الرئيس الفرنسي يدعو إلى تسليح أوروبا لضمان استقلالية قرارها

قال إن «البوصلة الاستراتيجية» ستحدد عقيدتها الدفاعية

يشكل الخطاب الذي ألقاه ماكرون أمس نقطة فاصلة ودالة على طموحاته الأوروبية (رويترز)
يشكل الخطاب الذي ألقاه ماكرون أمس نقطة فاصلة ودالة على طموحاته الأوروبية (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يدعو إلى تسليح أوروبا لضمان استقلالية قرارها

يشكل الخطاب الذي ألقاه ماكرون أمس نقطة فاصلة ودالة على طموحاته الأوروبية (رويترز)
يشكل الخطاب الذي ألقاه ماكرون أمس نقطة فاصلة ودالة على طموحاته الأوروبية (رويترز)

من المتعارف عليه أوروبياً أن يتوجه الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي إلى مقر البرلمان الأوروبي ليلقي خطاباً يعرض فيه أولوياته ورؤيته للأشهر الستة التي تعود إليه رئاسة النادي الأوروبي. من هنا، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون يجد نفسه وفي وقت واحد رئيساً لفرنسا ورئيساً للاتحاد الأوروبي، ولكن أيضاً مرشحاً لولاية ثانية رغم أنه لم يعلن بعد ترشحه. بيد أن لا أحد يشك في أن الرئيس الشاب المولود في العام 1977 عازم على خوض المنافسة الرئاسية لولاية من خمس سنوات جديدة. من هنا، أهمية محطة مدينة ستراسبورغ التي تحتضن البرلمان الأوروبي لـماكرون الذي خاض المعركة الرئاسة السابقة حاملاً الراية الأوروبية التي ستكون من غير شك رايته للمعركة القادمة. لذا؛ كان من المهم أن يشكل الخطاب الذي ألقاه أمس نقطة فاصلة ودالة على طموحاته الأوروبية التي يريدها حبلى بالإنجازات رغم أن المحللين في باريس يرون أن الوقت المتاح أمامه لا يتعدى الأشهر الثلاثة المقبلة؛ لأنه بعد ذلك سيكون «غارقاً» في المستنقع الانتخابي. حقيقة الأمر، أن ما عرضه ماكرون أمس شكّل أكثر من «خريطة طريق» للأشهر القليلة المقبلة. لقد حمل معه «رؤية» عرضها على 705 نواب يمثلون 27 دولة، وينقسمون إلى سبع مجموعات سياسية عابرة للحدود. وتشاء الصدف أن يلقي ماكرون خطابه في اليوم التالي لانتخاب النائبة المالطية عن مجموعة اليمين «حزب الشعب الأوروبي» روبرتا ميتسولا، رئيسة للبرلمان عقب وفاة رئيسه السابق الإيطالي ديفيد ساسولي. ورغم أن ماكرون قدم في 9 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في إطار مؤتمر صحافي، برنامج رئاسته الأوروبية، فإن خطاب الأمس ذهب أبعد من ذلك بكثير. ولعل أهم ما جاء فيه تركيزه الشديد على طموح بناء السيادة الأوروبية أو الاستقلالية الاستراتيجية وما تعينه على الصعد كافة.
يريد ماكرون أن يخوض في الأشهر المقبلة ولما بعدها مجموعة من «المعارك»، أولها معركة الدفاع عن القيم الأوروبية التي تلبس أسماء عديدة، أولها الديمقراطية الليبرالية، وهو النموذج الرائد داخل الاتحاد الأوروبي رغم التهديدات التي تتعرض لها في بعض دوله مثل بولنده والمجر ورومانيا. وتتزاوج هذه المعركة مع الدفاع عن دولة القانون والتمسك بـ«الوحدة» الأوروبية التي تعاني أحياناً من انقسامات حادة بين صفوف الأوروبيين. ويريد ماكرون، كما جاء في خطابه أمس، خوض معركة الدفاع عن السلام في القارة القديمة. وجوارها القريب والبعيد والدفع باتجاه التقدم العلمي والتكنولوجي ولكن خصوصاً إطلاق «الثورة الرقمية» بكل مندرجاتها. بيد أن هذه الأهداف كافة لا يمكن تحقيقها، من وجهة نظر الرئيس الفرنسي، ما لم تتوافر لأوروبا «السيادة» بمفهومها الواسع. فالوعد بتحقيق «التقدم» المستقبلي «لا يمكن أن يتم إنجازه إلا إذا تمكنت أوروبا من توفير الرد على الفوضى الجيوسياسية والتهديدات التي تحيق بها، أكان ذلك التهديد الإرهابي أو الهجمات السيبرانية أو الهجرات غير الشرعية». ولذا؛ يدعو ماكرون القارة القديمة إلى أن «تتسلح ليس بسبب الريبة إزاء القوى الأخرى؛ بل لضمان استقلالها في هذا العالم الذي يعرف العنف، وحتى تكون حرة في خياراتها وليست مرتهنة لخيارات الآخرين». أما الطريق إلى ذلك فتمر، وفق الرئيس الفرنسي، على المستوى الدفاعي، من خلال «بناء قوة عسكرية قادرة على الاستباق وتضمن الأمن في محيطنا». ومن الخطوات التي ستحقق في الأشهر المقبلة تبني «خطة «البوصلة الاستراتيجية» بمناسبة قمة ستعقد في فرنسا في شهر مارس (آذار) المقبل. وستوفر هذه «البوصلة» «العقيدة الخاصة للأمن الأوروبي بالتكامل مع الحلف الأطلسي بالتوازي مع استراتيجية صناعية ودفاعية واستقلالية تكنولوجية التي من دونها لا معنى لمشروع أوروبا الدفاعية». وأضاف ماكرون «بفضل الأجندة، ستتحول أوروبا إلى قوة للمستقبل، أي أن تكون متمكنة من التعاطي مع التحديات البيئوية والتكنولوجية والرقمية والجيوسياسية بمعنى أن أوروبا المستقلة يجب أن تكون قادرة على توفير الوسائل لذلك، وأن ترسم مصيرها بنفسها ولا تكون خاضعة لخيارات القوى الأخرى». وكان لافتاً أن الرئيس الفرنسي وعد بأن تفضي الأسابيع المقبلة إلى تقديم مقترح من أجل بناء «نظام جديد للأمن والاستقرار» يقرّه الأوروبيون ويتشاركون به لاحقاً مع حلفائهم الأطلسيين قبل عرضه على روسيا. يبدو أن طموحات ماكرون تتغذى من الإحباط الذي ألمّ بالأوروبيين عندما شعروا أن مصير قارتهم يخضع للتفاوض بين واشنطن وموسكو بعيداً عنهم كما حصل في اجتماع جنيف الأخير بين مساعدي وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا. وما يقلق الأوروبيين، أن مسائل الأمن وانتشار الأسلحة متوسطة المدى وما يحصل على الحدود الروسية - الأوكرانية يهم أمنهم بالدرجة الأولى بينما هم عاجزون بسبب انقساماتهم عن أن يكونوا طرفاً فاعلاً. لذا؛ فإن ماكرون شدد على ضرورة إعادة إحياء الوساطة الأوروبية (الفرنسية – الألمانية) لإيجاد حلول سياسية لأزمة أوكرانيا من خلال إعادة تفعيل وساطة ما يسمى «صيغة نورماندي» (فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا). كذلك، شدد ماكرون على أهمية العودة إلى «الحوار المتطلب» مع روسيا الذي «لا يعد خياراً لأن التاريخ والجغرافيا يدفعان إليه».
إذ كانت الرئاسة الفرنسية تريد أوروبا «قوة ديمقراطية» ليس فقط عسكرياً واقتصادياً، بل أيضاً ثقافياً وتربوياً... فإن «عليها قبل ذلك أن تكون قادرة على المحافظة على أمنها» الذي عنوانه الأول، السيطرة على حدودها الخارجية. لذا؛ يدعو ماكرون إلى أمرين: الأول، تعزيز جهاز «فرونتيكس» لحماية حدود الاتحاد وإدخال تعديلات على اتفاقية «شينغن» التي تضمن التنقل الحر بين البلدان الأعضاء. كذلك، فإنه يدعو إلى إقامة «شراكة» مع دول «المنشأ» التي ينطلق منها المهاجرون غير الشرعيين ودول الممر من أجل السيطرة على الهجرات. ويندرج ضمن الإطار نفسه رغبة ماكرون في بناء «تحالف جديد» مع أفريقيا «لأنه يصعب معالجة ملف الهجرات من غير معالجة أسبابها العميقة». وبلهجة حاسمة، يؤكد ماكرون أن جانباً من التغيرات التي سيشهدها العالم سيكون مصدرها أفريقيا. كذلك يدفع ماكرون إلى إعادة النظر بالعلاقات التي تربط الاتحاد بمنطقة البلقان الغربية التي ما زالت خارج النادي الأوروبي. وفي الحالتين، ستعمد الرئاسة الفرنسية إلى الدعوة إلى قمتين مخصصتين لأفريقيا والبلقان، أولاهما ستحل في بروكسل منتصف الشهر المقبل.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».