قطعان الرنة تقف عائقاً أمام انتشار طاقة الرياح في إسكندينافيا

توربينات الرياح تُحدث الضوضاء وتخيف حيوانات الرنة فتمتنع عن دخول مناطق الرعي (أ.ف.ب)
توربينات الرياح تُحدث الضوضاء وتخيف حيوانات الرنة فتمتنع عن دخول مناطق الرعي (أ.ف.ب)
TT

قطعان الرنة تقف عائقاً أمام انتشار طاقة الرياح في إسكندينافيا

توربينات الرياح تُحدث الضوضاء وتخيف حيوانات الرنة فتمتنع عن دخول مناطق الرعي (أ.ف.ب)
توربينات الرياح تُحدث الضوضاء وتخيف حيوانات الرنة فتمتنع عن دخول مناطق الرعي (أ.ف.ب)

فوق قمة جبلية تعصف بها الرياح، يتنقل الأخوان «يوما» بين توربينات الرياح المنتشرة على مد البصر، في موقع كان يضم مراعي شتوية لحيواناتهما... لم تُثنِ الأحوال المناخية السيئة مربي الرنة في هذه المنطقة عن النضال في سبيل التخلص من مراوح التوربينات الضخمة.
ويقول الأخ الأصغر «ليف أرنه» من سيارته ذات الدفع الرباعي: «فيما مضى، كانت المنطقة مثالية لحيوانات الرنة، إذ كانت خالية من أي نشاط بشري. أما الآن، فقد لحقت أضرار بالمنطقة برمّتها».
على جانبي الدائرة القطبية الشمالية، يعارض أعضاء من أقلية شعب «سامي» بشدة مشاريع ضخمة لطاقة الرياح وغيرها من منشآت البنى التحتية «الخضراء» في شمال أوروبا التي يقولون إنها تهدد سبل عيشهم وتمسّ بتقاليد متوارثة من الأسلاف.
ومن غير المستبعد أن ينتصر أفراد هذه الأقلية في نضالهم هذا.
ففي حكم مدوّ في أكتوبر (تشرين الأول)، قضت المحكمة العليا النرويجية بأن مزرعتين لطاقة الرياح أقيمتا في شبه جزيرة فوسن، غربي النرويج، تتعديان على حقوق ست عائلات من أقلية «سامي» من بينها عائلة «يوما»، في عيش تقاليدهم الثقافية في انتهاك للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الأمم المتحدة.
مع أربع منشآت مجاورة أصغر حجماً، يشكل حقلاً التوربينات في ستوريا وروان أكبر تجمع لأبراج طاقة الرياح الأرضية في أوروبا، بقدرة إجمالية تبلغ 1057 ميغاواط، تغطي احتياجات أكثر من 170 ألف أسرة من الطاقة.
وفي حين أعلن قضاة المحكمة العليا الأحد عشر بالإجماع بطلان تصاريح التشغيل والمصادرة التي مهدت لبناء 151 توربينة رياح، لم يذكر هؤلاء شيئاً بشأن مصير هذه المنشآت. لكنّ الأمر محسوم بالنسبة للأخوين يوما اللذين ترعى أسرتهما حيوانات الرنة منذ أجيال؛ إذ «يجب تفكيك هذه التوربينات».

ويقول الأخوان إن حقل ستوريا للتوربينات الذي أُنجز سنة 2020. يحرم الأسرة من «أفضل» المراعي الثلاثة التي تحتاج إليها قطعانها خلال الشتاء.
يراقب جون كريستيان، الأخ الأكبر في عائلة يوماً، الأفق الواسع المغطى بالثلوج بمنظاره، لكنه لا يرى أي رنة في الأفق. ويقول: «من المستحيل أن تأتي الرنة إلى هنا الآن، مع كل الاضطرابات الهائلة الناجمة عن دوران توربينات الرياح التي تخيفها وتحدث الكثير من الضوضاء». ويضيف: «هناك أيضاً مواقف السيارات والطرق والمعابر... الطبيعة دُمرت تماماً هنا. لم يتبق شيء سوى الصخور والحصى».
قبل حكم المحكمة العليا، أوصت محكمة من درجة أدنى بدفع تعويضات مالية إلى المتضررين من خسارة الأرض للسماح للرعاة بشراء العلف لحيواناتهم لتقتات عليها خلال الشتاء. لكنّ المعنيين بالقضية رفضوا هذا الخيار بشكل قاطع.
ويقول ليف أرنه: «يجب أن تجد حيوانات الرنة طعامها. إذا أعطيناها علفاً، لن يعود الأمر رعياً تقليدياً». ولا يكشف أفراد عائلة الرعاة هذه عن عدد قطيعهم من الرنة، لأن «ذلك سيكون أشبه بالكشف عن الرصيد المصرفي»، لكنهم قد يضطرون إلى خفض عدده، إذا لم يجدوا عدداً كافياً من المراعي.

ويواجه ليف أرنه البالغ 55 عاماً صعوبات اقتصادية تجعله بالكاد قادراً على الصمود. وهو أكد أمام المحكمة أن شركته حققت أرباحاً تقل عن 300 ألف كرونة (34 ألف دولار) عام 2018. وبالتالي، فإن تصغير حجم قطيعه من شأنه أن يهدد جدوى نشاطه برمّته.
في غضون ذلك، تستمر التوربينات في الدوران، رغم حكم المحكمة. ويؤكد توربيورن ستين، الناطق باسم كونسورسيوم «فوسن فيند»، الذي يستثمر الجزء الأكبر من حقل توربينات الرياح، «نأخذ حكم المحكمة العليا على محمل الجد... نحن بالطبع نريد تصحيح الوضع، لأنه خطير للغاية».
ويقول: «الخطوة التالية هي تحديد ظروف التشغيل التي تضمن قدرتنا على تشغيل توربينات الرياح من دون انتهاك حقوق الرعاة أو تهديد مراعيهم. ما نعطيه الأولوية الآن هو إجراء حوار مع الرعاة».
وتجد الدولة النرويجية، المساهم الرئيسي في المشروع الذي طاوله الحكم القضائي، من خلال مجموعة «ستاتكرافت» العامة، نفسها أمام معضلة: كيف يمكن احترام الحكم القضائي وحماية حقوق شعب سامي من دون المساس بمصالحها الاقتصادية الضخمة؟ ذلك أن حقول توربينات الرياح الست في فوسن كلفت أكثر من مليار دولار، كما أن الحكم قد يبطئ عملية التحول الأخضر البطيئة أصلاً.

ويستحوذ حقلا ستوريا وروان، وحدهما، على أكثر من 20 في المائة من إجمالي طاقة الرياح المنتجة في النرويج عام 2020، بحسب فوسن فيند. وطلبت وزارة النفط والطاقة، وهي الجهة المانحة للامتيازات التي تم إبطالها، الاستعانة بخبرات إضافية في هذا الملف. وتقول مارتي ميوس بيرسن، وزيرة النفط والطاقة، لوكالة الصحافة الفرنسية «لم نقرر بعد ما إذا كانت المنشآت ستبقى في مكانها جزئياً أو كلياً».
وخيّب ذلك آمال أفراد شعب سامي الذين يرون في التأخير مناورة تتيح استمرار توربينات الرياح في الدوران. وترد سيليي كارينه موتكا، رئيسة «مجلس ساميتنغ» البرلمان الاستشاري لشعب سامي في النروج، بأن «على الدولة أن تقرّ بأنه على مدار 20 عاماً، ارتُكبت أخطاء جسيمة ومهمة ويمكنها أن تفعل ذلك من خلال الاعتذار».
وتضيف: «المطلوب إجراءات ملموسة: يجب إلغاء رخصة التشغيل وتفكيك توربينات الرياح تماماً وببساطة وإعادة المنطقة إلى سابق عهدها وزرعها مجدداً وإرجاعها إلى مربي المواشي».
ويحفل تاريخ شعب سامي، وهم مجموعات من السكان الأصليين عاشوا تقليدياً على رعي الرنة وصيد الأسماك، بمحطات أليمة. فقد تعرض هذا المجتمع المكون من نحو مائة ألف شخص ينتشرون في أنحاء النرويج والسويد وفنلندا وروسيا، لمحاولات استيعاب لم تخلُ من البطش في القرن العشرين، وباتت أراضيه مزروعة بمنشآت الطاقة والتعدين والتنمية الحضرية والسياحة.
وينادي المجلس البرلماني لشعب سامي، وهي هيئة تعاون بين برلمانات هذا الشعب في النرويج والسويد وفنلندا، حالياً بنوع من حق النقض. وقال المجلس في إعلان تم تبنيه في يناير (كانون الثاني) 2021. إن أي مشروع للرياح يجب أن يحصل على موافقة سكان شعب سامي المحليين ومسؤوليهم المنتخبين، وإلا يجب تعليقه.
ومع التسليم بأن «تغير المناخ مشكلة خطيرة تؤثر على شعب سامي»، اعتبر المجلس أيضاً أن التدابير الرامية إلى حل هذه الأزمة «يجب ألا تؤثر سلباً على ثقافة السكان الأصليين وظروفهم المعيشية». ويأتي حكم المحكمة العليا النرويجية ليدعم هذا النضال.
وبحسب معلقين كثر، يمكن أن يشكل القرار سابقة قانونية قد تؤثر على مشاريع البنية التحتية الأخرى في الأراضي الشاسعة التي يعيش فيها شعب سامي في النرويج والبلدان المجاورة. وتقول سوزان نورمان، الباحثة في مركز التنمية والبيئة في جامعة أوسلو: «ستفكر الشركات الأخرى مرتين قبل البدء في مشروع ما دون اختبار قانونيته في المحاكم».

وتبرز المشكلة نفسها في بلدان إسكندنافية أخرى. ففي فنلندا، وهي دولة تهدف إلى أن تصبح رائدة في مجال البطاريات الكهربائية، تشكل مشاريع التعدين، ربما أكثر من توربينات الرياح، المشكلة الأساسية بالنسبة إلى شعب سامي. ويستهدف هؤلاء خصوصاً تصريحين للتنقيب في التندرا بالقرب من قرية إينونتيكيو الواقعة شمال غربي البلاد، وهي منطقة تشتهر بمناظرها الطبيعية الخلابة ومن المفترض أنها تحتوي على موارد معدنية كبيرة.
وبعد الانزعاج من الدمار البيئي الذي ربما تسببت فيه أنشطة التعدين في أماكن أخرى من البلاد، جمع شعب سامي في عام 2020 أكثر من 37 ألف توقيع على عريضة انتقد فيها الإدارة المحلية جراء قلة التشاور مع السكان وغياب دراسات الأثر على أنشطة رعي حيوانات الرنة المحلية.
ويقف أفراد شعب سامي في الصفوف الأمامية للمتضررين من التغير المناخي، لكونهم يعيشون بشكل رئيسي في المنطقة القطبية الشمالية، وهي منطقة ترتفع درجة حرارتها ثلاث مرات أسرع من كوكب الأرض برمته.
وفي ظل التقلبات المتزايدة في درجات الحرارة، تتناوب فترات البرد والدفء، مما يغطي الأرض بطبقات سميكة من الجليد يمكن أن تمنع حيوانات الرنة من الوصول إلى الغذاء وتؤجج المنافسة بين الرعاة على مناطق الرعي.



«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
TT

«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)

أعلنت شركة «أكوا» السعودية، اليوم (الأحد)، تحقيق تاريخ التشغيل التجاري (PCOD) لمنظومة المرافق المتكاملة في وجهة «البحر الأحمر»، التي تعمل بالطاقة المتجددة ومن دون اتصال بالشبكة الوطنية، إيذاناً ببدء فترة الامتياز البالغة 25 عاماً.

وجاء ذلك بعد توقيع شهادة تاريخ التشغيل التجاري للمشروع بين شركة «مرافق البحر الأحمر للطاقة»، وهي شركة المشروع، وشركة «مرافق البحر الأحمر» التابعة لـ«البحر الأحمر الدولية».

وتضم المنظومة محطة للطاقة الشمسية الكهرضوئية بقدرة 340 ميغاواط تيار متردد، مقترنة بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بسعة 1227 ميغاواط/ ساعة، وهو ما تصفه «أكوا» بأنه أكبر نظام بطاريات خارج الشبكة تم إنشاؤه على مستوى العالم.

وتوفر المنظومة حالياً خدماتها للفنادق العاملة التابعة لـ«البحر الأحمر الدولية»، إلى جانب مطار البحر الأحمر الدولي، والمركز اللوجستي، وأسطول المركبات الكهربائية، وقرية الموظفين، والمرافق المجتمعية الداعمة.

الطرفان عقب التشغيل (أكوا)

وتنتج منظومة التوليد ما يصل إلى 760 ألف ميغاواط/ ساعة من الطاقة النظيفة سنوياً، بما يسهم في تجنب انبعاث نحو 600 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً عند تشغيلها بكامل طاقتها.

ويشمل المشروع 3 محطات لتحلية مياه البحر بتقنية التناضح العكسي، ومركزاً لإدارة النفايات، ومحطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بطاقة 16 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى منظومة لتبريد المناطق بطاقة إجمالية تبلغ 32500 طن تبريد.

وكان الإغلاق المالي للمشروع قد تمَّ في فبراير (شباط) 2022، من خلال تسهيلات تمويل رئيسية بقيمة نحو 1.33 مليار دولار، من إجمالي استثمارات تبلغ نحو 1.84 مليار دولار، قدمتها بنوك سعودية ودولية.

وتتولى شركة «مرافق البحر الأحمر للطاقة» تطوير وتشغيل منظومة المرافق بموجب اتفاقية امتياز تمتد 25 عاماً، بينما تتولى «أكوا للعمليات» أعمال التشغيل والصيانة بموجب اتفاقية طويلة الأجل. وتشمل ملكية شركة المشروع «أكوا»، وSPIC «هوانغ خه للطاقة الكهرومائية»، و«تبريد السعودية»، وفق بيانات «أكوا».

وقال محمد أبونيان، مؤسس ورئيس مجلس إدارة «أكوا»، إن المشروع «يضع معياراً عالمياً جديداً للتنمية المستدامة»، مشيراً إلى أن دمج الطاقة المتجددة والمياه والخدمات البيئية ضمن منظومة واحدة يبرهن على إمكانية تطوير بنية تحتية بهذا الحجم مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

من جانبه، قال جون باغانو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «البحر الأحمر الدولية»، إن تشغيل الوجهة من دون اتصال بالشبكة الوطنية وتزويدها بالكامل بالطاقة من مصادر متجددة يبرهن على قدرة البنية التحتية المستدامة على دعم نموذج سياحي يسهم في حماية البيئة الطبيعية والمجتمعات.

وخلال مرحلة الإنشاء، سجَّل المشروع 30 مليون ساعة عمل آمنة دون وقوع إصابات مضيعة للوقت (LTI)، وفق «أكوا».

وتخضع منظومة المرافق لمتطلبات بيئية، تشمل تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، والحصول على التصاريح اللازمة من المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، مع استمرار عمليات الرقابة والمتابعة للالتزام البيئي خلال مرحلة التشغيل.

كما أسهم المحتوى المحلي في مراحل إنشاء المشروع، من خلال توريد المعدات والمواد والخدمات من موردين سعوديين، كلما سمحت المواصفات الفنية بذلك، إلى جانب مشاركة مهندسين وفنيين سعوديين في تنفيذ أعمال منظومات الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة وتحلية المياه والتبريد.

وعلى مدى فترة الامتياز البالغة 25 عاماً، تستمر أعمال تشغيل وصيانة منظومة المرافق داخل المملكة، مع تطوير كوادر محلية، والاستفادة من الموردين السعوديين في توريد قطع الغيار والمواد الاستهلاكية المستوفاة للمعايير المطلوبة.


سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تغرّد «سندات لبنان الدولية (اليوروبوندز)» خارج نطاق الخسائر المالية الجسيمة الناجمة عن جولات الحرب، وبمنأى عن حال الانكماش الحاد التي أصابت المؤشرات الاقتصادية الأساسية، لتقترب مجدداً من عتبة 30 في المائة من قيمتها الاسمية، بعد ارتفاعات متتالية قاربت نسبها المجمعة الأعلى، نحو 28 في المائة من بداية السنة، وفق توزيع الشرائح والاستحقاقات.

ويثير الإقبال الأجنبي على حيازة السندات، والمساهمة تلقائياً في رفع أسعار تداولها، تساؤلات محقّة بشأن التوقعات الاستثمارية وخلفياتها، في ظل استمرار توغّل البلد واقتصاده في حال «عدم اليقين»، المعزّزة بحروب تدميرية ومخاوف مشروعة من احتمالات تجدّدها أو توسع نطاقها، بينما يستمر التباطؤ من قبل الحكومة في تحديد خريطة طريق إعادة هيكلة الدين العام، ويتعثر عقد اتفاق تمويلي مساند مع «صندوق النقد الدولي» بسبب العجز عن استكمال الاستجابة لشروطه الحاكمة.

وتشير المؤسسة المصرفية الدولية «غولدمان ساكس»، في تقييم محدث، إلى أن «مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع لا يزال عالقاً»، وهو عنصر أساسي في أي تسوية شاملة للأزمة المالية. في حين تنوه بأن إقرار «قانون إعادة هيكلة المصارف» المعدّل في أغسطس (آب) الماضي، أزال عقبة مهمة من أمام برنامج محتمل مع «صندوق النقد» وإعادة هيكلة الدين.

ولم يكن عابراً في التقييم الجديد من المؤسسة الدولية، الذي وردت خلاصاته في تحليل من بنك «بلوم أنفست»، التنويه بأن بلوغ أسعار السندات عتبة 30 سنتاً لكل دولار، ربما ينطوي على تفاؤل «أكبر من اللازم» أو مبالغ فيه، بوصف أن الطريق لإعادة هيكلة الدين العام لا تزال تواجه عقبات جيوسياسية وتشريعية كبيرة.

«مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

ومن دون مواربة، وأبعد من مجرد القول إن الأسعار مرتفعة، تعدّ المؤسسة أن حلّ مسألة سلاح «حزب الله» وإعادة احتكار الدولة استخدام القوة يمثل، عملياً، شرطاً مهماً للحصول على دعم مالي دولي واسع، حتى لو لم يكن ذلك شرطاً رسمياً لـ«صندوق النقد». في حين أن استمرار خطر الصراع يجعل التقدم نحو إعادة هيكلة الدين صعباً؛ ولهذا تحديداً، فإن التداول السوقي للسندات بأسعار مرتفعة حالياً (29 سنتاً للدولار)، لا يعكس، بصورة كافية، المخاطر المتبقية.

ويقع ضمن الشروط الدولية لاستدامة الدين وتدفق التمويلات والقروض الخارجية، وفق مسؤول مالي رفيع المستوى تواصلت معه «الشرق الأوسط»، مبادرة وزارة المال إلى إطلاق جولات مفاوضات مباشرة مع الدائنين، توخياً لإبرام اتفاقية رضائية تحدّد قيم السداد للأصول والفوائد والجدول الزمني الجديد، تبعاً لتوفر الإمكانات المالية وفائض الموازنة؛ مما يشكل المدخل البديهي لعودة لبنان، بقطاعيه العام والخاص، إلى الأسواق المالية الدولية.

ويرتقب، في حال «تقدم» التسويات الكبرى ونجاحها في تكريس سيادة الدولة ومرجعيتها السيادية في قرارات الحرب والسلم، والتقدم الموازي في الإصلاحات المالية، تبيان التأثير الأوضح على قيمة هذه الأصول المستحقة، من خلال تيسير المفاوضات المباشرة مع الدائنين المحليين والأجانب، لا سيما بعد تحرّر الموازنة تقنياً وفعلياً من نحو ثلثي قيمة الدين العام المحرر بالليرة، الذي «تبخرت» قيمته الحقيقية إلى أقل من مليار دولار؛ من جراء الانهيار الكارثي لسعر الصرف.

وتشير الترقبات الاستثمارية إلى أن عملية إعادة هيكلة هذه الشريحة من الديون العامة، وفق الخيارات التي أوردتها مؤسسات مالية ووكالات تصنيف دولية، بينها «مورغان ستانلي» و«موديز»، ستفضي إلى شطب نحو 65 في المائة من قيمتها الاسمية، أي بنسبة استرداد تبلغ 35 في المائة، وربما ترتقي إلى نسبة 40 و45 في المائة، وفق سيناريو أكبر تفاؤلاً يفترض رفد الإصلاحات بخطة مالية متوسطة المدى وبإعادة تنشيط القطاع المالي، أو تنحدر إلى نحو 25 في المائة في حال المراوحة وبطء الإصلاحات الهيكلية وتعذر عقد الاتفاق مع «صندوق النقد».

الدخان يتصاعد في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية على مدينة عربصاليم (رويترز)

وتضم قائمة حاملي «اليوروبوندز» بنوكاً ومؤسسات مالية وصناديق استثمارية دولية، بينها «بلاك روك»، و«آشمور»، بنسب مجمّعة حاكمة تتعدّى 40 في المائة، إلى جانب المصارف المحلية، و«المصرف المركزي»، ومستثمرين محليين وأجانب. في حين، تنص العقود القانونية للإصدارات على الاحتكام إلى محاكم نيويورك، وإلزامية موافقة 75 في المائة من الدائنين على أي اتفاقية جديدة تتضمن إعادة هيكلة قيم السداد وخفض الفوائد وتمديد مهل الاستحقاقات.

ومن المرجّح، وفق المسؤول المالي، أن الطلب الاستثماري على السندات اللبنانية يلاحق جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ويترقب احتمال انتهائها إلى اتفاق متكامل؛ مما ينعش التطلعات لتغيير الصورة النمطية في أبعادها الجيوسياسية، لا سيما لجهة تنامي قدرات الدولة على بسط سلطاتها المركزية، وحل معضلة السلاح «غير الشرعي»، شرطاً لازماً لتدفق الدعم الخارجي، إقليمياً ودولياً.

كما تسهم معطيات إصلاحية جزئية أو غير مكتملة في عكس إشارة واعدة لإغناء البعد المالي صوب تحقيق التوازن الفعلي المنشود، الذي يمهّد لاعتماد استراتيجية استدامة الدين العام، الكفيلة شرطياً بجذب الدعم والتمويل، لا سيما أن حزمة الإصلاحات «المتأخرة» متنوعة، وتشمل، خصوصاً، إطلاق غالبية الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية وأساسية، والوقف التام لتمويل قطاع الكهرباء عبر سلفات الخزينة، وتحسّن إدارة المالية العامة، ورفع سقوف الإنفاق، بما يستجيب لردم جزء من فجوات مخصصات القطاع العام، واستمرار العمل على تنمية موارد الخزينة وتحقيق فوائض أولية في الموازنة، مع التقدير بطابعها الدفتري أو النظري، ما دام يجري عزل موجبات الدين العام.

ولا تكمن الأهمية الخاصة لهذه المحفظة في قيمة أصولها الدفترية البالغة نحو 30.6 مليار دولار، وتراكم فوائدها بنحو 15 مليار دولار، ولا بوصفها، العبء الأكبر على مالية الدولة المنهكة، بل في أنها تحولت، وفق المسؤول المالي، إلى نواة الانفجارات النقدية والمالية التي توالت بسرعة قياسية، عقب قرار الحكومة الأسبق، في ربيع عام 2020، بالامتناع عن دفع المتوجبات المستحقة من الأصول والفوائد، وتكفلت بإخراج لبنان وقطاعه المالي من الأسواق المالية الدولية، لتبلغ مستوى أزمة نظامية عاتية ضربت أسس النظام المالي، وتستمر ارتداداتها لسابع عام على التوالي.


الصين تعزز «حصونها» المالية بـ47 مليار دولار

زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
TT

الصين تعزز «حصونها» المالية بـ47 مليار دولار

زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)

تعتزم الصين ضخ نحو 47 مليار دولار في بنوك وشركات تأمين حكومية، في تحرك منسق لتعزيز رؤوس أموال المؤسسات المالية ودعم قدرتها على مواجهة المخاطر ومواصلة تمويل الاقتصاد.

وقالت 3 شركات تأمين إن وزارة المالية الصينية ستضخ 57 مليار يوان (نحو 8 مليارات دولار) في رؤوس أموالها، في إطار جهود بكين لتعزيز متانة النظام المالي.

وستحصل «تشاينا لايف إنشورنس غروب»؛ كبرى شركات التأمين على الحياة في الصين، على 35 مليار يوان، فيما تحصل «تشاينا تايبينغ إنشورنس غروب» على 7 مليارات يوان، وفق بيانين منفصلين من الشركتين.

وفي الوقت نفسه، قالت «بيبولز إنشورنس كومباني أوف تشاينا» إنها تخطط لجمع ما يصل إلى 15 مليار يوان من خلال طرح خاص لأسهم من الفئة «إيه» لمصلحة وزارة المالية، على أن تستخدم حصيلة الطرح لتعزيز رأسمال الشركة.

وقالت «تشاينا لايف» إن ضخ رأس المال يمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرة القطاع المالي على خدمة الاقتصاد الحقيقي ودعم التطوير عالي الجودة لقطاعي المال والتأمين، مضيفة أن العملية ستعزز قدرة المجموعة على مواجهة المخاطر.

من جانبها، قالت «تايبينغ» إن الأموال الجديدة ستدعم ملاءتها المالية ومؤشرات رئيسية أخرى.

دعم البنوك الحكومية

وتشمل خطة تعزيز رؤوس الأموال أيضاً أكبر البنوك الحكومية الصينية.

وقال «أغريكلتشرال بنك أوف تشاينا» و«إندستريال آند كومرشال بنك أوف تشاينا» إنهما يخططان لجمع ما يصل إلى 160 مليار يوان و100 مليار يوان على التوالي، من خلال طرح خاص لأسهم من الفئة «إيه» لمصلحة وزارة المالية و«شركة التبغ الوطنية الصينية» والشركات التابعة لها.

وأكد البنكان أن حصيلة الطرح ستستخدم بالكامل لتعزيز رأس المال الأساسي من «المستوى الأول (Core Tier 1)»، بما يدعم قدرتهما على مواصلة التوسع في الإقراض.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تعتمد فيه بكين بصورة متصاعدة على البنوك الحكومية لدعم النمو الاقتصادي؛ مما يجعل تعزيز قواعدها الرأسمالية عاملاً مهماً للحفاظ على قدرتها في تقديم الائتمان للاقتصاد.

ويعكس التحرك رغبة السلطات الصينية في تقوية القطاع المالي من الداخل، عبر رفع مستويات رأس المال لدى المؤسسات الحكومية الكبرى، بما يمنحها مساحة أكبر لتحمل المخاطر والاستمرار في تمويل الاقتصاد في ظل الضغوط التي تواجه النمو.