«مهرجان الأعشى»... عودة الغائب من صلب «الفحول» الأقدمين

«مهرجان الأعشى»... عودة الغائب من صلب «الفحول» الأقدمين

الثلاثاء - 1 جمادى الآخرة 1443 هـ - 04 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15743]

يسدل، يوم غد (الأربعاء)، الستار على أول تجربة مسرحية على الطبيعة تناولت حياة شاعر عاش على أرض الجزيرة العربية قبل قرون، واشتهر بشخصيته الصاخبة، وهو الشاعر الأعشى. فعلى مدى أسبوعين عاش محبو الأدب والشعر والتراث والتاريخ، فعاليات متنوعة في المهرجان الذي احتفى به، وأقيم في ذات المكان الذي عاش فيه الشاعر ميمون بن قيس، وهي قرية «منفوحة» المجاورة لـ«حجر اليمامة» (الرياض حالياً)، والتي تحولت اليوم إلى حي من أحياء العاصمة السعودية.

من حضر المهرجان من المهتمين أكدوا على نجاح هذه التجربة الجديدة، توقيتاً ومكاناً، مؤملين تكرارها مع شعراء آخرين عاشوا في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية، ضمتها السعودية الحالية، وسجلوا حضوراً لافتاً في ديوان الشعر العربي.

«الشرق الأوسط» سألت الشاعرين حمد العسعوس، وجاسم الصحيّح، والباحث والمؤرخ الدكتور راشد العساكر، عن أهمية هذا الحدث الثقافي ومدى نجاحه، وإمكانية تكرار هذه التجربة مع شعراء آخرين في مناطق مختلفة من السعودية.


العسعوس: تجسيد تاريخ الشعر


أود أن أعبر عن سعادتي بأن كنت أحد الشعراء المحظوظين الذين تم اختيارهم للمشاركة في مهرجان الأعشى. ففي الليلة المحددة لإقامة أمسيتي، ذهبت إلى حي منفوحة الذي يعتبر أحد الأحياء القديمة بمدينة الرياض، ولم يكن في تصوري أبداً كيف سيقام هذا المهرجان في ذلك الحي القديم بشوارعه الضيقة، ومبانيه الشعبية الصغيرة...! ولكني ذُهلت عند وصولي ودخولي لموقع المهرجان، وهالني ما رأيت من منجزات وتجهيزات وتنظيم في المقر الذي فهمت أنه أقيم على الأرض التي يقع فيها بيت الأعشى وقبره.

عندما تجولت على الفعاليات المسرحية المعدة عن حياة الشاعر الكبير، ذُهلتُ أكثر، وازداد إعجابي بما رأيت وما سمعت، فقد كان عملاً رائعاً يختصر للزائر حياة الأعشى، وأبرز ملامح الزمان والمكان حيث عاش الشاعر، وقد تم إعداده وتقديمه بشكل ممسرح وجميل.

لذلك، أقول، ومن دون أي مجاملة؛ لقد كان مهرجاناً ناجحاً بكل المقاييس، وأدعو إلى تكرار هذه التجربة مع شعراء آخرين كأصحاب المعلقات وغيرهم من الشعراء البارزين في سجلات الشعر العربي بشبه الجزيرة العربية، نظراً لما سوف يترتب على ذلك من نتائج إيجابية، يأتي في مقدمتها تجسيد تاريخ الشعر العربي على أرض الواقع، وتجسيد سيرة أبرز الشعراء العرب وإحياء ذكراهم، وتعريف الأجيال بهم وبأشعارهم وبأماكن ولادتهم ونشأتهم، وتحويلها إلى مناطق سياحية، يقصدها الشعراء والمهتمون بالشعر من داخل المملكة وخارجها.

إن هذا المهرجان، بلا شك، سوف يحرك المياه الراكدة في ساحة الشعر الفصيح، وسوف تنعكس نتائجه الإيجابية على رفع شأن الشعراء المعاصرين، ورفع مستوى إنتاجهم.


جاسم الصحيح: لنحتفِ

بالشعراء الأقدمين


لا يختلف اثنان على أن الشعر هو أهمّ مكوِّنات الأمة العربية وصانع وجدانها الإنساني وتكوينها الحضاري منذ انبثاق نواتها على هذه الأرض. لذلك، تأتي مبادرة وزارة الثقافة بإقامة مهرجان الأعشى بوصفها تطلُّعاً طامحاً لمواكبة الحضارة في منجزها الشعري، واحتفاءً بالأصالة الشعرية العربية بعد أن كاد الشعر العربي يفقد هويته الحقيقية عبر الذوبان في إبداع الآخر الحضاري الغالب.

ومما لا يختلف عليه اثنان أيضاً هو أن الجزيرة العربية، ومهدها الأكبر «المملكة العربية السعودية»، هي المنبع الأول للشعرية العربية منذ عصر ما قبل الإسلام إلى هذا العصر، وأنَّ معظم فحول الشعراء العرب الأوائل كانوا من أبناء هذه البلاد، وعلى رأس هؤلاء الشعراء يأتي الشاعر المحتفى به في هذا المهرجان (ميمون بن قيس) الذي يُعدّ صنَّاجة العرب، وينتمي للطبقة الأولى من فحول الشعراء، كما وضعه ابن سلَّام الجمحي.

المهرجان الذي تقيمه الآن وزارة الثقافة للاحتفاء بهذا الشاعر يأتي تحقيقاً للاستراتيجية الجديدة للثقافة في المملكة العربية السعودية، كما تنصّ عليها رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد أحسنت وزارة الثقافة صنعاً بعمل قرية الأعشى في مسقط رأسه (حي منفوحة في الرياض)، وهذه القرية تمثِّل نموذجاً مصغَّراً للمكان الذي عاش فيه الأعشى حيث بيوت الطين والخيام والبئر وغيرها من عناصر الحياة في ذلك الزمن. وقد انتابتني شخصياً مشاعر النقلة المدهشة من زمننا إلى ذلك الزمن القديم عندما دخلت في هذه القرية وتجولت بين خيامها. أما فعاليات هذا المهرجان فقد تنوعت بين الأمسيات الشعرية، والمسرحيات، وقراءة شعر الأعشى، والجلسات الموسيقية، وتقديم حياة الأعشى عبر المسرح التفاعلي وكأنك ترى الشاعر أمامك.

هذا المهرجان يأتي مصاحباً لعودة الشعر بقوَّته المعهودة إلى الساحة الثقافية، بعد أن طغت عليه الرواية، إلى درجة أن بعض النقَّاد الكبار، وعلى رأسهم الدكتور جابر عصفور، قالوا إنَّنا نعيش زمن الرواية. جاء هذا المهرجان يحمل إيجابيات كثيرة، يتقدمها تعزيز هذا الحضور الشعري المتألق الذي يقوده شعراء من فئة الشباب ينتمون للمستقبل، وتشدهم إلى ماضي الشعر جذور عريقة، أحدها هذا الشاعر المحتفى به؛ أعشى قيس.

ومن إيجابيات هذا المهرجان أن يقام على البقعة التي عاش فيها الأعشى حياته، ومات ودُفن، ويُعيد اسمها «منفوحة» إلى واجهة الأسماء الوطنية، لأنها أنجبت شاعراً عظيماً. هذا المكان أصبح معلماً من معالم الثقافة الآن، فهو يرمز إلى شخصية كبيرة شاركت في بناء وجدان الأمة القديم الذي تناقلته الأجيال عبر العصور.

إنّ النجاح الكبير الذي حققه المهرجان يجعلنا نطالب وزارة الثقافة أن تواصل عملها الجميل في الاحتفاء ببقية الشعراء الفحول الذين أنجبتهم الجزيرة العربية، وإقامة مهرجانات بأسمائهم في أماكن ميلادهم ونشأتهم، وأذكر على سبيل المثال الشاعر «طرفة بن العبد» الذي ما زال يتحدَّر من صلبه الشعري مئات الأحفاد من الشعراء منذ العصر الجاهلي إلى الآن.


راشد العساكر: لنطبق التجربة

على الشعراء الآخرين

في تصوري، نجح معرض الاعشى توقيتاً ومكاناً حسب رؤية كثير من الباحثين والأكاديميين الذين تم النقاش معهم في ذلك، وأتمنى أن تكرر هذه الإطلالة والنجاح وتطبيقها على الشعراء الآخرين كالنابغة وقيس والحطيئة وغيرهم ضمن أماكنهم وبلداتهم القديمة، ولعل من أبرز الإيجابيات تعريف الجيل الحالي ببلادهم وتراثها وشعرائها، الذين ولدوا في أرضهم، وتعميق اللحمة الوطنية من خلال الفخر بالمكان.


Art

اختيارات المحرر

فيديو