رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

خالد صلاح قال لـ«الشرق الأوسط» إن 67 ألف نسخة توزع يوميًا.. ولا توجد نية لإيقاف النسخة الورقية

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية
TT

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

رئيس تحرير «اليوم السابع»: لا معلومات موثقة عن أرقام توزيع الصحف المصرية

تمثل تجربة «اليوم السابع» علامة فارقة في تاريخ الصحافة المصرية، ونقطة تحول مهمة في طريقها الناجح نحو الصحافة الإلكترونية، فلقد نجح الموقع الإلكتروني للصحيفة الذي انطلق في ديسمبر (كانون الأول) 2007، في أن يتقدم إلى صدارة المواقع الإلكترونية المصرية والعربية، وأن يحافظ على موقعه بالتوازي مع صدور النسخة الورقية للصحيفة عام 2008، والتي ظهرت «أسبوعية» قبل أن تتحول إلى «يومية» في 31 مايو (أيار) 2011.
وعبر ثماني سنوات، هي عمر «اليوم السابع»، نجح رئيس تحريرها الكاتب الصحافي خالد صلاح في أن يؤسس منظومة صحافية جديدة، وأن يطرح تصورا مغايرا على سوق الصحافة المصرية، تبعه الكثيرون بعد ذلك. ويفخر خالد صلاح بأنه تأثر كثيرا برائد الصحافة المصرية مصطفى أمين، ويعتبره مثله الأعلى. ورغم نجاح «اليوم السابع» إلكترونيا، فإنه يرفض فكرة زوال الصحافة المطبوعة، ويطرح عبر حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» في مقر «اليوم السابع»، تصوره لإعادتها إلى مجدها المسلوب، ويتحدث عن أبرز ملامح تجربته الصحافية. وإلى نص الحوار..

* بدأتم «اليوم السابع» إلكترونيا ثم ظهرت النسخة الورقية، وتوازى النجاح في الطريقين معا، حتى حدث تراجع واضح في توزيع النسخ الورقية للصحف المصرية مؤخرا، إلى أي مدى تأثرتم بذلك؟
- للأسف الشديد، لا توجد معلومات موثقة لدى صناع الصحافة في مصر عن أرقام التوزيع الحقيقية، وكل ما يتردد في السوق هو كلام خاطئ يردده المتنافسون كل عن الآخر. بالنسبة لنا لا يوجد تراجع في توزيع «اليوم السابع»؛ بل حدثت زيادة منذ 30 يونيو (حزيران) الماضي، وإن كنا نفخر في «اليوم السابع» أننا بالأساس صحيفة «ديجيتال».
أما بشكل عام على مستوى الصحافة المطبوعة في مصر، فإن هناك بالفعل تراجعا.. لا شك في ذلك، والتوجه أصبح إلى «الديجيتال». وقد حدث تراجع ملحوظ في الشهر الأخير في كل الصحف المصرية بعد أن تم رفع أسعار الصحف، وحدث نقص نحو 14 في المائة في المتوسط عن أرقام التوزيع قبل زيادة الأسعار.
* متى تتوقف النسخة الورقية لـ«اليوم السابع»؟
- لا توجد نية على الإطلاق لإيقاف النسخة الورقية، فرغم توجهنا الإلكتروني، فإننا نرى أن هناك احتمالات كبيرة أن تنمو سوق المطبوع رغم التدهور الحالي. هناك أفكار توزيعية وتسويقية غائبة عن السوق، نحن للأسف الشديد نتعامل مع مؤسسات حكومية في عمليات الطباعة والتوزيع، وليس لهذه المؤسسات الطموح الكافي للوصول بالنسخ المطبوعة إلى كل أسواق التوزيع الممكنة، فنحن نغيب بشكل عام عن نقاط توزيع استراتيجية ومهمة، والسياسات التوزيعية المتبعة من هذه الشركات لا تتضمن أي أفكار لتطوير هذه الصناعة، وأملنا الفترة المقبلة في وجود شركات خاصة مشتركة في مجال التوزيع لتسترد بعض مجد الصحافة المطبوعة. ودليلي على احتمالات النمو، أنه رغم التقدم الموجود في البلاد الغربية، فإن الصحافة المطبوعة لا تزال تحافظ على الكثير من بريقها.
* لكن هناك دراسات أوروبية وأميركية تؤكد بدء اختفاء الصحف المطبوعة مع حلول عام 2020، حتى تختفي تماما في عام 2040، ما تعليقك؟
- أتابع حركة الصحافة المطبوعة حول العالم، ولا نستطيع أن نقول إن هذه الدراسات مؤكدة، فهي دراسات تقديرية. وبحكم مشاركتي في تأسيس «اليوم السابع» فإن رهاني كان إلكترونيا، لكن أجزم لك بأن اختفاء الصحافة المطبوعة لن يحدث في حدود المدى المنظور، وأعتقد أننا في طريقنا لتغيير شكل الصحافة المطبوعة، ربما في تغيير حجم الورق وشكل الخدمة والتصميم الفني.
* معدل مبيعات الصحف الورقية في مصر كان يبلغ نحو مليوني نسخة عام 2010، وقد وصل هذا الرقم إلى نصف مليون في الأشهر الستة الأخيرة وفق مصادرنا.. هل لنا أن نعرف ما هو الرقم الفعلي لتوزيع النسخة الورقية من جريدتكم؟
- بالنسبة للصحف في مصر الرقم الأول صحيح ومعروف ومتداول، أما الثاني فأظن أنها قد وصلت إلى 800 ألف نسخة، وبالطبع انخفض هذا الرقم في الشهر الأخير بسبب ارتفاع أسعار الصحف، أما «اليوم السابع» فتطبع 90 ألف نسخة يوميا، وتوزع 67 ألف نسخة في المتوسط، وهذا الرقم على مسؤوليتي.
* ما هي معايير النجاح إلكترونيا؟
- التدفق السريع والمصداقية.
* وإلى أي مدى ترى أن اعتمادكم على مواد «إثارة» قد حقق نجاحا للموقع؟
- هذا كلام مرسل وغير حقيقي ولا يعبر عن رؤية علمية دقيقة، ودليلي في ذلك هو استمرار الجمهور في التعامل مع الموقع على أنه مصدر موثوق، وقد يكون طبيعة ما جرى في مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة سياسيا واجتماعيا وأمنيا هو ما أعطى انطباعا بأن الأخبار المصرية ساخنة.
* هل تواجهون ضغوطا كمؤسسات إعلامية مستقلة من الدولة في عهد الرئيس السيسي؟
- لا، إطلاقا، لا توجد أي ضغوط من الدولة.. ونحن نعتبر أنفسنا الآن شركاء في وطن واحد، ونتعامل مع كل القضايا الوطنية بفهم مشترك.
* يرى البعض أن الإعلام بطل في أزمات كثيرة في عهد الرئيس السيسي؟
- مثل ماذا؟
* مثل ما يحدث من تلاسن حالي مع إعلاميين عرب، وقبل ذلك تدخل الرئيس «شخصيا» واعتذر لأمير قطر؟
- بداية، التلاسن لا يصح تصنيفه على أنه أزمة، أما المثل الثاني فأوافقك فيه وهو مثال مهم، لكن كم شخصا من الإعلام خالف منطق الرئيس هذا؟ وكم شخصا عاد وفعل نفس الشيء؟ شخص واحد «غير إعلامي» في برنامج واحد، وما طالب به الرئيس السيسي هو طلب أخلاقي، وليس توجيها أو تدخلا.. وليس أزمة.. إذا أردت مثالا على من يصنع الأزمة فانظر إلى إعلام «الجزيرة».
* شاركتم في اجتماعات تحضيرية لتأسيس كيان يجمع الصحف المستقلة.. ما هو الهدف من هذا الكيان؟ وهل خفوت الحديث عنه يعني أنكم فشلتم في توحيد الصفوف؟
- غير صحيح أن هناك اختفاء للتحضيرات أو فشلا، فقط نحن نعمل بعيدا عن الأضواء، فلقد ظهرت الدعوة لإنشاء رابطة للصحافة الخاصة ليسمع صوتها كـ«صناعة اقتصادية»، كما أن مشكلات الصحافة الخاصة في مصر لم تكن على طاولة البحث التشريعي، حيث سيطرت الصحف الحكومية على لجان التشريع المكملة للدستور، كما كنا نريد لزملائنا أن يفهموا طبيعة التحديات التي تواجه مهنة وصناعة الصحافة. كما أن تجمعنا كان يهدف لتوحيد جهودنا في مواجهة تحدياتنا التسويقية، ومنها الخلل في علاقتنا مع شركات الاتصالات في خدمة الرسائل القصيرة (SMS)، نحن نتفاوض مع شركات الاتصالات كل مؤسسة على حدة، وبالتالي تفرض علينا أسعارا.. في حين أننا لو تفاوضنا بشكل جماعي سنحصل على الأسعار التي نريدها. ولأننا صحافة خاصة، وتؤثر علينا قواعد الربح والخسارة، فكنا نريد أن نجتمع لنقدم حلولا لهذه المشكلات التي تواجهنا، ولم يفهمنا «الجيل القديم» الكلاسيكي، الذي تصور أننا ندعو إلى «كيان بديل»، وبالتالي لأننا راعينا مستوى عقولهم، فقررنا أن نعمل وننسق مع بعضنا البعض دون الحاجة إلى ضجيج أو أي نوع آخر من التحالف العلني.
* أيهما أكثر في عائداته الإعلانية الموقع الإلكتروني لـ«اليوم السابع» أم الصحيفة الورقية؟
- الصحيفة الورقية ما زالت الأعلى دخلا.. وهذا من مصائب الدهر، فنحن نقول إن الصحافة المطبوعة أصبح لا أمل لديها والصحافة (الديجيتال) هي القادمة، لكن لا تزال الكعكة الأكبر للجرائد المطبوعة حتى الآن، ليس لأن المطبوع أفضل.. ففي «اليوم السابع» المطبوع مثلا نحو 90 ألف، بينما يدخل عليها 6 ملايين زائر للموقع.. لكن حتى الآن لم نتمكن من ترتيب سوق إعلانات (الديجيتال)، لأننا لو تعاملنا معه كـ«شاشة» في مقارنة مع التلفزيون فنحن في مأزق، لأن الإعلانات ستذهب إلى التلفزيون، فهناك تغير صادم لم يعلم به أحد، وسياسات التسعير خاطئة، كما أن وكالات الإعلانات في مصر ما زالت لم تستوعب التغير.
* إلى أي الوسيلتين تنحاز أكثر.. «الأونلاين» أم الورقي؟ وكيف تدير المواد الصحافية بين الوسيلتين؟
- منحاز لـ«الأونلاين».. وفي الخبر الأمر محسوم لصالحه، لكن هناك موضوعات نصنعها خصيصا للمطبوع، مثل التحقيقات الاستقصائية أو نشر ملفات القضايا حصريًا.
* هل هناك فريقان لإدارة العمل في كل من الموقع والصحيفة؟
- لدينا غرفة أخبار (newsroom) واحدة، بإدارة واحدة، ومن يقم بالفصل بين الاثنين يقع في خطأ ولا يدرس تجارب العالم؛ وسيندم على التراجع مثل «THE TIMES» التي فعلت ذلك، ثم صرفت مليوني جنيه إسترليني للدمج.
* وهل ترى أن الدمج والتوحد بينهما مرجعه لأمور اقتصادية أم مهنية؟
- للاثنين طبعًا.. أنت توفر في طاقم العمل (staff)، إضافة إلى أنه القرار المهني الأصح، هنا لدينا غرفة أخبار مدمجة، حيث المحرر موصول بكل الوسائط، يمكنه أن يرسل إلى «الأونلاين» أو الفيديو أو المطبوع أو يختار خدمة الرسائل القصيرة.
* وهل هناك كوادر بشرية بالفعل مؤهلة لهذه الأدوار المختلفة؟
- نعم، لدينا الكوادر البشرية لذلك.. الشيء الوحيد المنفصل هو ديسك الموقع وديسك الجريدة، أي المسؤولون عن الصياغة، فصياغة الجريدة فريق مكون من 10 أفراد، أما صياغة الموقع ففريق مكون من 30 فردا، هذا هو فقط المكان الوحيد الذي يوجد فيه فصل في كل دورة العمل.
* تتصدر صورتاهما مكتبك، بمن تأثرت أكثر في الإدارة، مصطفى أمين أم محمد حسنين هيكل؟
- مثلي الأعلى هو مصطفى أمين، أما هيكل فأنا أحب لغته، وأحب أن أقرأ له؛ تختلف أو تتفق معه، لكني أحترم جدا (تجربة) مصطفى أمين الصحافية. وكنت أتأثر جدا حين أقرأ ماذا كان يقول مصطفى أمين للمحررين (في محاضر الاجتماعات) من 50 سنة. كان يقول الكلام الذي لا نزال نحتاجه اليوم. مثلا كان يقول: «صحافي ذهب إلى مستشار إعلامي في وزارة لكي يستلف منه جنيها، هذا الصحافي لن يكبر أبدا لأنه سيظل مدينا لهذا المستشار الإعلامي.. أنت تصادقه نعم، ولكن أنت من يصرف عليه وليس هو الذي يصرف عليك». انظر إلى محضر اجتماع حول طريقة تغطية مشروع السد العالي، كان يقول لهم: «السد العالي عبارة عن حجارة، وأنا أريد كل حجر بقصة إنسانية».. كان شخصا متقدما للغاية، وليس له نظير.
* خضت تجربة العمل كمراسل في أفغانستان وقت عملك في «الأهرام»، لأي مدى استفدت مهنيا من هذه التجربة؟
- ذهبت إلى كل من العراق وأفغانستان بعد الحرب ودخول الأميركيين إلى البلدين في الحربين. الحقيقة كانت تجربة مهنية مثمرة جدا، لأنها علمتني كثيرا من شؤون السياسة في المنطقة. لكن أنا تعاملت معها بطريقة عاطفية للغاية لأنني كنت متحسرا على أوضاع العالم الإسلامي، وكنت أشعر بالأسى، خاصة حين كنت أرى أوضاع العراق في 2003، لأنني شممت رائحة الفتن الأهلية الموجودة هناك مبكرا بعد الحرب مباشرة. وتعلمت منها أن الولايات المتحدة لا تدخل قرية إلا جعلت أعزة أهلها أذلاء، وبدلت الأوضاع وأدارتها لمصالحها الشخصية. وكل الحديث عن بناء ديمقراطيات أو إعادة إعمار في هذه البلدان كان حديثا كاذبا، واكتشفت ذلك مبكرا. وعدت مؤمنا بأن بلادنا، مصر على وجه الخصوص، لا بد أن يسير فيها تيار الإصلاح بأكثر من تيار الثورة. ولذلك لم أكن متعاطفا كثيرا مع حالة الثورة الدائمة التي كانت موجودة في الشارع. وما زلت أؤمن بأن الجهود الإصلاحية أبطأ، لكنها أكثر ثقة وأكثر فاعلية، وأن الجهود الثورية في بلدان غير متعلمة بالشكل الكافي وتؤدي إلى نتائج كارثية كما حدث.
* أسهمت في ميلاد مجلة «الأهرام العربي» الأسبوعية عام 1997، والتي ولدت ناجحة ومتألقة قبل أن يخفت بريقها.. في رأيك ما سر النجاح وقت الصدور؟
- أنا مدين لمجلة «الأهرام العربي» ولأسامة سرايا، رئيس تحريرها، بأشياء كثيرة للغاية. تعلمت فيها الكثير، وكانت أول إصدار عربي لـ«الأهرام» ولمؤسسة مصرية. هذه المجلة كانت محظوظة للغاية في البداية؛ لأن سرايا نجح في تكوين فريق تحريري جيد جدا، كلهم حاليا نجوم الإعلام في مصر، ونجح سرايا خلال سنوات وجوده في تحقيق نجاح لأن المجلة كانت مشروعه، وعندما رحل ليتولى رئاسة تحرير «الأهرام» بدأنا نتفكك وكل منا يبحث عن مشروعه الخاص، وبالتالي تراجعت المجلة جدا.



آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».


لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».