غوتيريش يكشف أرقام «المأساة السورية»: 90 % من سكانها فقراء

قال في تقرير لمجلس الأمن تنشره «الشرق الأوسط» إن 9 ملايين سوري خارج سيطرة الحكومة

طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

غوتيريش يكشف أرقام «المأساة السورية»: 90 % من سكانها فقراء

طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)
طفلة تنظر من خيمة للنازخين بريف إدلب شمال غربي سوريا في 26 نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

صدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعضاء مجلس الأمن، بإظهار عمق المأساة السورية، ودقّه ناقوس الخطر، لدى قوله إن 90 في المائة من السوريين يعيشون «في فقر» و60 في المائة منهم يعانون من «انعدام الأمن الغذائي»، إضافة إلى أن «7.78 مليون لم يكن لديهم عدد أطباء أو مرافقة طبية مستوفية للمعايير الدنيا المقبولة عالمياً». المفاجأة الأخرى كانت تأكيده أن نحو 9 ملايين سوري يعيشون «في مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة، بينهم 5.6 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية».
جاء ذلك في تقرير يقع في 19 صفحة، قدّمه غوتيريش إلى مجلس الأمن، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، لدعم تمديد القرار 2585 الخاص بتمديد آليات المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» 6 أشهر أخرى، الأمر الذي حصل بالفعل أمس.
وبعد انتقادات علنية من مسؤولين روس للقرار الدولي، وطلب وزير الخارجية سيرغي لافروف من واشنطن إصدار بيان مشترك، الأمر الذي رفضته الإدارة الأميركية، وافقت موسكو على تمرير الآلية الأممية دون ضجة، ما يفتح الباب لاستئناف الحوار الروسي - الأميركي حول سوريا.

- عملية معقدة
وكان مجلس الأمن قد جدّد في يوليو (تموز) تفويض نقل المساعدات «لمدة 6 أشهر حتى 10 يناير (كانون الثاني) 2022» عبر معبر باب الهوى على الحدود السورية مع تركيا. ونصّ القرار على «تمديد لـ6 أشهر إضافية حتى 10 يوليو»، رابطاً ذلك بتقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً حول المسألة.
وعدّ الغرب أن التمديد حتى يوليو 2022 تلقائي، عندما أثارت روسيا إمكان طلب تصويت جديد في مجلس الأمن، وهو أمر امتنعت عنه حتى الآن.
وكان غوتيريش قدّم الشهر الماضي لأعضاء المجلس تقريراً غير علني، شدد على استحالة استبدال الآلية العابرة للحدود في هذه المرحلة بآلية المرور عبر خطوط الجبهة من دمشق، والتي ترغب موسكو في تعزيزها للاعتراف الكامل بسيادة سوريا على أراضيها. وقال إن تقريره استند إلى معلومات الأمم المتحدة وبيانات الوكالات الإنسانية والجهات الشريكة ولقاءات في دمشق وغازي عينتاب وعمان، لافتاً أن سوريا تشهد «إحدى العمليات الإنسانية الأكثر تعقيداً».
وقال: «يعيش 6.9 مليون شخص في مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة (من أصل نحو 22 مليوناً)، بينهم 5.6 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية. ويتركز المحتاجون في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في الأجزاء الشمالية من البلد، مع وجود عدد أقل في الجنوب الشرقي في مخيم الركبان. وتعتبر الاحتجاجات الإنسانية في المناطق غير الخاضعة للحكومة حادة بسبب ارتفاع مستويات الأعمال العدائية في الشمال الغربي والشمال الشرقي خلال فترات مطولة، وارتفاع نسبة النازحين الذين يعيش عدد منهم في مخيمات أو مستوطنات عشوائية أو مراكز جماعية».

- شمال ـ شرق
بين 2.7 مليون يعيشون في شمال شرقي سوريا، هناك 2.2 مليون يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بينهم نصف مليون نازح. و«يعيش 140 ألفاً في مخيمات، بما في ذلك الهول الذي يضم 57588 شخصاً، معظمهم من الأطفال». وقال غوتيريش: «يمكن الوصول إلى شمال شرقي سوريا، عبر خطوط النزاع من مناطق الحكومة أو العراق، لكن الإذن لم يجدد للأمم المتحدة في 2020 للقيام بإرسال المعونات عبر العراق من معبر اليعربية. لذلك فإن المنظمات غير الحكومية هي الجهات الوحيدة التي تضطلع بعمليات عبر الحدود عبر معبر فيش خابور مع كردستان العراق.
وزاد أن مؤسسات الأمم المتحدة تقدم مساعدات غذائية لـ650 ألف شخص شهرياً، و«أصبحت استجابة الأمم المتحدة الإنسانية في المخيمات محفوفة بالتحديات بسبب طائفة من العوامل، بينها طول الوقت الذي تستغرقه الموافقات على تنفيذ المشروعات وعدم إمكانية أو انعدام الأمن في مخيم الهول»، لافتاً إلى أن «الوصول عبر خطوط النزاع مقيداً بين رأس العين وتل أبيض (الخاضعة لسيطرة فصائل مدعومة من تركيا)... وتعثر التوصل إلى اتفاق بين جميع الأطراف لتشكيل بعثة» توصل مساعدات إلى تلك المنطقة.

- شمال ـ غرب
بين 4.2 مليون شخص يعيشون في شمال غربي سوريا، حسب التقرير، هناك 3.4 مليون «يحتاجون لمساعدات إنسانية، بينهم 2.8 مليون نازح». وأشار غوتيريش إلى قيود تعرقل إيصال المساعدات، إذ «توجد أهم القيود المفروضة في خطوط المواجهة حيث تم الإبلاغ عن زيادة في الأعمال العدائية في الأشهر الستة الماضية... بما في ذلك تلك التي وقعت في مناطق قريبة من طرق الإمداد وقريبة من مستودعات كيانات الأمم المتحدة والمؤسسات غير الحكومية». وزاد أنه بعد مفاوضات «أوفدت قافلتان عبر خطوط النزاع» من حلب إلى إدلب في أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) و«في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، حصل برنامج الغذاء العالمي على موافقات الأطراف لتوقيع مساعدات عبر خطوط النزاع في شمال غربي سوريا، وستبدأ عمليات التوزيع في النصف الثاني» من الشهر الحالي، و«رغم التقدم المحرز بإيصال المساعدات عبر الخطوط... لا يزال تلقي الضمانات الأمنية اللازمة والمناسبة من أطراف النزاع أمراً حاسماً لضمان المرور الآمن للقوافل، في حين يمثل القصف والغارات الجوية والألغام الأرضية والمتفجرات تهديدات أمنية حقيقية». كما أشار إلى تدهور أوضاع 12 ألفاً في مخيم الركبان قرب قاعدة التنف الأميركية جنوب شرقي سوريا.

- الإنعاش المبكر
وقال غوتيريش: «انخفضت قدرة الشعب السوري على الصمود بعد عقد من النزاع والأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة والأزمات المتصلة بالمياه و(كوفيد 19) وحلول فصل الشتاء. ويعيش حالياً 90 في المائة من السوريين في فقر، ودمرت أجزاء كبيرة من الهياكل الأساسية المدنية، أو أصبحت آخذة بالتفكك. وفي العام 2020 لم يعد متوسط الدخل الشهري للفرد قادراً على تلبية الحاجات الأساسية... ومع تزاد الإجهاد المائي وانخفاض محصول الحبوب في موسم 2020 – 2021، فإن الفرصة كبيرة لحصول مزيد من النقص في الغذاء. وتعاني نسبة 60 في المائة من السوريين من انعدام الأمن الغذائي. وأظهر تقييم خدمات المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم أن خللاً يشوب نصف المناطق الفرعية الـ131 في البلاد. وفي العام الماضي، كان هناك 7.78 مليون يعيشون في 100 منطقة فرعية لم يكن لديهم عدد الأطباء أو المرافقة الطبية مستوفية للمعايير الدنيا المقبولة عالمياً».
وبعدما أشار إلى أن جهود «الإنعاش المبكر» ترمي إلى منع حصول زيادة أخرى في عدد المحتاجين، قال غوتيريش إنها تركز على 5 مجالات، هي «إزالة الحطام والنفايات الصلبة، والأنشطة المدرة للدخل، والتدريب المهني، والتماسك الاجتماعي، وأعمال الإصلاح الخفيفة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المدنية الحيوية». وأشار إلى مثال «إعادة تأهيل 7 مخابز عامة في حلب ودرعا ودير الزور لتلبية حاجات مليون شخص من الخبز».
وتعارض أميركا والدول الحليفة المساهمة في إعمار سوريا قبل تحقيق تقدم في العملية السياسية بموجب القرار 2254، لكن الجانب الأميركي وافق على إدخال بند يسمح بتمويل مشروعات «الإنعاش المبكر» وتوسيع المساعدات عبر خطوط النزاع، ما مهد لتوافق مع الروس لتقديم مسودة تمديد القرار الدولي في يوليو الماضي.
وقال غوتيريش: «بذلت الأمم المتحدة جهوداً لتوسيع نطاق أنشطة الإنعاش المبكر منذ يوليو الماضي»، وفي 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «قدّم مكتب الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية تعديلاً للإجراءات المفروضة على سوريا لتوسيع نطاق التراخيص الممنوحة للمنظمات غير الحكومية بحيث تتمكن من المشاركة في بعض المعاملات والأنشطة»، لتشمل «الاستثمارات الجديدة شراء منتجات نفطية مكررة من أصل سوري، وبعض المعاملات مع عناصر من حكومة الجمهورية العربية السورية. ولا يسمح بها إلا لدعم الأنشطة غير الساعية للربح».
وكانت إجراءات واشنطن لتخفيف إجراءات العقوبات الأميركية وعدم فرض عقوبات جديدة بموجب «قانون قيصر» من بين التنازلات التي قدّمتها لموسكو لتمديد القرار الدولي لإيصال المساعدات.
وختم: «بعد عقد من النزاع، لا تزال الاستجابة الإنسانية تدعم ملايين الأشخاص... وعلى رغم التحديات، تجب مواصلة استغلال كل فرصة لتلبية الاحتياجات، بما في ذلك توسيع نطاق جهود الإنعاش المبكر. لكن أكثر ما يحتاجه الناس في الجمهورية العربية السورية لا يزال إيجاد حل مستدام للنزاع، بما يتماشى مع القرار 2254».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».