جاك نيكلسون بين الأمس واليوم

نقاط تحوّل في مسيرة ممثل مبدع

مع ويل سمبسون في «واحد طار فوق عش المجانين»  -  جاك نيكلسون
مع ويل سمبسون في «واحد طار فوق عش المجانين» - جاك نيكلسون
TT

جاك نيكلسون بين الأمس واليوم

مع ويل سمبسون في «واحد طار فوق عش المجانين»  -  جاك نيكلسون
مع ويل سمبسون في «واحد طار فوق عش المجانين» - جاك نيكلسون

بعد خمسة أيام فقط يحتفل الممثل جاك نيكلسون والمعجبون به بعيد ميلاده الثامن والسبعين، فهو وُلد في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) سنة 1937. في ستين سنة حافلة، شارك خلالها في نحو 75 عملا سينمائيا ونحو 20 عملا تلفزيونيا، أسس نيكلسون لنفسه كيانا مستقلا بين الممثلين سواء حين بدأ شابًا أو لاحقًا عندما اختلفت الأدوار بالنسبة إليه تبعًا لتقدّمه في السن.

* الاكتشاف
وُلد في نبتون في ولاية نيوجيرسي. وهو عاش خضم مفاجأة كبرى سنة 1975 عندما اكتشف، في مقالة كُتبت عنه في مجلة «تايم» الشهيرة، أن من اعتقدها شقيقته الكبرى (واسمها جين) لم تكن سوى والدته، وأن من اعتقدها أمه هي جدته (إيثل). مرد ذلك إلى أنه كان ابنًا لعلاقة غير شرعية، وجين لم تكن واثقة من هوية الأب فقررت أمها وأبوها تبنيه.
ظاهريًا، على الأقل، لم يبد نيكلسون اكتراثًا لما نُشر على الرغم مما أحدثه ذلك الاكتشاف من إعادة ترتيب حقائق كانت متوارية. لكن المؤكد أيضًا أن الرجل لم يسقط تحت انهيار نفسي أو عاطفي، وأنه عرف كيف يستوعب الأمر بحيث لا يستثمر الإعلام الاستهلاكي (تلك الصحف والمجلات التي تعيش على الفضائح) الموضوع لأكثر من بضعة مقالات بُنيت على تحقيق المجلة الأميركية الأسبوعية.
حين تم نشر هذا الموضوع في مجلة «تايم»، كان نيكلسون نجمًا عالميًا. كان بلغ هذا الوضع من مطلع السبعينات عندما قام بالتمثيل في ثلاثة أفلام جعلته موضع تقدير فني وجماهيري واسع، وهي «خمس مقطوعات سهلة» لبوب رافلسون (1970) و«ملك حدائق مارفن» (رافلسون أيضًا، 1972) و«التفصيلة الأخيرة» لهال آشبي (1973).
قبل ذلك، انخرط، حال وصوله إلى هوليوود، في منتصف الخمسينات، في العمل التلفزيوني، وظهر في أكثر من حلقة لأكثر من مسلسل في أدوار تمر عابرًا. لكنه وجد طريقه إلى الأفلام في عام 1958 عندما قام بالتمثيل في فيلم بعنوان «Cry Baby Killer» لاعبًا دور مراهق متهم بجريمة قتل لم يرتكبها.
تبعًا لهذا الفيلم، وضع نيكلسون قدمه في خط سير عدد من المخرجين الذين كانوا ينجزون أفلامًا جماهيرية مستقلة في الوقت ذاته أمثال ريتشارد راش وروجر كورمان. الأول منحه دورًا في «باكرًا على الحب» عام 1960، والثاني تبنّاه في عدد من الأفلام بدءًا من «دكان الرعب الصغير» (The Little Shop of Horrors) في العام ذاته. بعده قام نيكلسون وكورمان بالعمل معًا في «الغراب»، عن رواية إدغار آلان بو الشهيرة (1963) و«الرعب» (1963). لفت انتباه المخرج المستقل مونتي هلمان فقدّمه في أربعة أفلام متوالية هي «طيران صوب الغضب» (1964) و«الباب الخلفي للجحيم» (1964) و«إطلاق نار» (1966) و«ركوب الدوّارة» (1966). ريتشارد راش عاد إليه ووضعه فوق دراجة نارية كواحد من «ملائكة الجحيم على دراجات» ثم عاد إلى كورمان في فيلمين آخرين (أفضلهما «مجزرة يوم سانت فالانتاين» سنة 1967)، ومثل فيلمًا شبابيًا آخر لحساب ريتشارد راش يمكن ترجمة عنوانه إلى «جنون نفسي» (Psych‪-‬Out) سنة 1968.

* جيل الوردة
كل ذلك تحوّل فجأة إلى صور من الماضي عندما دخل مجرّة هوليوود مبرهنًا على أنه أحد الممثلين الذين لديهم من الشعبية ما يكفي لاعتماده في أفلام أولى. صحيح أن المخرج الموسيقي فنسنت مينيللي وضعه في دور ثانوي في فيلم باربرا سترايسند وإيف مونتان «في يوم صاف تستطيع أن ترى إلى الأبد»، لكن نيكلسون لم يكترث لهذا النوع من الأفلام على أي حال. «إيزي رايدر»، لجانب بيتر فوندا ودينيس هوبر، كان أكثر تلبية للصورة المرسومة له في تلك الفترة، كذلك أفلامه مع بوب رافلسون ثم سواه.
الصورة هي لشخص لا يبالي. في ذلك الحين كانت أميركا تشهد كل تلك المتغيّرات التي يقودها شباب يرغب في المساواة العنصرية ويعارض الحرب الفيتنامية ويؤيد السلام والوئام. في الخمسينات بدأها روائيون مشهود لهم بالتقدير (منهم ويليام إس بورو وجاك كيرواك وهنتر إس تومسون) وقبل أن تذبل نتاجاتهم انتشر مفهوم رفض المؤسسة القائمة ليشكل انقسامًا كبيرًا بين المحافظين وبين جيل الستينات من المثقفين والمنتمين إلى ما عرف بـ«جيل الوردة». السينما كانت حليفة من باب عدم رغبتها في تفويت الفرصة. وأفضل ممثل كان قادرًا على تجسيد الشخصية التي تماثل هوى المشاهدين في هذا الصدد هو جاك نيكلسون.
«خمس مقطوعات سهلة» (Five Easy Pieces) هو من بين أفضلها مثالاً: جاك نيكلسون لعب دور شاب آت من عائلة ثرية لكنه يُدير ظهره لكل الرغد الذي كان يستطيع العيش فيه وينطلق بحثًا عن مستقبله في أعمال يدوية.
هذه اللفتة المتمرّدة معبّر عنها أيضًا في «التفصيلة الأخيرة» حيث هو أحد رجلي بوليس البحرية مطلوب منه (ومن شريكه أوتيس يونغ) القبض على مجنّد (راندي كوايد) خالف التعليمات بالعودة إلى معسكره. سيتفهم نيكلسون في الفيلم دوافع المجنّد الشاب، وسيدافع عن حقوقه مرتكبًا بدوره خروجًا عن الأعراف.

* أوسكاراته
هذان الفيلمان كانا من بين إنتاجات هوليوود الرئيسية كذلك «معرفة جسدية» (مايك نيكولز، 1971) و«تشايناتاون» (رومان بولانسكي، 1974) وسواهما قبل وبعد قيامه بتمثيل دور الكاتب الذي يستبدل هويته بقاتل في فيلم مايكل أنغلو أنطونيوني «المسافر» (1975).
هذا هو العام نفسه الذي قام فيه نيكلسون بأهم أدواره: هو مرّة أخرى رافض للمؤسسة الأميركية التقليدية في «واحد طار فوق عش المجانين». بعد خمسة أعوام غيّر نيكلسون اتجاهه تمامًا عندما قام ببطولة «اللامع» (The Shining) لستانلي كوبريك. هنا هو كاتب دكّته الأحلام والإخفاقات فانطلق يعايش وهمًا من الأمس وينصاع لأوامر في البال لقتل زوجته وابنه.
نيكلسون استمر ممثلاً مطلوبًا وغزيرًا في عمله منذ ذلك الحين وحتى عام 2010 عندما ظهر في آخر فيلم له حتى الآن وهو «أنا ما زلت هنا» في فيلم شبه تجريبي من تحقيق كايسي أفلك. لكن إسهاماته الأهم لم تتأثر بمرور الزمن، وليس علينا العودة لأكثر من خمس عشرة سنة لنلتقط بعض أداءاته الرائعة في أفلام متعددة الأهداف: الدراما التشويقية في «دم وخمر» (عودة حميدة لبوب رافلسون مع مشاركة مايكل كاين في البطولة) والكوميديا في «أفضل الممكن» و«العهد» (لشون بن) ودوره الذي لا يُنسى في «المغادر» لمارتن سكورسيزي.
نيكلسون نوع مختلف من الممثلين. لم ينخرط في سلك المدارس بل تعامل مع الشخصيات براحة نفسية تعبّر دومًا عن مواقفه حيال الحياة وعن موهبة آسرة في الكيفية التي يصهر فيها ما قد تمر به شخصيته من ظروف وحالات. لا عجب أنه رشّح للأوسكار 12 مرة، أولاها عن «إيزي رايدر» وآخرها عن «حول شميت» (2002)، ونال الجائزة ذاتها ثلاث مرات، الأولى عن «طيران فوق عش المجانين» (1975)، والثانية «شروط المودّة» (1984)، أما الثالثة فعن «أفضل ما يمكن» (1997).



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز