الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أصيلة تواصل مسارها الثقافي والرباط تحتضن معرض «دولاكروا... ذكريات»

TT

الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أبَت «كورونا» إلا أن تواصل سطوتها على المشهد الثقافي والفني المغربي خلال 2021، بعد أن كانت قد أرْخت عليه بظلالها خلال السنة الماضية، ما دفع السلطات إلى مواصلة فرض حالة الطوارئ الصحية واتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس، شملت منع جميع المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية.
وفضلاً عن المشاعر المتناقضة التي انتابتهم بفعل الجائحة، عاش المغاربة خلال هذه السنة، بألم كبير، رحيل كتاب وفنانين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي للمغرب المعاصر، بينهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس كورونا. وتأثر النشاط الثقافي جراء إغلاق فضاءات العرض، وتم تنظيم بعضها عن بعد أو حضورياً مع اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاحترازية، إثر تخفيف أو رفع جزئي للحجر الصحي. ورغم هذه الاحترازات فقد تميزت هذه السنة، على صعيد تدبير الشأن الثقافي، بتعيين محمد مهدي بنسعيد وزيراً للشباب والثقافة والتواصل، خلفاً لعثمان الفردوس الوزير السابق للثقافة والشباب والرياضة.

- مهرجانات واحتفاء بالمرأة
فرضت جائحة «كورونا» وإجراءات مواجهة تفشيها إلغاء عدد من المهرجانات الفنية والثقافية، على غرار «مهرجان موازين... إيقاعات العالم» بالرباط، و«مهرجان كناوة وموسيقى العالم» بالصويرة، و«المهرجان الدولي للفيلم بمراكش»، فيما سمحت ظروف التخفيف لبعضها بالتنظيم، بينها «المهرجان الدولي لفيلم المرأة» بسلا المجاورة للرباط، في دورته الـ14، ما بين 8 و13 نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد انقطاع في سنة 2020 بسبب تفشي جائحة «كوفيد - 19».
واستضافت الدورة السينما السويسرية، احتفاءً بمرور 100 سنة على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كما عاد «المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة» بالناظور في دورة عاشرة، ما بين 15 و21 نوفمبر، مراهناً على حضور الجمهور والسينمائيين والفاعلين السياسيين والحقوقيين «لتدارس عالم ما بعد كوفيد - 19، وبث روح جديدة بالمتوسط، كي تعود الحياة إلى سابق عهدها وتتواصل رحلة الألف ميل لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، هنا وهناك». وتميزت الدورة بمشاركة سبعة أفلام طويلة من جنسيات مختلفة تبارت على جوائز المهرجان، إلى جانب ستة أشرطة وثائقية و13 شريطاً قصيراً. كما شهد المهرجان تنظيم «ماستر كلاس»، خصص للحديث عن السينما وتأثيرها على السياحة ونمو المدن والدول التي تحتضن تصوير الأفلام السينمائية والأشرطة التلفزيونية، إضافة إلى تنظيم ورشة في السينما. كما تميزت التظاهرة بتسليم جائزة «ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم» لابنة الناظور الوزيرة الفرنسية السابقة نجاة بلقاسم، التي شاركت رفقة سياسيين وسينمائيين وخبراء وأكاديميين مغاربة وأجانب في ندوة دولية خصصت لإلقاء الضوء على تداعيات أزمة كورونا وعالم ما بعد «كوفيد - 19».

- أصيلة: موسمان ثقافيان
واختار «موسم أصيلة الثقافي الدولي» الثاني والأربعون، أن ينظم فعالياته في دورتين، صيفية وخريفية. وشملت الدورة الصيفية، ما بين 25 يونيو (حزيران) و18 يوليو (تموز) تنظيم مشغل الصباغة على الجداريات، كما جرت العادة منذ ربيع 1978، نشط به 11 فناناً في مختلف أزقة مدينة أصيلة العتيقة، وأيضاً مشغل النحت والرسم بمشاركة 11 فناناً في مشاغل الفنون التشكيلية بقصر الثقافة، ومشغل الصباغة على الجداريات الخاص بأطفال مدينة أصيلة بحدائق قصر الثقافة، إلى جانب معرض «ربيعيات 2021» الذي أقيم برواق المعارض بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، وكذلك معرض أعمال «مشغل أطفال الموسم»، و«معرض الفنانين الزيلاشيين الشباب»، الذي أقيم بديوان قصر الثقافة. هذا إلى جانب ورشة «الإبداع الأدبي»، التي أشرف عليها الشاعر أحمد العمراوي، لفائدة طلبة المدارس الإعدادية والثانوية في أصيلة.
فيما نظمت الدورة الثانية (الخريفية) ما بين 29 أكتوبر (تشرين الأول) و18 نوفمبر (تشرين الثاني)، واستضافت ست ندوات، في إطار الدورة 35 لجامعة المعتمد بن عباد المفتوحة، وذلك وسط حضور عربي وأفريقي ودولي لافت، ومشاركة صفوة من الباحثين والمفكرين وأصحاب قرار نافذين والشعراء.
انطلق برنامج الندوات بندوة افتتاحية بعنوان «المغرب العربي والساحل: شراكة حتمية؟». فيما بحثت الندوة الثانية التي نسقها لويس أمادو، وزير خارجية البرتغال الأسبق، سؤال «أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية؟»، وتناولت الندوة الثالثة، التي نسقها الكاتب الأكاديمي الموريتاني عبد الله ولد أباه، موضوع «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، فيما جاءت الندوة الرابعة، التي نسقها الإعلامي المغربي جمال المحافظ، تكريمية في إطار فضاء «خيمة الإبداع»، وجرى خلالها تكريم الإعلامي المغربي محمد البريني، فيما تناولت الندوة الخامسة موضوع «الشيخ زايد: رؤية القائد المتبصر»، ليسدل الستار بتنظيم اللقاء الشعري الثاني، في موضوع «لغة الشعر العربي اليوم»، من تنسيق الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين.

- عروض مسرحية
وفرت الفترات القليلة التي تقرر فيها إعادة فتح قاعات السينما والمسارح والمراكز الثقافية وفق شروط، إثر تحسن المؤشرات المتعلقة بالوضع الوبائي بالمملكة، فرصة تنظيم عروض مسرحية أعادت بعض الدفء إلى المسارح. وقد عبر الكاتب المغربي ياسين عدنان عن هذه العودة التدريجية للحياة الثقافية والفنية إلى سابق نبضها، بالقول: «كأن هواءً جديداً بدأ يتسرّب إلى حياتنا. إلى حياة مدننا هنا. كأننا بدأنا نخرج من النفق بالتدريج. النفق الضيق الذي حشرَتْنا الجائحة فيه».
وضمن هذا المستجد الإيجابي، تابع عشاق المسرح عروضاً عديدة، بينها العرض المسرحي الذي اقترحه «مسرح أنفاس» والمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم 16 يونيو (حزيران) الماضي، تحت عنوان «المدينة لي». كما استضافت مراكش ما بين 22 و27 نوفمبر (تشرين الثاني)، الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للرقص المعاصر «نمشي» وبينالي الرقص في أفريقيا.

- فعاليات تشكيلية
حرصت مختلف المتاحف والأروقة وفضاءات العرض الفني التشكيلي على أن تفتح أبوابها بصيغ تساير مؤشرات الحالة الوبائية. وشكل تخليد الذكرى العاشرة لإحداث «المؤسسة الوطنية للمتاحف» بالمغرب مناسبة للوقوف على حصيلتها وإبراز الآفاق المستقبلة لمشاريع عملها، مع تقوية «الحكامة»، و«تثمين رصيد» المتاحف الوطنية و«جرد وحصر وتوثيق» رصيدها، و«دراسته علمياً والمحافظة عليه وصيانته وحمايته وفق المعايير المتعارف عليها والقوانين المنظمة لقطاع التراث»، و«إغناء المجموعات المتحفية التابعة لها من خلال حملات التجميع واستملاك أو تسهيلة استملاك أو شراء، بعوض أو بالمجان، الأعمال والتحف الفنية التي تكون لها قيمة تاريخية أو علمية أو دينية أو فنية أو أدبية أو إثنولوجية بهدف ضمها إلى مجموعات تلك المتاحف»، إلى جانب «التعريف بوظائف ودور المتاحف في تطور المجتمع وتشجيع الإبداع». وشكل معرض «دولاكروا... ذكريات رحلة إلى المغرب»، الذي نظم ما بين 7 يوليوز (تموز) و9 أكتوبر (تشرين الأول) بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، نموذجاً للدينامية الفنية التي تشهدها المملكة على مستوى العرض التشكيلي.

- إصدارات متنوعة
وشهد العام ازدياداً في إصدارات الكتاب المغاربة من طرف دور نشر عربية. وغطت هذه الإصدارات مختلف مجالات الكتابة، في الرواية «رجال الدار البيضاء» لأحمد المديني، و«غبار ونجوم» ليوسف فاضل، و«والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» لعبد الفتاح كيليطو، و«كتاب السفر» لمحمد بهجاجي، و«الروايةُ وشعريةُ اليتمُ» (دراسة نقدية) للباحث والمترجم حسن المودن، و«التيهاء» (تخييل ذاتي) لعبد القادر الشاوي، و«قراءات من أجل النسيان» لعبد السلام بنعبد العالي، و«السينما العربية تجارب... رؤى... رهانات» لمحمد شويكة. كما شهد العام ترجمة أعمال أدبية مغربية إلى لغات أخرى، مثل رواية «هوت ماروك» للمغربي ياسين عدنان التي ترجمها إلى الإنجليزية المستعرب الأميركي أليكس ألينس رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة هانتر بنيويورك.

- جوائز في النقد والإبداع
وحفل العام بباقة من الجوائز حصدها الكتاب المغاربة في مختلف أشكال الكتابة والإبداع، سواء داخل المغرب أو خارجه. منها جائزة المغرب للكتاب وفاز بها: محمد علي الرباوي عن مجموعته «رياحين الألم» (الجزء الرابع) بجائزة الشعر (مناصفة) مع رشيد المومني عن ديوانه «من أي شيء». فيما فاز بجائزة السرد إسماعيل غزالي عن روايته «قطط مدينة الأرخبيل»، وبجائزة العلوم الإنسانية (مناصفة) بوبكر بوهادي عن كتابه «المغرب والحرب الأهلية الإسبانية 1936 - 1939»، ويحيى اليحياوي عن كتابه «بيئة المعطيات الرقمية». وفاز بجائزة العلوم الاجتماعية (مناصفة) يحيى بن الوليد عن كتابه «أين هم المثقفون العرب؟ سياقات وتجليات»، وإدريس مقبول عن كتابه «الإنسان والعمران واللسان، رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية»، فيما فاز بجائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية نزار التجديتي عن كتابه «الناظم السردي في السيرة وبناتها: دراسات فيما وراء العيان والخبر»، وبجائزة الترجمة (مناصفة) أحمد بوحسن عن ترجمته لكتاب «مغامرات ابن بطوطة: الرحالة المسلم في القرن الرابع عشر الميلادي» ومحمد الجرطي عن ترجمته لكتاب «نهاية الحداثة اليهودية: تاريخ انعطاف محافظ»، وبجائزة الدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية خالد أنصار عن كتابه «الأصوات الصفيرية في الأمازيغية». فيما فاز بجائزة الإبداع الأدبي الأمازيغي (مناصفة) حسن أوبراهيم أموري عن روايته «تيتبيرين تيحرضاض»(الحمامات العاريات)، والطيب أمكرود عن ديوانه «أروكال» (جمر تحت الرماد)، بينما قررت اللجنة حجب جائزة الكتاب الموجه للطفل والشباب.
كما فاز الشاعر محمد الأشعري بجائزة «الأركانة» العالمية للشعر، في دورتها الخامسة عشرة. وفاز الباحث محمد مشبال بجائزة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية، في فرع اللغة العربية والأدب. كما فاز ثلاثة مبدعين مغاربة بجائزة «كتارا» للرواية العربية بالدوحة، في دورتها السابعة: الناقد محمد الداهي عن دراسته النقدية «سلطة التلفظ في الخطاب الروائي العربي المعاصر»، والناقد يحيى بن الوليد عن دراسته «مرايا التمدين والتهجين في الرواية العربية الجديدة... المغرب مِثالاً»، والروائي يونس أوعلي عن روايته غير المنشورة «أحلّاس، ذاكرة أليمة المدى».
وودع المغاربة عدداً من رموز الفن والأدب، منهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس (كورونا): الكاتب محمد سبيلا، والفنان عبد المنعم الجامعي، والروائي بشير القمري، والحاجة الحمداوية رائدة الغناء الشعبي، والمخرج السينمائي محمد إسماعيل، والصحافي محمد الأشهب.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».