جابر عصفور... أحد كبار التنويريين العرب في عصرنا

انخرط في هموم عصره وجمع بين النقد الأدبي والسياسي

هاشم صالح
هاشم صالح
TT

جابر عصفور... أحد كبار التنويريين العرب في عصرنا

هاشم صالح
هاشم صالح

أعرف أن كلمات من نوع «تنوير، وتنويري، وتنويريين عرب» أصبحت تزعج كثيرين؛ بل وتضرب على «نافوخهم» إذا جاز التعبير. ولكن ليعلموا أننا لن نتخلى عنها من الآن وحتى خمسين سنة قادمة. وحتى لو تخلينا عنها فهي لن تتخلى عنا لسبب بسيط: هو أنها تلبي حاجة تاريخية كبرى. وبالتالي فهي مستقلة عنا وتتجاوزنا كلياً. المرحلة التاريخية التي نعيشها هي التي تفرضها علينا وليس نحن. هذه ليست نزوة عابرة أو موضة سطحية رائجة. العصر القادم هو عصر التنوير العربي لا محالة شئنا أم أبينا. فإما أن نخرج من سباتنا الدوغمائي الطويل ومن عقليتنا المتحجرة، وإما أن نظل منغلقين على أنفسنا داخل قوقعة عقائدية صغيرة تكفر ثلاثة أرباع البشرية!
بعد كل هذه الديباجة المتفجرة أو التفجيرية، اسمحوا لي أن أقول ما يلي: إن الرجل الذي عنا رحل بالأمس القريب، كان أحد الأقطاب الكبار للتنوير العربي؛ إن لم يكن قطبه الأول. كلنا تلامذته بشكل أو بآخر. كلنا خرجنا من معطفه. فضله على الثقافة العربية لم تُستوعب أبعاده حتى الآن.
لم يكن جابر عصفور ناقداً أدبياً كبيراً فقط، وإنما كان أيضاً مفكراً كبيراً منخرطاً في هموم عصره وقضاياه. لقد جمع بين النقد الأدبي من جهة، والنقد الفكري والسياسي من جهة أخرى. كنت أتتبع مقالاته على صفحات مجلة «العربي» الكويتية. كنت أنتظر صدور كل عدد بفارغ الصبر؛ لكي أطِّلع على أفكاره وذكرياته فقط، لكي أسمع صوته الدفيء الحميمي الأخوي من خلال الكلمات، أو فيما وراء الكلمات. فهو ككل كاتب كبير له صوت خاص ونكهة خاصة.
من المعلوم أن موضوع التنوير كان هاجسه الأول. قبل أن نسمع بالتنوير مجرد سماع كان جابر عصفور يرسم خطوطه العريضة، ويبلور محاوره وإشكالياته على مدار عدة كتب متلاحقة. لنعدد بعض عناوينها من أجل الاستئناس فقط: التنوير يواجه الإظلام، دفاعاً عن التنوير، هوامش على دفتر التنوير، أنوار العقل، آفاق العصر، ضد التعصب، مواجهة الإرهاب، للتنوير والدولة المدنية، تحرير العقل، نقد ثقافة التخلف، عن الثقافة والحرية، دفاعاً عن العقلانية... إلخ. ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ هل هناك انخراط في المعركة الفكرية الوجودية للعرب أكبر من هذا الانخراط؟
لقد كان جابر عصفور «أمة وحده» كما قالوا عن فولتير في فرنسا يوماً ما. يضاف إلى ذلك أنه لعب دوراً كبيراً في نقل أمهات الكتب الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية. ولهذا السبب أسس «المركز القومي للترجمة» في القاهرة. ثم نظَر للمشروع في كتاب كامل بعنوان: «قاطرة التقدم: الترجمة ومجتمع المعرفة». من هذه الناحية يمكن تشبيهه بالفيلسوف الفرنسي الكبير ديدرو الذي نقل إلى الفرنسيين الجهلة أنوار الإنجليز ومعارفهم الغزيرة، من خلال الموسوعة الشهيرة «الإنسيكلوبيديا». كان ديدرو حريصاً على تنوير الفرنسيين وإخراجهم من ظلمات التعصب والجهل إلى أنوار العلم والفلسفة، مثلما حرص جابر عصفور على تنوير العرب والمسلمين، وليس فقط المصريين. ولهذا السبب نقل ديدرو إلى اللغة الفرنسية كل معارف ذلك العصر، التي هي إنجليزية في معظمها؛ لأن الإنجليز كانوا سباقين نهضوياً وتنويرياً ومتفوقين على الفرنسيين.
لم يُتح لي الحظ أن التقيه إلا مرة واحدة، على هامش أحد المؤتمرات الكبرى التي نظمها «المركز القومي للترجمة»، بإيعاز منه تحت عنوان: «الترجمة وتحديات العصر». وقد دعا لهذا المؤتمر عشرات المترجمين والمثقفين العرب؛ مغرباً ومشرقاً ومن أرض الشتات (أنا شخصياً أتيت من باريس وقتها). وقد نشرت هنا في «الشرق الأوسط» مقالة عن هذا المؤتمر الكبير المهم بعنوان: الترجمة وتنوير العرب (16 أبريل «نيسان» 2010).
كان «المركز القومي للترجمة» في القاهرة، خلية نحل طيلة عدة أيام متتالية. وكانت المداخلات والمناقشات على مستوى رفيع في غالب الأحيان. وكانت النقاشات الحرة خارج قاعات المؤتمر تكمل النقاشات المحتدمة داخلها. لقد عشنا آنذاك لحظات ثقافية كثيفة، ذكرتنا بالعصر الذهبي للعرب أيام المأمون وبيت الحكمة في بغداد. ولا تزال ذكراها عالقة في نفسي حتى الآن.
ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن جابر عصفور كان يريد إحداث نهضة حقيقية في أرض العرب؛ انطلاقاً من القاهرة. وكان يعلم أن النهضة تقوم على الثقافة أولاً قبل السياسة. ذلك أن الفكر يسبق السياسة ويعلو عليها، وليس العكس. وكان يعلم أيضاً أن النهضات الكبرى تقوم على أكتاف الترجمات الكبرى. ولهذا السبب أسس «المركز القومي للترجمة». كلنا يعلم أن النهضة الأوروبية قامت على ترجمة النصوص العربية الكبرى، لابن سينا، وابن رشد، وابن باجة، والفارابي... إلخ. والنهضة اليابانية أيضاً قامت إبان القرن التاسع عشر على أكتاف الترجمات الكبرى للفكر الأوروبي، في عهد سلالة الميجي (أي الحكم المستنير!).
عدنا إلى التنوير مرة أخرى ولكن هذه المرة من بوابة اليابان واليابانيين. فهم لا يخجلون من كلمة «تنوير» ولا يستهزئون بها كما يفعل بعض المثقفين العرب أو أشباه المثقفين، ولا يأنفون من الأخذ عن الغرب بغية اللحاق به؛ بل وسبقه إذا أمكن. ليس عيباً أن تقلد الآخرين وتترجمهم وتستفيد منهم إذا كنت متخلفاً عنهم. العيب كل العيب هو أن تظل منغلقاً على نفسك جامداً متحجراً، تأبى الاستفادة بكل عنجهية فارغة.
لقد كان جابر عصفور استمرارية للجيل النهضوي الكبير الأول: جيل أحمد لطفي السيد، وجورجي زيدان، ومحمد حسنين هيكل، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، وغيرهم من أقطاب ذلك الرعيل الكبير. وهذا ما يعترف به هو شخصياً. ويمكن أن نضيف إليهم أسماء شبلي شميل، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، وعشرات غيرهم. ولكن النهضة بحاجة إلى عدة أجيال، إلى عدة موجات متتالية، لكي تستطيع الانتصار على قوى العرقلة والنكوص التي تشد إلى الخلف باستمرار.
المسألة صعبة، معقدة، طويلة. المسألة ليست مزحة بسيطة. معركة التنوير في العالم العربي سوف تكون ضارية؛ بل وأكثر من ضارية. ونحن لا نزال في بداية البدايات. نحن لا نزال نصارع التنين حتى الآن. أقصد تنين الأصولية الظلامية الداعشية، الراسخة في العقلية الجماعية رسوخ الجبال.
وبالتالي فمهمة المثقف العربي هي إخراج مجتمعاتنا من هذه العقلية القروسطية الانغلاقية التي أكل عليها الدهر وشرب. ولكن المشكلة هي أن هذه العقلية على الرغم من تخلفها وانغلاقيتها واجتراريتها، لا تزال مهيمنة على الشارع العربي حتى الآن. وكل ذلك بسبب الجهل والأمية والفقر المدقع الذي يصيب شرائح واسعة من السكان. وأيضاً «خيانة المثقفين» وانبطاحهم أمام التيارات الأصولية الشعبوية.
في كتابه عن «التنوير والدولة المدنية» يدخل جابر عصفور في صميم الإشكالية التي تؤرق مجتمعاتنا العربية حالياً. نقصد إشكالية الصراع بين الدولة المدنية والدولة الدينية. ومعلوم أن حدة هذه الإشكالية ازدادت كثيراً وتفاقمت بعد وصول «الإخوان المسلمين» إلى سدة السلطة في مصر. ويرى المفكر الكبير الراحل أن هذه الجماعة كشفت عن وجهها الإقصائي النابذ للآخرين ما إن تسلمت السلطة. كما كشفت عن «أنياب التمكين المتوحشة» التي كادت أن تنهش الدولة والوطن والمواطنين. ومعلوم أن شعارهم هو: «تمسكنوا قبل أن تتمكنوا». ولهذا السبب يقول جابر عصفور ما معناه: نحن بحاجة ماسة إلى استعادة قيم التنوير الغائبة، والتأكيد على ضرورة وجود الدولة المدنية في حياتنا. نحن لسنا بحاجة إلى دولة لاهوتية ثيوقراطية متخلفة، تعيدنا قروناً إلى الوراء، وتثير الفتن الطائفية فيما بيننا، وتمزق نسيج المجتمع الواحد. باختصار شديد: نحن بحاجة إلى إسلام الأنوار؛ لا إلى إسلام الظلام والظلمات. ولكي نتوصل إلى ذلك، ينبغي تجديد برامج التعليم وتغييرها جذرياً.
ثم يهاجم تفكير «الإخوان» قائلاً: بحسب مفهومهم «أن تكون (إخوانياً) يعني أن تؤمن بالاستعلاء على بقية المسلمين؛ لأنك من (الفرقة الناجية)، ومن الإسلام الأنقى، والآخرون مجرد خزعبلات»! وهذا يؤدي مباشرة إلى التكفير والعنف والإقصاء.
هذا غيض من فيض عن هذا الرجل الذي حمل على كتفيه هم النهضة العربية كلها. وليس فقط النهضة المصرية. تحية إذن لجابر عصفور؛ أستاذاً كبيراً ومعلماً رائداً.الدكتور جابر عصفور



«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.


جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.