساي العظيم.
لماذا تحظى مسرحية طرطوف بكل هذه الأهمية؟ لأنها رائعته الكبرى أولاً. ثم لأنها طرحت موضوعاً حساساً جداً يتعلق بالدين أو بالأحرى برجال الدين المتزمتين المتقعرين، وليس برجال الدين الأتقياء الصادقين المؤمنين. وشتان ما بينهما. انظروا بعض الدعاة المتملقين المتاجرين بالدين؛ لقد أصبحوا مليونيرين! على العموم كان الكهنة من رجال الدين ذوي أهمية كبرى في عهد موليير. كانوا يصولون ويجولون ويرعبون الناس. أما اليوم فما عادوا يخيفون أحداً في فرنسا، بل هم الخائفون المتوارون عن الأنظار. ينبغي أن نعود 400 سنة إلى الوراء لكي نعرف أين كانت فرنسا وكيف أصبحت. في ذلك الوقت كان الملك لويس الرابع عشر يخاف هو ذاته من الكهنة المتشددين. فما بالك بالآخرين؟ هذا الملك الجبار الذي أرعب أوروبا كلها وأصبح أشهر ملك في تاريخ فرنسا إلى درجة أنهم لقبوه «بالملك - الشمس» كان يخاف فقط من فئة واحدة في الشعب الفرنسي هي فئة رجال الدين. وكان زعيم الأصولية الكاثوليكية آنذاك خطيباً مفوهاً لا يشق له غبار ويدعى بوسويه. وهو الذي كان الملك يخشاه أكثر من سواه. فهو وحده الذي كان يستطيع أن يوبخ ملك فرنسا أو يؤنبه ويزجره إذا شاء. في الواقع، رجال الدين كانوا يعيبون على لويس الرابع عشر عدم تقيده بالأخلاق المسيحية الصارمة في حياته الشخصية. وفي عام 1664 عندما صدرت مسرحية «طرطوف» كان عمر الملك 25 سنة فقط. وهذا يعني أنه كان في عز شبابه ولا يستطيع أن يتقيد كلياً بنصائح رجال الدين ومواعظهم. وكان يشعر أنه محاصر أو مراقب تماماً من قبل الكهنة الذين يملأون ردهات القصر الملكي. وهؤلاء وظيفتهم إرشاد الناس إلى التقى والورع والتقيد بالقيم الأخلاقية للدين المسيحي. في مثل هذه الظروف ظهرت مسرحية «طرطوف أو المنافق». لقد ظهرت بإيعاز سري من الملك شخصياً. كان يريد أن يصفي حساباته مع الكهنة والأصوليين المتزمتين المتحجرين الذين لا همّ لهم إلا مراقبة الناس في حياتهم الشخصية وتقريعهم وزجرهم. فأوعز إلى موليير بأن يكتبها. بمعنى آخر، كان الملك يريد أن يستخدم هذه المسرحية كسلاح ضد المتزمتين والمتقعرين الذين يراقبونه باستمرار ويحدون من حريته الشخصية ويلومونه بشدة على مغامراته الغرامية. بمعنى آخر أيضاً، ما كان موليير ليتجرأ على تأليفها لولا الضوء الأخضر الذي صدر عن الملك شخصياً. ولكن بعد أن مثلوها على خشبة المسرح لأول مرة جنّ جنون رجال الدين داخل القصر وخارجه وهاجت على موليير الهوائج. وأدانها فوراً مطران باريس الكبير وكفّرها واعتبرها معادية للعقيدة المقدسة. وعندئذ خاف لويس الرابع عشر من ردة فعل الشارع الأصولي وتراجع فوراً وأمر بمنع تمثيلها بعد اليوم. وبما أن فرنسا كانت كلها متدينة آنذاك فإن الملك عرف معنى خطورة الأمر. على أي حال، لقد اندلعت معركة كبرى حولها بين المجددين والمحافظين. واستمرت هذه المعركة مدة 5 سنوات متواصلة حتى عادت إلى خشبة المسرح من جديد. ولكنها لم تعد قبل أن يقدم موليير بعض التنازلات، حتى فيما يخص الاسم. فبدلاً من أن كانت «طرطوف أو المنافق» أصبحت «طرطوف أو المنافق المزيف». بمعنى أنه لا يقصد عموم رجال الدين، وإنما يقصد فقط فئة معينة مرائية لا علاقة لها بالدين إلا بشكل سطحي ظاهري.
يقول أحد المثقفين المعاصرين؛ لقد كانت تلك معركة كبرى من أجل حرية التعبير والتفكير في وقت كانت فيه هذه الحرية ضيقة ومحصورة جداً في فرنسا. كانت معركة من أجل الإبداع الفني والمسرحي. فهي تروي لنا قصة الضغوط القمعية التي كان الكهنة يمارسونها على المبدعين والفنانين. وهي ضغوط كان يمارسها الأصوليون المسيحيون على عموم الكتاب والمثقفين. ومعلوم أن الكنيسة الكاثوليكية كانت قوية جداً آنذاك، بل في أوج قوتها وجبروتها. نحن في القرن السابع عشر. وكانت هي التي تخلع المشروعية الإلهية على الملوك. فإذا بشخص صعلوك يدعى جان باتيست بوكلان الملقب بموليير يجيء لكي يستهزئ بها ويتحداها بواسطة هذه المسرحية الهزلية التي تسخر من الكهنة ورجال الدين. ومعلوم أن موليير كان شخصاً متحرراً من التزمت الديني كلياً. كان مسيحياً بطبيعة الحال كبقية الفرنسيين، ولكن ما كان ملتزماً بالطقوس والشعائر بحذافيرها وبشكل حرفي. ولهذا السبب فإن الأصوليين المتشددين كانوا يعتبرونه «فاسقاً داعراً»، أو «زنديقاً ملحداً». وقد احمرت أعينهم عليه وهموا بتصفيته لولا أن الملك تصدى لهم.
بعد أن شاهدوها على مضض، اعتبرها رجال الدين من أدبيات التجديف والكفر. وهددوا صاحبها مباشرة. بل هددوا كل من يذهب إلى المسرح لمشاهدتها بفتوى التكفير والفصل من الكنيسة. وكان مطران باريس هاردوان دو بيريفكس على رأس المناهضين لهذه المسرحية. وأصبح العدو اللدود لموليير. ويمكن القول إن موليير نجا من المحرقة بأعجوبة. ومعلوم أن محاكم التفتيش كانت لا يزال أوارها مشتعلاً آنذاك. وما كانوا يحرقون كتبك أو مؤلفاتك فقط وإنما كانوا يحرقونك أنت شخصياً معها أيضاً. كان يكفي أن يشعلوا النار في الساحة العامة بباريس ويلقوك فيها أنت وكتبك طعمة للنيران. لم تكن السلطات الدينية تمزح في مثل هذه الشؤون الحساسة جداً. وهذا ما فعلوه قبل صدور مسرحية موليير بسنتين عام 1662 عندما حرقوا في الساحة العامة أمام أنظار المارة والمشاهدين شاعراً شاباً بتهمة التجديف والكفر والاستهزاء بالمقدسات. هذا الشاعر المسكين الذي التهمته النيران كان يصرخ ويزعق أمام أنظار المشاهدين الباريسيين وهو لا يزال في الثالثة والعشرين من عمره فقط. وكان يدعى كلود لو بتي. وبالتالي فليحسد موليير نفسه؛ لقد نجا من المحرقة بأعجوبة وفي آخر لحظة.
قلنا سابقاً إن لويس الرابع عشر استخدم موليير كرأس حربة ضد الأصولية والأصوليين، ضد التزمت والمتزمتين. فبعد أن لاموه كثيراً على تصرفاته الشخصية وعدم تقيده بالتقاليد المسيحية أراد توجيه رسالة معينة لهم من خلال موليير. وهي رسالة تقول لهم ضمنياً ما معناه؛ خففوا من تزمتكم وغلوكم في الدين. الدين يسر لا عسر. على هذا النحو أصبح الفن سلاحاً فعالاً في معركة الفكر والحريات، وأصبح الملك ذاته بحاجة إلى موليير.
على أي حال، عندما منعوا المسرحية أو أوقفوا عرضها انزعج موليير جداً وشعر بأنهم قمعوه وأهانوه، ولذلك صرخ قائلاً؛ أنا فنان، أنا حر! نقول ذلك وبخاصة أن موليير لم يهاجم الدين ولا رجال الدين عموماً وإنما هاجم فقط فئة معينة منافقة تتظاهر بالدين أو بالتدين الكاذب، وهي أبعد ما تكون عن التقى والورع الحقيقي. لهذا السبب احتلت هذه المسرحية مكانة هامة جداً، ليس فقط في حياة موليير ذاته، وإنما في تاريخ فرنسا كلها.
أخيراً فالسؤال المطروح هو التالي؛ ماذا سيفعل موليير لو خرج من قبره الآن وعاش في القرن الحادي والعشرين بدلاً من القرن السابع عشر؟ أولاً لن يصدق ما يراه بأم عينيه في باريس. لن يصدق أن فرنسا تخلصت كلياً من الرقابة القمعية الأصولية المتزمتة إلى مثل هذه الدرجة. لن يصدق أنه لم يعد أحد يخاف من رجال الدين في فرنسا إذا ما كتب أو نشر أو أبدع أو عبّر عن رأيه. بل ربما شعر بأن الآية أصبحت معكوسة؛ بمعنى أن رجال الدين أصبحوا هم الخائفون، المقموعون، المرعوبون. وسوف يفرك عينيه تعجباً ولن يصدق ما يشاهده على شاشات التلفزيون عندما يراهم يستهزئون ليس فقط برجال الدين وإنما بالبابا ذاته، حتى بقدس الأقداس المسيحية! ولا أحد يعاقبهم أو يحاسبهم حتى يسائلهم. وربما قال؛ لقد زادوها «شوية» في الاتجاه المعاكس...
أخيراً ينبغي العلم أن الفن كان مكروهاً جداً في عصر موليير. كانوا ينظرون إلى الممثلة وكأنها مومس أو داعرة. ولذلك كانوا يرفضون تقديم المباركة الكنسية لها عند الموت إلا بعد أن تتنكر لمهنة التمثيل أمام الصليب وتتبرأ منها. وهذا ما حصل لموليير ذاته أيضاً. فعندما جاءته لحظة الموت طلبوا له كاهناً لكي يعطيه البراءة الكنسية الضرورية لكي يحظى بمرضاة الله ويدخل الجنة ويرحل مطمئناً سعيداً عن هذا العالم. ولكن الكاهن الأول الذي طلبوه رفض المجيء قائلاً إن هذا الشخص كافر، نجس، لا يستحق. وكذلك فعل الكاهن الثاني. ثم عثروا على كاهن ثالث قبل على مضض بأن يعطيه «مسحة المرضى» أو الشعائر النهائية، ولكن المشكلة هي أنه وصل متأخراً بعد أن كان موليير قد مات «وطلعت روحه».



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.