الحرب الأهلية الفرنسية ومذبحة القديس باثولوميو

الحرب الأهلية الفرنسية ومذبحة القديس باثولوميو

الأربعاء - 3 رجب 1436 هـ - 22 أبريل 2015 مـ

كثيرا ما يُعتقد أن الحرب الأهلية الفرنسية كانت تلك المرتبطة بالثورة الفرنسية في 1789. ولكن الواقع أن القرن السادس عشر منذ مطلعه حتى قبيل انتهائه كان يمثل في حقيقة الأمر حربا أهلية فرنسية ممتدة يتخللها في أوقات قصيرة هدن متعاقبة، ولم يكن السبب وراء هذه الحرب الأهلية في الأساس النظام السياسي بقدر ما كانت حركة الإصلاح الديني وحرية العقيدة وممارساتها هي السبب، ففرنسا لم تخرج عن نطاق التطور الفكري الأوروبي، فلقد تأثرت بشكل مباشر بحركة الإصلاح الديني في ألمانيا التي قادها الراهب مارتن لوثر، فانتشرت بؤر الحركات الإصلاحية التي عرفت باسم «الهوغونو Huguenot» في شرق البلاد، كما أن ظهور المصلح الديني الفرنسي جون كالفن كما تابعنا في الأسبوع الماضي وانتشار فكره في مناطق فرنسية كثيرة بدأ يؤجج من المذهبية في فرنسا بشكل أصبح يهدد الوحدة السياسية الفرنسية، وهذا أمر طبيعي يحدث عندما تتفتت الوحدة العقائدية في البلاد في وقت تكون فيه الأطراف الداخلية غير مستعدة أو غير قادرة على استيعاب فكرة وجود مذهب مختلف حتى ولو كان لنفس الدين.
لقد كانت فرنسا قوة كاثوليكية منذ أن دخلتها المسيحية، وكانت الملكية رغم خلافاتها المتفرقة مع البابا التي وصلت للصدام المسلح إبان حكم «فيليب العادل» في القرن الثالث عشر تتفق على أهمية المذهب الكاثوليكي باعتباره جزءا من هوية الدولة وشرعيتها، ولكن مع مرور الوقت بدأ التاج الفرنسي يسعى لمحاولة التخلص من النفوذ الكنسي لنفس الأسباب التي عانت منها دول أخرى سواء لتسلط البابا وكنيسته أو تدخلاته المستمرة في شؤون إدارة الحكم، ورغم التناغم الذي حدث بين البابا والملك فرنسيس الأول في مطلع القرن السادس عشر بعدما حصل التاج الفرنسي بعد صراع ممتد على حق تعيين الأساقفة في فرنسا، فإن الملك سعى للاستيلاء على حكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة بترشيح نفسه إمبراطورا، ولكن البابا والقيادات السياسية في الإمبراطورية وقفوا مع إبقاء الحكم في أيدي الأسرة الألمانية الحاكمة لخطورة توحيد التاج الفرنسي مع الإمبراطورية. وطالما بقي أمل الملك فرنسيس الأول عالقا، فإنه كان عاقد العزم على محاربة كل أنواع الحركات الإصلاحية في بلاده والتشبث بالمذهب الكاثوليكي، ولهذا فإنه أغار بشدة على الحركات الإصلاحية خاصة المذهب الكالفيني بعد ذلك، وأذاق هذه الفرق ألوانا من العذاب والمحاربة الفكرية، ولكن هذه السياسة كانت مرتبطة بشكل كبير بظروف العلاقات الخارجية الفرنسية، فتارة يشتد التنكيل بالمذاهب المختلفة وتارة يمالئهم ارتباطا بصراعاته الخارجية مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة، خاصة أنه كان يمول الحركات البروتستانتية في الإمبراطورية الرومانية المقدسة لإضعاف السلطة المركزية للإمبراطور، وهو نفس السلاح الذي استخدمه الإمبراطور ضد العرش الفرنسي في الأراضي الفرنسية.
مع تولي هنري الثاني الحكم خلفا لوالده ورث الرجل وضعا صعبا بسبب انتشار مذهب كالفن الإصلاحي الذي ارتبط بتفشي الفقر الشديد الذي أصاب الطبقات الدنيا وفساد الكنيسة، وقد عمد الملك إلى محاربة هذه الحركات وكان يسانده في ذلك زوجته الكاثوليكية كاثرين دي ميديتشي، وقد اتبعت زوجته هذا المنهج بعدما أصبحت الوصية على عرش ابنها بعد موت زوجها، واستعانت في هذه المهمة بعدد من الأسر الفرنسية الرائدة على رأسها أسرة «دي جيز» التي نكلت بالمذاهب غير الكاثوليكية ولكن دون جدوى، فسرعان ما أصبح لهذه المذاهب قوتها وتنظيماتها المسلحة لحماية معتقداتها، ودخلت فرنسا حربا أهلية واضحة وصريحة، واقترف التاج الفرنسي مذابح ممتدة ضد المنشقين عن الكنيسة دون القدرة على التخلص منهم مما اضطره لمهادنتهم في فترات وجيزة من خلال مراسيم ملكية تسمح لهذا التيار ببعض الحريات، ولكنها كانت بمثابة الهدن لأن التاج لم يكن مستعدا لقبول فكرة التشرذم المذهبي للبلاد.
استمرت الأوضاع الفرنسية في شبه حرب أهلية ممتدة، ولكن بداية ظهور مطامع أسرة «دي جيز» الكاثوليكية في الحكم بسبب ضعف أبناء كاثرين دي ميديتشي فرضت نوعا الحذر على الملكة الأم وأبنائها للحفاظ على العرش، فلقد بدأت مطامع أسرة دي جيز في العرش تظهر خاصة مع ضعف الملك الشاب والشبهات التي دارت حوله، وبالتالي فإن التحالف المؤقت مع المذهب الإصلاحي في البلاد صار أمرا ضروريا لالتقاط الأنفاس صاحبه سعى التاج لمحاولة التقليل من الاعتماد على أسرة دي جيز ولكن هذه السياسة لم تستمر طويلا، فأسرة دي جيز كان لديها الرغبة في المضي قدما لمحاربة المذهبية في البلاد حتى تزيد من شرعيتها، وقد تزامن مع ذلك تنبه التاج إلى خطورة العلاقات الوطيدة التي نشأت بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة والكالفينيين بما بات يهدد الكيان الفرنسي فاشتعلت الحرب الأهلية مرة أخرى.
وهنا قررت الملكة الأم توجيه ضربة قاضية إلى القيادات الدينية والمذهبية المختلفة وكسر ما اعتقدته الطابور الخامس في البلاد فعملت على التخلص نهائيا من هذه القيادات المناوئة لحكم أولادها، فقررت مهادنتهم في بادئ الأمر لأسباب تكتيكية فتم توقيع اتفاق «سان جيرمان» الذي بمقتضاه تم منح المذاهب غير الكاثوليكية المزيد من الحريات الدينية إلى جانب ضمانات أمنية كفلها التاج لهم ولكنها لم تصل أبدا للحرية المطلقة للعبادة التي كانت المذاهب غير الكاثوليكية ترنو لها، وقد قامت الملكة الأم بدعوة قيادات الفريق المذهبي المناوئ إلى حفل زفاف ابنتها إلى هنري نافار أحد القادة الكالفينيين، ودبرت لهم ما هو معروف في التاريخ الفرنسي بمذبحة «القديس باثولوميو» على غرار مذبحة القلعة التي نفذها محمد علي ضد المماليك، وعلى حين نجح الأخير في هدفه فشلت الملكة الأم في ذلك، فرغم قيام القوات التابعة لأسرة دي جيز بالتعاون مع الحرس الملكي بذبح القيادات المعارضة في جنح الليل والفتك بهم بل وإرسال رأس زعيمهم إلى البابا في روما فإن المذبحة لم تحقق أهدافها في فرنسا.
لقد اعتقدت الملكة الأم وأسرة دي جيز أن هذه الخطوة كانت كفيلة بضرب المذهبية المعارضة في البلاد، وأن مسألة التخلص منهم بعد ذلك ستكون أمرا يسيرا، ولكن هذا لم يحدث، فلقد نبت لهذا التيار جذور قوية داخل المجتمع الفرنسي وكانت معتقداته راسخة أيضا فكان من الصعب التخلص منهم بهذه الوسيلة، ورغم حدوث حالة من الفوضى داخل هذا المعسكر عقب المذبحة، فإنهم سرعان ما استجمعوا قواهم مرة أخرى ودخلت فرنسا في حرب أهلية مفتوحة تماما بعدما تكون الاتحاد الكالفيني الذي رأسه بعد ذلك شخصية قوية للغاية هو هنري بوربون وبدأ ينظم صفوفه عسكريا بشكل أكثر دقة وهو ما دعا لظهور العصبة الكاثوليكية لمواجهته بدعم من التاج، وراحت نار الحرب تحرق البلاد مجددا بشكل قاس للغاية، وقد زاد من خطورة الأمر أن هنري دي جيز حليف الملك الضعيف كانت له أطماعه الواضحة في العرش الفرنسي، فبدأ التاج يخشى منه أكثر من خشيته الاتحاد الكالفيني، وهنا دخلت الحرب الأهلية الفرنسية منعطفا ختاميا خطيرا بحيث أصبح بقاء هذه الدولة شبه مستحيل لو استمرت الأوضاع على ما هي عليه، ولكن الأقدار كثيرا ما تمنح الدول رجال دولة يكون لديهم بُعد النظر والحكمة والقدرة والكفاءة لانتشال بلادها من الفوضى والتفتت ويعيد لها رونقها مجددا، وهو ما تجسد في شخص هنري بوربون كما سنرى.


اختيارات المحرر

فيديو