المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

كسر حواجز «كورونا» واستعاد الكثير من الأنشطة المعتادة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد
TT

المشهد الثقافي المصري: ذائقة متغيرة ومسارات بديلة

محمود نسيم  -  شاكر عبد الحميد
محمود نسيم - شاكر عبد الحميد

انشغلت الثقافة المصرية طيلة العام الفائت بالبحث عن مسارات بديلة تستعيد من خلالها عافيتها وحيويتها، واختراق الحواجز التي فرضتها جائحة كورونا وتحورات الفيروس المباغتة التي لا تزال تثير الرعب في العالم. عادت الكثير من الأنشطة الأدبية والفنية، وأصبح التعايش مع الجائحة وتبعاتها بمثابة حافز للمقاومة ونقطة انطلاق لهذه المسارات، ساعد على ذلك رغبة المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين في كسر هذه الحواجز، وتضافر المؤسسات الرسمية المعنية التي ترى في هذه العودة تجديدا لحضورها ومواصلة الدور المنوط بها.
ورغم الإيجابية البادية لهذه العودة، إلا أن معظمها اتسم بالسرعة، وافتقد التخطيط والرؤية الصحيحة، وغيرها من العناصر التي توائم بين عنصري الكم والكيف، خاصةً في الأنشطة ذات الطابع التراكمي الجماعي، مثل مهرجانات السينما والأغنية والمسرح التي أقيمت هذا العام واحتضنتها دار الأوبرا، أيضاً معارض الفن التشكيلي الموسمية، فظل الحشد والحرص على الكم هو السائد، في المقابل شكل الاستثناء ندرة لافتة. ولا يخلو الأمر من مفارقة تكاد تكون مزمنة؛ فمعظم هذه الأنشطة تدور في فلك مؤسسة وزارة الثقافة وقطاعاتها الرسمية ويتوافر لها التمويل والإمكانات، ومن أبرزها المعرض العام، وصالون الفن المعاصر في دورته الأولى بعنوان «ما بعد الفكرة» بقصر الفنون، واللذان شارك فيهما حشد من الفنانين من شتى الأطياف الفنية، تنوعت أعمالهم ما بين الفنون المركبة، والتجهيز في الفراغ، والفيديو آرت، والنحت والتصوير، لكن لم ينج المعرضان وكلاهما يستمر لمدة شهر، من العشوائية والاكتظاظ دون سياق فني، ولم نعرف ما المقصود بشعار «ما بعد الفكرة»: هل هو الانفلات من الإطار، أيا كان، إطار اللوحة والوجود، أم ترك الحبل على الغارب، تشكله الفوضى والعبث باسم الفن، أو أي شيء آخر، إلى حد الاستخفاف، وأن تصبح مجموعة من البالونات المنفوخة المعلقة في سقف حجرة عملا فنيا، وغيرها من الأعمال التي لا ترقى إلى الاشتراك في صالون فني يؤسس لدورته الأولى؟! هذه العوامل وغيرها جعلت أغلب الأنشطة تفتقر إلى المعنى والحضور الجماهيري الواسع الفعال والذي اقتصر على الافتتاح الرسمي، كما غاب الحوار الحي مع الجمهور وأصبحت عودة هذه الأنشطة مجرد حشد شكلي لملء الفراغ.
في المقابل برز عدد من المعارض الفردية، اتخذت من مفردات البيئة والموروث الشعبي ومعايشة الطبيعة، أفقا لمغامرة تشكيلية متنوعة، ومنها معارض للفنانين: محمد عبلة، عمر الفيومي، عبد الوهاب عبد المحسن، أحمد عبد الكريم، سماء يحيي، إيمان عزت، فتحي عفيفي، وإبراهيم الطنبولي.
لكن يبدو أن الهم الأساسي الذي تواجهه الثقافة المصرية هو البحث عن مسارات بديلة وسط ذائقة متغيرة، أصبحت تتمرد على الماضي، وترفض أن تكون حبيسة في قفصه أو رهينة له، تقيس عليه حضورها وغيابها. عزز هذا التمرد عالم الميديا والإنترنت والسماوات المفتوحة، وفقدان المجتمع فكرة المثال الذي يمكن الاحتذاء به، ويشكل حافزا حيا، ممتدا في الزمان والمكان. هذه الذائقة المتغيرة أصبحت تفرض نفسها في كل أنماط الحياة، بداية من الثقافة والتعليم، الفن والأدب، التربية والفكر والأنشطة الاجتماعية، وحتى المجال السياسي؛ كما فرضت النظر إلى المستقبل من منظور يضع الحرية شرطا أساسيا للفن والإبداع والحياة، حيث «أنت سيد نفسك... وإن لم تستطع حاول أن تكون».
على الجانب الآخر، وبعيدا عن مفارقات هذا المنظور، حفل المشهد الثقافي المصري خلال هذا العام، بالكثير من الأعمال الإبداعية اللافتة والمهمة صدرت عن دور نشر تتسم بوعي ثقافي، تتصدرها أربعة أعمال سردية كانت الأوسع انتشاراً، من حيث المتابعة النقدية والصحافية، وهي: رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني عن دار الشروق، ورواية «في حانة الست» للكاتب الصحافي محمد بركة عن دار المثقف، وكتاب «مقهى ريش... عين على مصر» للشاعرة والكاتبة ميسون صقر، عن دار نهضة مصر، و«زيارة حميمة تأخرت كثيرا» للناقدة الأكاديمية سامية محرز، عن دار الشروق. وعلى بعد خطوات من هذه الأعمال تأتي روايتا «موت منظم» للكاتب أحمد مجدي همام، عن دار نوفل ببيروت، و«عظومة» للكاتب عصام البرعي، والتي صدرت أخيرا عن دار ميريت.
تندرج هذه الأعمال تحت فضاء السيرة الذاتية بتنويعات مختلفة، تتراوح ما بين السيرة الشخصية، وسيرة المكان، وسيرة الزمن، وسيرة المأساة. ويبدو تكنيك الخطوط المتوازية قاسما فنيا مشتركا فيما بينها. كما أن الزمن في هذه الأعمال يعمل من خلال آليتين، فهو زمن استرجاعي في بعضها، وزمن معيش في البعض الآخر. لكنه في كلتا الحالتين يبحث عن نقطة التقاء في تخوم اللحظة الحاضرة، يشتبك معها ليس كعلاقة ظل وصورة أو نوستالجيا خاطفة إنما كخط موازٍ، يصنع جسرا بين الماضي والحاضر؛ بين ما قد كان، وما هو كائن بالفعل، تاركا للمتلقي/ القارئ استشراف ما يمكن أن يكون.
أعمال مغمورة بمحبة الكتابة. تلتقي في خطوط متوازية وتفترق في اللعب على براح الخيال، والمقدرة على جعله واقعا موازيا لتعارضات الروح والجسد، والحلم والحقيقة، سعيا للإمساك بنافذة رؤية جديدة، للذات والواقع والعالم والأشياء.
يتناثر الوعي بهذه الخطوط المتوازية، في فضاء فكرة الهجرة والترحال، والنظرة إلى الوطن الأم من ثقوب الغربة، ومرايا الوطن البديل، هكذا تعزف مي التلمساني في روايتها، مستبطنة حكايات وحيوات كتلة من البشر العرب يعيشون في المهجر الكندي، وكأنها صدى لحياة البطلة الكاتبة الساردة التي تشاركهم هموم المهجر نفسه، وتعيشه بالفعل كمعبر آخر للحياة. بأناقة مخيلة ترصد مي صراعاتهم في محيط العائلة والعمل، وعلاقات الحب ومكابداته، والتواطؤ ضده أحيانا، بعلاقات عاطفية موازية تحاول كسر رتابة الواقع والمألوف. تنسج الرواية لعبتها في ظل لحظة زمنية مضطربة يصارع العالم فيها وباء الكورونا.
ومن نقطة في الماضي ينبش محمد بركة في سيرة حياة أم كلثوم، محاولا أن يصنع من خلالها موازاة لواقع آخر، حيث المهمش والمسكوت عنه في هذه السيرة، راصدا تداعياتها، في ظلال الطفولة والنشأة، تحت وطأة الفقر وشظف العيش، ثم في ظلال المجد والصعود والتربع على عرش الغناء العربي. من جهة أخرى وفي خطين متوازيين، تتقاطع فيهما سيرة الذات الساردة/ الكاتبة، وسيرة الجد. تنكش محرز في وثائق ومخطوطات جدها لأمها «شاعر الأطلال» إبراهيم ناجي والذي مات قبل أن تولد بعامين، وتكشف الكثير من الوقائع غير المعروفة عن حياته كإنسان وطبيب وشاعر بارز؛ ويكشف الكتاب عن وجهين متقاطعين للزيارة، زيارة للجد، وفي الوقت نفسه زيارة لطفولتها التي تأخرت أكثر من نصف قرن. بينما تتكئ ميسون صقر على مقهي «ريش» بوسط القاهرة، كنقطة انطلاق لفضاء أوسع، كاشفة الكثير من الوقائع حول سيرته ونشأته وملاكه، والأدوار التي لعبها في محيط الثقافة والفن والسياسة، وفي لحظة فارقة من تاريخ مصر، شهدت بزوغ فجر نهضتها الحديثة في عصر محمد علي. تتخذ ميسون من جدل المتن والهامش بؤرة لسرد حكائي شيق تمتزج فيه الأفكار والرؤى في أنساقها الفلسفية المجردة، بواقع الحياة المصرية وإيقاعها الشعبي وحكايات شوارعها وميادينها ومقاهيها ومبانيها ذات الطرز العتيقة، ليتحول مقهى ريش من مجرد حيز ومرتكز مكاني إلى عين ترصد كل هذا المتغيرات في خطوط متوازية، تتجاور وتتقاطع بتلقائية الروح ومحبة الحياة.
ويلعب أحمد مجدي همام على سرد المأساة، في خطوط متوازية ما بين ماضي الأرمن وما تعرضوا له من تشريد ومجازر على يد الأتراك، وبين حاضرهم الذي يطل على هذا الماضي. وبعين صحافي شاب يحاول أن يتتبع مسارات وجذور هذه المأساة في إطار مهني وإنساني، من خلال النبش في حكاية الجالية الأرمينية في مصر، وكيف حافظوا على لغتهم وهويتهم وتعايشوا وسط بلد حاضنة لهم بمحبة وسلام. تجسد هذه الهموم بطلة الرواية «ماجدة» الأرمينية التي ولدت في مصر وتعيش من ريع صيدلية تركها لها زوجها، وتملك الكثير من الوثائق والمستندات. في ظلال علاقة حميمة تنشأ بينها وبين الصحافي الشاب تنفتح الرواية على تاريخ الأرمن ومأساتهم بلغة سردية شديدة التلقائية والعذوبة. وفي محاولة لاستعادة خطى الزمن ينسج عصام البرعي من خيوط السرد فضاء موازيا لزمن السبعينيات في مصر إبان حكم السادات، متخذا من متاهة بطله وعزلته ومرضه وتركه عمله، خطا موازيا لما تعرض له الوطن من انكسارات سياسية واجتماعية وثقافية، في زمن شهد أعنف موجات اعتقال للمثقفين والكتاب، وفصلهم من وظائفهم. يتهم البطل بالجنون، لكنه جنون الواقع وما آل إليه من ضعة وهوان.
يبقى كتاب «الحرية والحقيقة – تحديات الثقافة والمثقف المصري» لنبيل عبد الفتاح الصادر عن دار ميريت واحدا من أهم الكتب الفكرية النقدية الصادرة هذا العام، حيث يقدم مراجعة رصينة وفي إطار رواية مفتوحة على شتى الحدوسات المعرفية، يكشف من خلالها التحديات الفارقة التي يواجهها العقل والإبداع المصري، راصدا ومحللا للأدوار التي لعبها هذا العقل في لحظات المد والجذر، وتنوعه الرحب الخصب، ثم لحظات انكساره وسكونه في عالم يموج بالتحول والتغير في شتى النظم العلمية والثقافية.
ولا يخلو هذا العام من لحظات شجن وأسى جراء الرحيل المباغت لكتاب وشعراء أصابهم وباء كورونا في مقتل، من بينهم الباحث والناقد والمترجم دكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، صاحب الإسهام الأصيل في المقاربة بين علم النفس والإبداع، والشاعر محمود نسيم، الذي جعل من القصيدة ساحة مسرح، تتعدد عليها مستويات الرؤية والحوار بين الذات والعالم، بإيقاع درامي مسكون بالبحث عن غد أفضل في فضاء الحرية والجمال.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.