«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

الإماراتي علي أبو الريش «يتحرش» بالتابو السياسي

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية
TT

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

«تل الصنم».. البطولة المضادة وتشتيت القصة المحورية

لا تنتمي «تل الصنم» للروائي الإماراتي علي أبو الريش إلى نمط الروايات التقليدية، لأنها لا تنطوي على قصة محددة، فلقد عمد الروائي منذ مفتتح النص وحتى نهايته إلى تشتيت البؤرة القصصية وتوزيعها بالتساوي على مدار النص الروائي، وقد نجح في ذلك من خلال وجود الشخصيات المتنامية التي انتظمت في أنساق سردية مكثفة أوصلتنا في خاتمة المطاف إلى تحرر الشخصيات الرئيسية من عقدة الخوف التي ظلت جاثمة على صدورهم لمدة زمنية طويلة.
إنّ مَنْ يدقِّق في الشخصيات الأساسية لهذه الرواية سيكتشف من دون عناء أنها ثلاث شخصيات رئيسة يرتكز عليها الهيكل المعماري للنص الروائي، وهي المعتوه والضرير والمرأة الطيبة، لكن هذا لا يلغي دور الشخصيات الثانوية التي لعبت أدوارًا خاطفة، ثم واجهت مصائرها المحتومة أو انزوت أو تلاشت لسبب من الأسباب مثل صلّوحة المجنونة التي لفظت أنفاسها في مستشفى بائس، وحميد الخِبلة الذي فارقت روحه جسده في خرابة، وحمود البيدار الذي انفجر في لحظة غضب ورفض الانصياع لأوامر سيده ومصدر رزقه صاحب النخل.
وبما أن القصة المحورية للرواية مشتتة، فلا بد من تجميع ثيماتها الرئيسية التي تتوهج على ألسنة الشخصيات الثلاث، وإن كان الضرير أكثرهم إنتاجًا للأفكار وأقدرهم على صياغة الرؤى التي تتماوج أمام بصيرته الثاقبة التي أدهشت الناس، وجعلتهم يشكّون في عماه، خصوصًا حينما فضّ النزاع بين مشترٍ كان يظن أن السمكة التي اقتناها فاسدة، وبائع السمك الذي كان يدافع عن جودة بضاعته، فما كان من الضرير إلا فتح خيشوم السمكة وجعله يرى غلاصمها الحمراء التي تثبت سلامتها من الفساد.
لم يكن «معتوه»، الاسم الذي يشير إلى صاحبه، معتوهًا، بحق لكن إسناد هذا الاسم إليه جعله أشهر من نارٍ على علَم. لم يهبط هذا الاسم من السماء، وإنما اجترحه صاحبه اجتراحًا نتيجة لسلوكه اليومي الذي لا يخلو من شقاوة؛ فهو يضرب هذا الصبي، ويشاكس ذاك، ويسرق من هذه النبقة، ويتسلق إلى أعشاش العصافير لأنه يحبها مُحطمًا أغصان الأشجار ومستثيرًا غضب نساء الحي، لكن السؤال الأكثر أهمية هو: مَنْ يحدِّد مفهوم المجنون مِن العاقل؟ ومَنْ يضع العقل في مَنْ؟ لا بد مِن وجود قوى خفية قادرة على هذا الفعل الذي يبدو خارجًا عن المألوف وخارقًا للعادة!
يتعرّف القارئ على طفولة معتوه من خلال مشاكساته التي أصبحت جزءًا من الماضي الذي ظل يلاحقه حتى الوقت الراهن الذي استوى فيه شابًا لفت أنظار المرأة الطيبة التي لكزته في باطن قدمه واستثارت حمم البركان الثاوية في أعماقه. «فلم تمضِ سوى دقائق حتى غدت الأرض تستحم ببركة ماء تتدفق من الزوايا، شهقات أشبه بنداء الولادة لعالم جديد، ثم انطفاء لكل الأرجاء، واختفاء لعيون لمعت قبل قليل».
ولم يكن معتوه هو الشخصية الإشكالية الوحيدة في هذا النص الروائي، وإنما هناك شخصية الشيخ الضرير التي تنطوي على قدرٍ كبير من الإثارة فهو «يرى ما لا يراه الآخرون. ويبصر ما لا يبصرونه»، فحينما جاء شاب يسأل عن معتوه ورفع يده لكي يصفع الضرير تفادى هذا الأخير الضربة وأمسكه من يده الأمر الذي جعل هذا الشاب يعتقد بأن الضرير ليس أعمى مثلما اشتطّ اعتقاده بأن معتوه ليس معتوهًا أيضًا!
يمكننا القول ببساطة شديدة إن الضرير هو منبع للحكمة، ومنجمٌ للأقوال المأثورة التي ستفعل فعلها في شخصية المعتوه الذي أوشك أن يوقن تمامًا بأنه مجنون، طالمًا أن الأسرة والحي والمجتمع برمته لا يرونَ فيه الإنسان العاقل، ولا يلمسونَ فيه الشخصية السوية مع أنه في نظر الضرير قد «تجاوز الجدران ليرى ما يجري خلفها».
ولكي يكسر أبو الريش إيقاع الشخصيتين الرئيستين، معتوه والضرير، كان لا بد له أن يُعرِّج على شخصيات أخر، مثل الرجل الأعرج الذي فقد ساقه بعد رحلة غوص رهيبة، فما إن بلغ سطح البحر حتى سمع الغواصين يرددون اسم حميد الصايغ الذي ظل في قاع البحر، الأمر الذي دعا الأعرج لأن يغوص ثانية لينقذ الصايغ بعمل بطولي متفرد أثار حسد زملائه وغيظهم في آنٍ معًا. لكنه ما إن أصيب بالداء الخبيث الذي أفضى إلى بتر ساقه حتى تنكّر له الجميع وعلى رأسهم النوخذة عبيد المترف الذي طعنه في الصميم حينما أخبره بأنه لم يعد يصلح للسفر، وأن الغوص بحاجة إلى أناس أكفاء قادرين على مقارعة البحر.
إذا كان الرجل الأعرج أنموذجًا للشجاعة فإن حمود البيدار هو أنموذج للشخصية التحريضية المناضلة التي تحدّت «صاحب النخل»، ورفضت أن «تخرف» النخل لأحد زبائنه. وعلى الرغم من الضرب الشديد الذي تعرّض له البيدار، فإنه ظل ملتزمًا بموقفه الرافض الذي يشجّع الآخرين على الرفض والتمرد لكي ينتزع جميع العاملين والإجراء حريتهم. وبما أن رواية «تلّ الصنم» تتمحور على عدد من المجانين أيضا، فلا بد أن نشير إلى بعضهم مثل «صلّوحة» التي كانت تقية ورعة، لكنها فقدت عقلها بقدرة قادر إلى أن لقيت حتفها في مستشفى بائس، ومع ذلك فإنها كانت تعيش مع حفيدها الوحيد الذي أغرقته بمحبتها الفائقة. أما حميد الخبلة فقد كان يتلذذ بأكل السمك النيئ والفاسد في بعض الأحيان، وقد وُجد ميتًا في خرابة مهجورة. قد يتفرد أحمد قنوة في جنونه عن بقية المجانين؛ فحينما يحنق يتحول إلى وحش كاسر، خصوصًا حينما ينادونه بكلمة «قنوة» التي يمقتها مقتًا شديدًا لأنها تستفزه وتقلّب مواجعه. تتحرش الرواية بالتابو السياسي من خلال شخصية معتوه الذي يحب الأحلام كثيرًا، ويجد فيها تعويضًا لانكساراته وهزائمه اليومية التي تتمثل بالعزلة والنأي عن المجتمع الذي نبذه بطريقة أو بأخرى جعلته يلجأ إلى الضرير الذي لاذ هو الآخر بغرفة خربة في مواجهة تل الصنم. فالعلاقة بين المعتوه والضرير أبعد من البوح والمكاشفة والمناجاة. فمعتوه يحتاج إلى أفكار الضرير النيّرة وفلسفته العميقة التي تمنح الحياة معنى حقيقيًا يستحق أن نعيش من أجله. بينما يحتاج الضرير إلى معتوه بوصفه العينين اللتين يبصر بهما، على الرغم من أنه يرى ما لا يراه الآخرون.
يتفرّد معتوه بولعه بالأحلام وتبدو «الدنيا رائعة حينما يكون الحلم بمستوى الطموح»، لكن الضرير يحذِّر معتوهًا من مغبَّة أحلامه، ويمنعه منها لأن أحلامه سياسية! والحلم السياسي ممنوع في مضاربنا العربية، لذلك يتعوذ معتوه من السياسة التي تلاحقه حتى في أحلامه الجميلة التي تخفف عنه وطأة حياته اليومية التي لا تخلو من منغصات على الرغم من جفافها، اللهم إلا إذا استثنينا لقاءاته المتكررة والمفيدة بالضرير، ولقاءه الوحيد مع المرأة الطيبة التي مرّت في شريط خياله مثل حلم خاطف.
لقد أصبح معتوه أسطورة في أحلامه السياسية بنظر الضرير، مثلما أصبح أيقونة للفحولة في نظر المرأة الطيبة التي تماهى معها في لحظة توحّد جسدي. ترى، هل غدا هذا الصبي المعتوه رجلاً وأصبح مثل عُبيد وحُميد وزيد كما تتمنى أمه أم أنه «لا يزال أعوج مثل ذيل الكلب الذي لا يمكن إصلاحه»؟
ظل معتوه على مدار النص يشعر بأنه قد انصاع لتصورات أمه، مثلما اقتنع بمفاهيم أهل الحي الذين يرون فيه مجنونًا لا غير فالغرابة أن يحتفظ بالتعويذة المربوطة على زنده لأنها تطرد الشياطين، وتُجنّبه عيون الأشرار والحاسدين، فلقد اتفق الجميع على جنونه، ولم يبدِ معتوه أي مقاومة تُذكر، فلقد كان ضعيفًا ومنصاعًا ومُستسلمًا بعكس والده الذي كان قويًا لأنه لم يعترف بضعفه قطّ. يمثل الضرير العقل المتوقد والمستنير، لذلك فهو لا يؤمن بالشياطين، ولا يقيم وزنا للخرافات، ولا يعترف بالخزعبلات التي تُثار في أرجاء المدينة. وقد يكون الضرير هو الشخص الوحيد الذي يشعر بمعتوه ويرى فيه أملاً كبيرًا، فلا غرابة أن يشجِّعه على التخلص من عنصر الخوف «لأن الخوف مقبرة الأحياء»، وهو يعزو هذا الخوف إلى أمه التي «صنعت منه هذا الشاب الخائف دومًا حتى من الصغار». كما ستلعب المرأة الطيبة في نهاية النص دورًا مشابها لدور الضرير التحريضي الذي سوف ينقذ «معتوه» من سيكولوجية الإنسان المذعور الذي انعتق من قوانين التحريم، وتحرر من قناعات المجتمع القديمة البالية.
يشكِّل موت الضرير في خرابته المهجورة انعطافة أساسية في النص الروائي، فهو لم يمت ميتة طبيعية، وإنما بفعل فاعل، ويكفي أن يكون جحوظ العينين دليلاً على هذا الفاعل الغامض الذي سيتكشّف شيئًا فشيئًا حينما نعرف أن الضرير قد مات، لأنه تحدث عن الطموحات الكبيرة والإرادة العظيمة لحمود البيدار الذي رفض في الأقل وثار على الظلم والعسف والاستبداد.
لا شك في أن إطلالة المرأة الطيبة من جديد تدلل على أهمية الدور الذي ستلعبه في حياة معتوه، فهي تردد الجُمل نفسها التي كان يرددها الضرير عن الأحلام الكبيرة، والإرادة العظيمة، وقتل الخوف. وإذا كانت المرأة الطيبة ضد العادة، فإن «معتوه» قد اخترق هذه العادة، وعشق الدخول من النوافذ، وأحب كسر الأبواب المغلقة. تذكَّر معتوه الكثيب الرملي في المعيريض الذي شهد معارك طاحنة، فأصبح رمزًا لمقاومة المحتل على الرغم من أن البيوت قد تهدمت على رؤوس ساكنيها.
قرّر معتوه والمرأة الطيبة في نهاية المطاف أن يكتبا كلام الضرير، ويدوِّنا أفكاره المستنيرة فاتجها صوب المدينة، بعد أن خلّفا وراءهما التل، وحينما يحثّان الخطى تستقبلهما المدينة والأناشيد.
لا يمكن قراءة «تل الصنم» قراءة واقعية فقط لأنها مكتظة بالرموز والدلالات والإيحاءات التي تضطرنا لأن نزاوج في الأقل ما بين القراءة الواقعية والقراءة الرمزية، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا النص ينتمي إلى التيار الميتا - سردي قدر تعلّق الأمر بتشتيت القصة الروائية وانضواء «معتوه» الشخصية الهامشية تحت مفهوم البطل المضاد الذي أضفى على الرواية لمسة جمالية خاصة لا تخطئها عين القارئ الحصيف.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.