الثقافة السعودية 2021: توسّع وانتشار وتكريس للإبداع

حزمة فعاليات أبرزها معرض الكتاب ومهرجان البحر الأحمر السينمائي ومؤتمر الفلسفة

متحدثون في مؤتمر الفلسفة
متحدثون في مؤتمر الفلسفة
TT

الثقافة السعودية 2021: توسّع وانتشار وتكريس للإبداع

متحدثون في مؤتمر الفلسفة
متحدثون في مؤتمر الفلسفة

شهدت السعودية في عام 2021 زخماً ثقافياً جديداً، بدأ مطلع العام باعتماد استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي، عبر الإعلان عن تأسيس 16 جمعية مهنية للمثقفين والفنانين، كما شهد حزمة واسعة من الفعاليات الثقافية مثل معرض الرياض الدولي للكتاب، الأكبر من نوعه الذي تشهده المملكة، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الذي وضع السعودية كمحطة مهمة لصناعة السينما في منطقة الشرق الأوسط، وحاضنة رئيسية للإبداع العربي.
لكن المفاجأة أن العام الميلادي انطوى على حدث ثقافي فريد من نوعه، وهو انعقاد مؤتمر دولي كبير حول الفلسفة في السعودية، بهدف تشجيع التفكير النقدي، بمشاركة مختصين من جميع أنحاء العالم، بينهم الفيلسوف الأميركي البارز مايكل ساندل.

تقرير الحالة الثقافية
في 7 مارس (آذار) 2021، نشرت وزارة الثقافة السعودية النسخة الكاملة من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة 2020: رقمنة الثقافة» في نحو 292 صفحة تضمنت أرقاماً وإحصاءات ودراسات بحثية معمّقة لمجمل القطاع الثقافي في هذا العام، مع وصف لحجم التأثيرات التي طالته بسبب جائحة كورونا، ومدى قدرته على التكيّف مع الظروف الطارئة وابتكار السبل التي تضمن نموه واستمراره، والتي بدت بشكل واضح في الجانب الرقمي.
وتناول التقرير في فصوله المتعددة حالة كل قطاع ثقافي فرعي على حدة، مستعرضاً السمات المميزة وأوجه النجاح والقصور فيه، وذلك وفق سبعة محاور أساسية هي: «الإبداع والإنتاج، والحضور والانتشار، والمشاركة، والبنية التحتية والاقتصاد الإبداعي، ورقمنة الثقافة، والتطورات التنظيمية، والإدارة المستدامة»، مقدماً وصفية شاملة على ضوء هذه المحاور لجميع القطاعات الثقافية الفرعية: التراث، والمتاحف، والمواقع الثقافية والأثرية، والمسرح والفنون الأدائية، والكتب والنشر، وفنون العمارة والتصميم، والتراث الطبيعي، والأفلام، والأزياء، واللغة والترجمة، وفنون الطهي، والمهرجانات والفعاليات الثقافية، والأدب، والمكتبات، والفنون البصرية، والموسيقى.
ويأتي هذا التقرير بوصفه النسخة الثانية من تقرير «الحالة الثقافية» الذي تصدره وزارة الثقافة سنوياً؛ لرصد تطورات القطاع الثقافي في المملكة.

استراتيجية لهيئة المسرح والفنون الأدائية
في 14 يوليو (تموز) 2021، دشّنت هيئة المسرح والفنون الأدائية استراتيجيتها لتطوير القطاع المسرحي بالمملكة، ورؤيتها ورسالتها وأهدافها الاستراتيجية التي تسعى من خلالها إلى إدارة قطاع المسرح، والفنون الأدائية بأشكالها السبعة، إضافة إلى دورها في تفعيل دور العرض، وتشجيع صناعة المحتوى المسرحي ونشر ثقافة العروض الأدائية، إلى جانب تمكين المواهب السعودية.

في مهرجان «كان» السينمائي
في 13 يوليو 2021، شاركت السعودية عبر جناحها الذي يعد الأكبر في مهرجان «كان» السينمائي، واحتوى الجناح على أكبر تمثيل من نوعه في تاريخ المملكة، بعدد الجهات المشاركة، ومستوى المبادرات التي انطلقت منه، والتي أخذت بُعداً إقليمياً لافتاً.
وقدمت المبادرات السعودية في المهرجان خريطة طريق لمستقبل صناعة السينما العربية والوصول بها إلى العالمية، حيث أعلن القائمون على مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي عن تلقيهم منحة إضافية بـ4 ملايين دولار من هيئة الأفلام لدعم صانعي الأفلام العرب، في حين أعلن مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) عن إنتاج فيلمين جديدين؛ «بحر الرمال» و«طريق الوادي»، بشراكات بين سينمائيين سعوديين وعرب.

اكتشافات أثرية
في 13 يوليو 2021، أعلنت هيئة التراث عن اكتشاف أثري جديد بمحافظة الحائط في منطقة حائل (شمال المملكة)، وهو عبارة عن نقوش صخرية تعود للملك البابلي نابونيد في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، تُعطي دليلاً إضافياً على الدور التاريخي للجزيرة العربية وتواصلها الحضاري مع معظم حضارات الشرق الأدنى القديم.
ويُضاف هذا الاكتشاف الأثري إلى اكتشافات سابقة من نقوش ومسلات حجرية في عدد من المواقع بين تيماء وحائل التي تذكر ملك بابل (نابونيد)، والتي تثبت اتساع الاتصال الحضاري والتجاري بين الجزيرة العربية وحضارات بلاد الرافدين. يذكر أنه في 28 يونيو (حزيران) 2021، أعلنت هيئة التراث عن توصل علماء آثار وأحافير من الهيئة بالتعاون مع هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وجامعة الملك سعود، ومعهد ماكس بلانك الألماني، إلى اكتشاف جديد في كهف أم جرسان بحرّة خيبر في المدينة المنورة، وعُثر بداخل كهف أم جرسان على مخلفات من الآثار والأحافير التي كشفت تقنية الكربون المشع أن عمرها يربو على 7000 سنة، إضافة إلى غنى الكهف بعشرات الآلاف من عظام متنوعة لحيوانات، وجمعيها بحالة جيدة رغم مرور الزمن، وكذلك جماجم إنسان يرجح أنها قد نُبشت من قبور قريبة تعود لما قبل التاريخ.
وفي 15 يونيو 2021، اعتمدت هيئة التراث تسجيل 624 موقعاً أثرياً وتاريخياً جديداً في السجل الوطني للآثار، وذلك خلال الربع الأول من عام 2021، ليصل مجموع المواقع الأثرية التي تم تسجيلها في السجل منذ إنشائه إلى 8176 موقعاً بمختلف مناطق المملكة.

ملتقى الأدباء
في 27 أغسطس (آب) 2021، تمّ تنظيم ملتقى أدب في «السودة» بمنطقة عسير بمشاركة أدباء ونقاد سعوديين، لتبادل الآراء والخبرات حول مستقبل القطاع الأدبي في المملكة، وتطلعاته. تضمن الملتقى عدداً من الندوات والجلسات الحوارية. ويعد الملتقى مناسبة سنوية تنظمها هيئة الأدب والنشر والترجمة من أجل مواكبة تطورات المشهد الأدبي السعودي ومتابعة مستجداته، وبالشراكة مع الأدباء والنقّاد السعوديين في مختلف التخصصات الأدبية.

معرض الرياض للكتاب
شهدت السعودية خلال الفترة من 1 إلى 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، انعقاد معرض الرياض الدولي للكتاب، وهو الحدث الذي يتّوج السعودية كأكبر واجهة للنشر العربي، وسط حضور كبير من المفكرين والمثقفين والأدباء، وبمشاركة أكثر من ألف دار نشر سعودية وعربية وعالمية من 28 دولة.
واحتفى المعرض بجمهورية العراق بوصفها «ضيف الشرف»، حيث شاركت بوفد ثقافي وفني كبير، كما شارك الوفد في ندوات وأمسيات ثقافية. ويمثل المعرض الذي احتل مكاناً مرموقاً في معارض الكتب العربية، منصة للشركات والمؤسسات والأفراد العاملين والمهتمين بقطاع صناعة الكتب والنشر لعرض منتجاتهم وخدماتهم، إضافة إلى دوره الأساسي في تعزيز وتنمية العادات والمهارات القرائية للمجتمع، وزيادة الوعي المعرفي والثقافي والأدبي والفني؛ وذلك عبر تحفيز الأفراد على الاطلاع واقتناء الكتب، وحضور المؤتمرات وورش العمل والندوات والمحاضرات الثقافية والأدبية المصاحبة للمعرض.
تميز المعرض بحضور واسع من الجمهور السعودي، وبفعاليات ثقافية هي الأضخم من نوعها في معارض الكتب التي تقام في المملكة، وشارك أكثر من 100 مثقف وناقد من مختلف الجنسيات في «لقاءات ثقافية» للحديث عن قضايا أدبية وثقافية مُلحة من خلال 36 ندوة ومحاضرة أقيمت بالمعرض.
كما نظم المعرض أكثر من 60 ورشة عمل متعددة المشارب والاتجاهات الثقافية، قدمها أكثر من 100 خبير ومتخصص في مجالات إبداعية متنوعة. واحتفى المعرض بتجارب رواد الأدب والنقد والفن: محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعلي جواد الطاهر، وواسيني الأعرج، والأمير خالد الفيصل.
ولأول مرة، تمزج الفعاليات الثقافية مع فنون الموسيقى، حيث قدم مسرح جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن أربع أمسيات غنائية وموسيقية ذات قيمة فنية رفيعة، شملت أمسية غنائية للفنان عبد الرحمن محمد، وأمسية موسيقية للموسيقار المصري عمر خيرت، وأمسية جمعت الموسيقي العراقي نصير شمة بمواطنه المطرب القدير سعدون جابر، والأمسية الرابعة تناولت الأغاني الشهيرة التي كتبها الشاعر الراحل الأمير عبد الله الفيصل لأم كلثوم، وغيرها من نجوم الأغنية.

بينالي «بينالسور» للفن المعاصر
في 15 أكتوبر 2021، تمّ تنظيم المعرض العالمي بينالي الجنوب الدوليّ للفن المعاصر «بينالسور» في دورته الثالثة، بالتعاون مع جامعة تريس دي فيبريرو الوطنيّة بالأرجنتين التي ابتكرت البينالي وطوّرته، حيث ستكون المملكة إحدى المحطات الدولية التي سيتوقف عندها البينالي، وشهد البينالي مدينتا الرياض وجدّة، حيث أقيم في حي جاكس بالدرعية وفي قصر خُزام بجّدة. واحتوى على أكثر من 30 عملاً لفنانين من مختلف جنسيات العالم، من بينهم خمسة فنانين سعوديين.

«نقوش السعودية»
في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أعلن وزير الثقافة إطلاق مبادرة وطنية لاستكشاف النقوش والفنون الصخرية الموجودة في مختلف المناطق السعودية، تنظمها وتشرف عليها هيئة التراث، وتشارك فيها جميع الشرائح الاجتماعية، تحت عنوان «نقوش السعودية»، وضمن مبادرة «نقوش» التي تهدف إلى تسليط الضوء على النقوش والمنحوتات الصخرية بالمملكة.
وسجلت هيئة التراث، حتى الآن أكثر من 3000 من النقوش والكتابات والفنون الصخرية في السجل الوطني للآثار.

مهرجان البحر الأحمر السينمائي
في 6 ديسمبر (كانون الأول) 2021، انطلق مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي أقيم في القلب التاريخي لمدينة جدة، واستمر حتى 15 من الشهر. وكرّم المهرجان في حفل الافتتاح جاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، ورئيس معهد العالم العربي بباريس، وكاترين دينوڤ أيقونة السينما الفرنسية، والفنّانة المصرية ليلى علوي، والمخرجة والمنتجة السعودية هيفاء المنصور، صاحبة أول فيلم روائي طويل تم تصويره بالكامل في المملكة سنة 2012، تحت عنوان «وجدة».
وعُرض في الافتتاح الفيلم الموسيقي «سيرنو» للمخرج البريطاني جو رايت، كما تم اختبار الفيلم المصري «برا المنهج»، للمخرج المصري عمرو سلامة، لحفل اختتام المهرجان.
وعرض المهرجان 135 فيلماً من 67 دولة، منها 48 تُعرض عربياً لأول مرة، و27 فيلماً سعودياً، و17 في عرضها العالمي الأول، وقد افتتح عروضه بالفيلم الموسيقي البريطاني «سيرنو» للمخرج جو رايت.
وتنافس على جوائز «اليسر» التي قدمها مهرجان البحر الأحمر السينمائي؛ 16 فيلماً في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، و18 في مسابقة الأفلام القصيرة، إلى جانب مسابقة السينما التفاعلية، كما تم منح أكثر من 700 ألف دولار أميركي للمشاريع الفائزة بجوائز سوق البحر الأحمر.

مؤتمر دولي للفلسفة
خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر 2021، أقيم «مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة»، تحت شعار «مهرجان الأفكار»، وهو أول مؤتمر من نوعه في السعودية بمشاركة مفكرين ومؤسسات من حول العالم، ومختصين في الفلسفة ونظرياتها وتطبيقاتها الحديثة من جميع أنحاء العالم، ويسعى المؤتمر لدعم حضور الفلسفة وامتداداتها الفكرية والثقافية والمعرفية في كل مجالات الحياة ، وبناء جسور راسخة فيما بينها قائمة على أسس فكرية ومعرفية مشتركة. واتخذ المؤتمر مفهوم «اللامتوقع» محوراً مركزياً لمناقشاته، حيث تناول المختصون نظريات الأخلاق وأبعادها المفاهيمية، ومستجدات التقدم العلمي، والوتيرة المتسارعة لتطبيقات التكنولوجيا، كما سلط الضوء على حضور الفلسفة المهم في كل هذه المسارات والأنشطة الإنسانية، إضافة إلى ندوات وجلسات حوارية، وورش عمل مختلفة.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.