الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

وسط تفاقم الخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة... والمخاوف من عودة الإرهاب

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً
TT

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

الصومال إلى مربع الصراع الداخلي مجدداً

حالة من القلق والترقب تشغل راصدي أوضاع القرن الأفريقي، في ظل توترات تنذر بعودة الصومال مجدداً إلى مربع الصراع الداخلي والحرب الأهلية، وذلك وسط تفاقم الخلافات بين الرئيس محمد عبد الله فرماجو، ورئيس الحكومة محمد حسين روبلي، واستغلال «الجماعات الإرهابية المسلحة» - وعلى رأسها «حركة شباب المجاهدين» - حالة الفوضى السياسية لفرض سيطرتها على البلاد.
وحقاً، يقف الصومال الآن على مفترق طرق بين إكمال العملية السياسية وإجراء الانتخابات المتعثرة، أو الاحتكام للشارع والسلاح من جديد، وسط مخاوف من الانزلاق إلى «الحرب الأهلية» بعد عقدين من محاولات استعادة الاستقرار. وطيلة الأسبوع الماضي احتدم الصراع السياسي الداخلي إثر قرار الرئيس فرماجو تعليق مهام رئيس وزرائه، «ووضع حد لصلاحياته بسبب ضلوعه في قضايا فساد»، وفق بيان الرئاسة الصومالية. إلا أن الحكومة الصومالية لم تقف مكتوفة الأيدي ووصفت مساعي الرئيس بأنها «محاولة انقلاب غير مباشر على السلطة»، ويرفض روبلي اليوم تنفيذ القرار، ويتهم فرماجو بـ«تخريب العملية الانتخابية»، معلنا تشكيل لجنة للتحقيق في اقتحام مكتبه. وهذا، بينما دعا فيه المجتمع الدولي القوى قادة الصومال إلى «تغليب مصلحة البلاد وتهدئة التوترات السياسية المتصاعدة التي من شأنها تقويض السلام والاستقرار، واستكمال العملية السياسية وإتمام الانتخابات المؤجلة منذ فبراير من العام الماضي».
عقد رئيس الوزراء الصومالي محمد حسين روبلي طوال يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين «المؤتمر التشاوري الوطني حول عملية الانتخابات» بمشاركة الحكومة الفيدرالية والولايات بهدف تسريع خطوات العملية الانتخابية. وهو المؤتمر الذي دعت ماري كاثرين في، مساعدة وزير الخارجية الأميركية، الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى دعمه، مطالبة بـ«بقاء القوات المسلحة على الحياد وتحاشي التورط في الأحداث السياسية». وكانت واشنطن قد أكدت كذلك دعمها «اتخاذ إجراءات ضد من يحاولون عرقلة عملية السلام في الصومال»، بحسب تغريدة لمكتب شؤون أفريقيا التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
فرماجو وروبلي
لم تظهر حالة التوتر السياسي في الصومال فجأة، بل ظهرت بوضوح عند انتهاء ولاية فرماجو في 8 فبراير (شباط) الماضي، إذ عمل على الحصول على تأييد «مجلس الشعب» لتمديد فترة ولايته سنتين أخريين، وهو ما أغضب قوى المعارضة، وأدى إلى صدامات في الشارع أجبرت الرئيس الصومالي على التراجع. وهنا تقول الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة في الشؤون الأفريقية والمنسق العام لمركز «فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية» لـ«الشرق الأوسط» إن «فرماجو يتحمل وحده اللوم على ما وصلت إليه البلاد، لأنه لم يجر الانتخابات في موعدها، ولم يقد العملية السياسية في الطريق الصحيح». وتضيف «المشهد يزداد سوءًا، منذ قرار الرئيس الصومالي تأجيل الانتخابات، ولقد تعقد أكثر في ظل تصاعد الخلافات بينه وبين روبلي، وكلا الجانبين معارض لبقاء الآخر في السلطة، كما ترى قوى المعارضة أن فرماجو رئيس غير شرعي منتهية ولايته».
ذكر أنه سادت حالة من التفاؤل الأوساط الدولية فور تولي فرماجو السلطة في فبراير (شباط) عام 2017، بأمل أن يقود الصومال إلى انتخابات تعددية مباشرة في نهاية ولايته، بموجب دستور عام 2016. غير أن ذلك لم يحدث، بل بدأت بوادر الأزمة تظهر في منصف عام 2018، عند إعلان رئيسة «اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات» صعوبة إجراء الانتخابات في موعدها عام 2020 «واحتمال تأجيلها 13 شهراً»، الأمر الذي رفضته قوى المعارضة في حينه. لكن محاولات فرماجو لم تنته عند هذا الحد، إذ حصل على تصديق من البرلمان بتمديد فترة ولايته لسنتين، قبل التراجع مرة أخرى تحت ضغط المعارضة.
وبعد مناقشات ومفاوضات على خلفية قرار فرماجو تأجيل الانتخابات اتفقت القوى السياسية الصومالية في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي على إجراء الانتخابات بالطريقة التي أجريت بها عام 2016. أي أن ينتخب رئيس الدولة من جانب مجلس الشعب، بدلا من انتخابات شعبية مباشرة. وبالفعل، بدأت العملية الانتخابية، وانتخب «مجلس الشيوخ» المكون من 54 عضوا، بينما تعرقلت انتخابات «مجلس الشعب» المكون من 275 عضوا، وسط اتهامات بـ«خرق قواعد الانتخابات ومنع مرشحين من خوض السباق الانتخابي، لتتعقد الأوضاع من جديد».
محمد عبد الله غوسار، الباحث المتخصص في شؤون القرن الأفريقي والمرشح لعضوية مجلس الشعب في البرلمان الصومالي، كتب في مقال نشره موقع «مركز الصومال للبحوث ودراسة السياسات» أن «فرماجو خطط كيف يبقى في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة وبأي ثمن، مستخدما الدعاية الإعلامية وتضليل الرأي العام، ومحاولات تطويع مجلس الشعب وتجميد مجلس الشيوخ وإقصاء حكام الولايات». لكن المعارضة القوية لمحاولات فرماجو البقاء في السلطة أرغمته على تفويض صلاحيات الانتخابات لرئيس حكومة تصريف الأعمال روبلي، الذي تولى مهام منصبه في سبتمبر (أيلول) 2020، خلفا لرئيس الوزراء حسن علي خيري الذي أقاله «مجلس الشعب». مع هذا، يبدو أن هذا التفويض ما كان حقيقيا، فما لبث أن اشتعل الخلاف السياسي بين روبلي وفرماجو، وسط محاولات الأخير السيطرة على مقاليد العملية الانتخابية.
قبلية وانقسام
يشهد الصومال حاليا حالة انقسام بين فرماجو وروبلي، إذ يستمد فرماجو قوته من تقارب بعض الولايات الإقليمية له مثل جلمدغ وهيرشبيلي وجنوب غربي الصومال، كما تدعمه بقوة «فرق الدفاع الشعبي» - أو «كتائب الظل» - التي أسسها بهدف الترويج لسياساته، إضافة إلى ضمان تأييد بعض القوات الحكومية له، بالتزامن مع مساندة بعض حلفائه الإقليميين.
في المقابل، يعتمد رئيس الوزراء روبلي إلى قوته من «الشرعية الدستورية» التي كفلها له الدستور المؤقت، خاصةً أن ولاية فرماجو الرئاسية انتهت في فبراير 2021 وليس لديه أي صلاحيات تنفيذية منذ فبراير الماضي. ويضاف إليها تأييد ولايات إقليمية له مثل جوبالاند وبونت لاند اللتين لديهما إصرار على التعجيل بإجراء الانتخابات الرئاسية ورفض تأجيلها، ودعم بعض المعارضة، وبعض القوى الدولية مثل واشنطن، حسب مقال لأحمد عسكر، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الذي يخشى من أن «تتطور الأزمة السياسية والدستورية، إلى انقسام في صفوف المؤسسة العسكرية ما قد يفضي إلى حرب أهلية في البلاد».
في سياق مواز، قال اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومي المتخصص في الشأن الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في الصومال حرج في ظل نظام يرفض ترك السلطة ويستمد قوته من عمقه القبلي... فالتفكير القبلي مسيطر في أولويات الفكر الصومالي، رغم عدم انتشار ذلك. وهكذا يرفض الرئيس تسليم السلطة، وترى المعارضة أنه يتلاعب في الدوائر الانتخابية، وسط نظام انتخابي معقد يمنح سلطة انتخاب الرئيس لمجلس الشعب، وهو ما يحاول فرماجو استغلاله بالاعتماد على قبيلته، واستمالة رؤساء القبائل في صفقة سياسية للسيطرة على مجلس الشعب ومن ثم البقاء في السلطة».
الحرب الأهلية
ويعد شبح الحرب الأهلية «السيناريو الأسوأ» الذي يردده معظم المراقبين لتطورات الوضع في الصومال. ذلك أن الصومال الذي لم يتعاف نهائياً من تأثيرات عقد من الصراع الداخلي في فترة التسعينيات، مهدد بالعودة إلى النفق المظلم، الذي خرج منه عام 2000 باتفاق على صيغة انتقالية للحكم مبنية على المحاصصة العشائرية لمدة ثلاث سنوات، تنتقل بعدها البلاد إلى التعددية السياسية. ولكن بعد عقدين من الزمان ما زال هذا الاتفاق في مرحلته الأولى.
وهنا تؤكد الباحثة نرمين توفيق أن «السيناريو. والأقرب هو عودة الصومال إلى ما كانت عليه في فترة التسعينيات من القرن الماضي، واندلاع الحرب الأهلية من جديد». ويتفق معها اللواء عبد الواحد بقوله إن «الوضع في الصومال ينذر بحرب أهلية، في ظل ضعف الحكومة الصومالية المركزية وعجزها عن السيطرة على كامل أجزاء البلاد... وهو ما لم يحدث طوال تاريخها فهي تسيطر على العاصمة مقديشو، وبعض المناطق الشرق، بينما يسيطر تنظيم «حركة الشباب» على مناطق مثل صومالي لاند ووسط الصومال».
وعليه، يرى المراقبون أن «نظام فرماجو يحاول وضع البلاد أمام خيارين إما القبول به على سدة الحكم، سواء بانتخابات أو بدونها، أو عودة البلاد إلى حالة الاقتتال الداخلي التي عانت منها في تسعينيات القرن الماضي». بينما يقول غوسار «يتواصل الصراع السياسي في الصومال بين سلطة استنفدت ولايتها الدستورية وتكمل عامها الأول كحكومة تصريف أعمال، وتسعى جاهدة البقاء في السلطة لولاية ثانية، وبأي ثمن (...)، وبين معارضة ترى استفزازات السلطة بمثابة استباحة لكرامتها وحقوقها الدستورية، وأن حمل السلاح في وجه هذه السلطة هو الخيار الوحيد بعد استنفاد بقية الخيارات السلمية المتاحة».
من ناحية أخرى، فإن انهيار الأوضاع في الصومال لن ينحصر ضرره داخل حدوده، وفق ما يقدر الباحث أحمد عسكر في مقاله الذي حذر فيه من تحول الصومال إلى «ساحة صراع تتورط فيه جميع القوى والحركات السياسية بمختلف انتماءاتها ومصالحها، وبعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تسعى لحماية حلفائها في الداخل بهدف حماية مصالحها الاستراتيجية في الصومال والمنطقة وتعزيز نفوذها هناك، الأمر الذي يفاقم من أزمات الصومال ويهدد وحدته وتماسكه».
القارة والإرهاب
حالة الفوضى والاضطراب ليست جديدة على الصومال، فقد عانى لسنوات من الفوضى والحرب الأهلية، وهو ما جعله بيئة خصبة لنمو الجماعات المسلحة الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم «حركة شباب المجاهدين»، الذي ينتمي شق منه لتنظيم «القاعدة»، والآخر لتنظيم «داعش». وكان التنظيم يسيطر على نحو 85 في المائة من البلاد في وقت من الأوقات، غير أن هذه السيطرة «تراجعت في أعقاب الحرب عليه بمساعدة القوات الدولية وخاصةً الولايات المتحدة». الفرصة سانحة للعودة من جديد، ففي الأسبوع الماضي «قتل ستة أشخاص على الحدود الكينية مع الصومال»، وسط اتهامات للتنظيم بتنفيذ الهجوم، ونقلت مواقع صومالية أخباراً عن تنفيذ «حركة الشباب» عملية اغتيال تجاه في مديرية بوهكبا، إضافة إلى الهجوم على قاعدة عسكرية تابعة للقوات الأفريقية. وأشارت صحيفة «الفايننشال تايمز» البريطانية، في تقرير لها الأسبوع الماضي إلى «استغلال تنظيم الشباب للوضع السياسي في الصومال، وهو ما يهدد بسقوط البلاد في حالة فوضى أكثر عمقاً». وتابعت الصحيفة أن «المسؤولين المحليين في الصومال يقدرون عدد قتلى الاشتباكات بين القوات الإقليمية والفيدرالية وبين «فصيل أهل السنة والجماعة» المنشق عن الشباب بنحو 12 شخصاً منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في مدينة غوريال التي شهدت أكثر المعارك دموية، كما فر أكثر من 100 ألف شخص من المنطقة»، مشيرة إلى «مخاوف السكان من اقتراب حركة الشباب من العاصمة مقديشو».
وتلفت الدكتور نيرمين توفيق إلى «تواكب الصراعات السياسية المتسارعة مع قرب انسحاب قوات «الاتحاد الأفريقي» من البلاد والذي كان من المفترض أن يتم نهاية العام الماضي لكن تم تمديد بقائها إلى مارس (آذار) المقبل، ما ينذر بأوضاع متفجرة في البلاد، في ظل ضعف سيطرة قوات الأمن الصومالي ومحاولات حركة الشباب استغلال الفرضة لفرض السيطرة على البلاد». وأشارت إلى أن «ما يحدث في الصومال ليس بعيداً عن دول الجوار، فإذا أخذنا في الاعتبار التطورات في وسط أفريقيا، ونمو الكيانات الإرهابية الموالية لـ«داعش» وتحالفه مع «حركة شباب موزمبيق» فإن هذا ينذر بتفجر الوضع في القارة ككل».
من جانبه، يؤكد اللواء عبد الواحد أنه «من الطبيعي أن يحاول تنظيم «حركة الشباب» استغلال الحراك السياسي في الشارع، والمخاوف هنا تكمن في أنه بعد إنشاء حوار مع حركة طالبان، بات لدى هذه التنظيمات آمال في أن تندمج بالعملية السياسية للبلاد، وتحصل على اعتراف سياسي وإقليمي... وربما كان نموذج «أبو منصور» مثالا على ذلك، الذي كان متحدثا باسم «الشباب» وحارب في صفوفه، قبل أن ينضم للحكومة الصومالية ويحارب في صفوفها، وهذه فكرة تحتاج إلى دراسة وتثير تساؤلات حول إمكانية انضمام هذه التنظيمات للعملية السياسية».

«حركة الشباب»... الخطر الإرهابي الدائم
> مع توتر الأوضاع السياسية في الصومال عادت المخاوف من الإرهاب لتبرز من جديد على السطح، في ظل وجود تنظيم «حركة الشباب». والمعروف أن «الحركة» التي ما زالت تسيطر على بعض المناطق في الصومال، رغم نجاح الحملات العسكرية بقيادة «الاتحاد الأفريقي» في طردها من مناطق مهمة في البلاد. وتسعى «الحركة» حالياً لمد نفوذها إلى أماكن أخرى مستغلة حالة الانفلات السياسي التي تشهدها الصومال، لتوسيع نطاق سيطرتها الجغرافية في البلاد، وزيادة نفوذها المحلي والإقليمية.
«حركة الشباب» جماعة متشددة متمردة مقرها في الصومال، أسست عام 2006. وبحسب تقرير نشره «مجلس العلاقات الخارجية الأميركي» في منتصف العام الماضي، فإن «أصل الحركة والمغذي للعديد من قادتها هو «الاتحاد الإسلامي»، الجماعة الإسلامية المتشددة التي بلغت ذروتها في التسعينيات من القرن الماضي، بعد سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991، وكانت تمول جزئيا من زعيم القاعدة أسامة بن لادن».
إلا أنه في أوائل العقد الأول من القرن الـ21، نشأ خلاف بين الحرس القديم في «الاتحاد الإسلامي»، الذين كانوا يسعون لتأسيس جبهة سياسية، وبين الأعضاء الأصغر سنا، الذين كانون يحلمون بـ«دولة الصومال الكبرى الإسلامية». ولقد انضم المتشددون إلى ما يعرف بـ«اتحاد المحاكم الإسلامية»، وسيطروا على العاصمة مقديشو في عام 2006، ما أثار مخاوف إثيوبيا، التي قررت غزو الصومال في نهاية العام نفسه، لطرد «تحالف المحاكم الإسلامية».
ويوثق تقرير نشره «مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية» عام 2011 وأعده روب وايز، خبير مكافحة الإرهاب، بالقول إن «تدخل إثيوبيا الذي جاء بناء على طلب من الحكومة الصومالية الانتقالية هو السبب وراء تطرف «حركة الشباب». وكان مسؤولاً عن تحويل المجموعة من جزء صغير غير مهم نسبياً من حركة إسلامية أكثر اعتدالاً إلى أقوى فصيل مسلح راديكالي في البلاد».
وبين عامي 2006 و2008 تنامى نشاط «حركة الشباب» بتنظيم القاعدة، وصنفتها وزارة الخارجية الأميركية كتنظيم إرهابي عام 2008، بينما أعلنت قيادة الحركة الولاء لـ«القاعدة» بشكل رسمي عام 2012، وتقدر الحكومة الأميركية اليوم عدد أعضاء «حركة الشباب» بما بين 5 إلى 10 آلاف شخص.
قائد «الحركة» حالياً أحمد عمر، المعروف باسم «أبو عبيدة»، وجرى تنصيبه عام 2014، بعد مقتل سلفه أحمد عبدي غودان في غارة أميركية بمسيرة. وتمول الحركة أنشطتها من مصادر متعددة بينها القرصنة والخطف وابتزاز المزارعين، والتهريب إضافة إلى الجماعات الإرهابية الأخرى.
من ناحية ثانية، نفذت «الشباب» أكثر من 100 هجوم في الصومال خلال العام الماضي، بحسب تقديرات وتقارير دولية. وتمكنت من تنفيذ هجمات خارج الصومال أيضاً، ما يزيد مخاوف المحللين من أن «تدهور الوضع الأمني في دول القارة الأفريقية نتيجة للصراعات السياسية في الصومال يشكل بيئة خصبة لعودة نفوذ الحركة». وكانت أولى عملياتها الخارجية عام 2010، عبر تفجير انتحاري في العاصمة الأوغندية أسفر عن مقتل 74 شخصاً، ردا على إرسال أوغندا قوات ضمن قوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في الصومال «أميصوم» التي تشكلت عام 2007.
وقال المتحدث باسم «الشباب» حينذاك «إننا نرسل رسالة إلى كل دولة ترغب في إرسال قوات إلى الصومال مفادها أنها ستواجه هجمات على أراضيها». أيضاً، أعلن مقاتلو الحركة في عام 2013 مسؤوليتهم عن هجوم على مركز تجاري في العاصمة الكينية نيروبي أسفر عن مقتل 67 شخصاً، وهجوم على جامعة في مدينة غاريسا الكينية عام 2015 أدى إلى مقتل 148 شخصاً.
ومن المنتظر أن يسحب الاتحاد الأفريقي قواته التي يقدر عديدها بنحو 20 ألف جندي من الصومال في مارس (آذار) المقبل، وسط مخاوف من عجز القوات الصومالية عن السيطرة على الأراضي المحررة من «حركة الشباب».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.