الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أصيلة تواصل مسارها الثقافي والرباط تحتضن معرض «دولاكروا... ذكريات»

TT

الثقافة المغربية: أمل الخروج من النفق ومخاطر متحورات «كورونا»

أبَت «كورونا» إلا أن تواصل سطوتها على المشهد الثقافي والفني المغربي خلال 2021، بعد أن كانت قد أرْخت عليه بظلالها خلال السنة الماضية، ما دفع السلطات إلى مواصلة فرض حالة الطوارئ الصحية واتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة تداعيات انتشار الفيروس، شملت منع جميع المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية.
وفضلاً عن المشاعر المتناقضة التي انتابتهم بفعل الجائحة، عاش المغاربة خلال هذه السنة، بألم كبير، رحيل كتاب وفنانين كانت لهم بصمتهم على مستوى المنجز الفني والأدبي للمغرب المعاصر، بينهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس كورونا. وتأثر النشاط الثقافي جراء إغلاق فضاءات العرض، وتم تنظيم بعضها عن بعد أو حضورياً مع اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاحترازية، إثر تخفيف أو رفع جزئي للحجر الصحي. ورغم هذه الاحترازات فقد تميزت هذه السنة، على صعيد تدبير الشأن الثقافي، بتعيين محمد مهدي بنسعيد وزيراً للشباب والثقافة والتواصل، خلفاً لعثمان الفردوس الوزير السابق للثقافة والشباب والرياضة.

- مهرجانات واحتفاء بالمرأة
فرضت جائحة «كورونا» وإجراءات مواجهة تفشيها إلغاء عدد من المهرجانات الفنية والثقافية، على غرار «مهرجان موازين... إيقاعات العالم» بالرباط، و«مهرجان كناوة وموسيقى العالم» بالصويرة، و«المهرجان الدولي للفيلم بمراكش»، فيما سمحت ظروف التخفيف لبعضها بالتنظيم، بينها «المهرجان الدولي لفيلم المرأة» بسلا المجاورة للرباط، في دورته الـ14، ما بين 8 و13 نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد انقطاع في سنة 2020 بسبب تفشي جائحة «كوفيد - 19».
واستضافت الدورة السينما السويسرية، احتفاءً بمرور 100 سنة على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. كما عاد «المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة» بالناظور في دورة عاشرة، ما بين 15 و21 نوفمبر، مراهناً على حضور الجمهور والسينمائيين والفاعلين السياسيين والحقوقيين «لتدارس عالم ما بعد كوفيد - 19، وبث روح جديدة بالمتوسط، كي تعود الحياة إلى سابق عهدها وتتواصل رحلة الألف ميل لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، هنا وهناك». وتميزت الدورة بمشاركة سبعة أفلام طويلة من جنسيات مختلفة تبارت على جوائز المهرجان، إلى جانب ستة أشرطة وثائقية و13 شريطاً قصيراً. كما شهد المهرجان تنظيم «ماستر كلاس»، خصص للحديث عن السينما وتأثيرها على السياحة ونمو المدن والدول التي تحتضن تصوير الأفلام السينمائية والأشرطة التلفزيونية، إضافة إلى تنظيم ورشة في السينما. كما تميزت التظاهرة بتسليم جائزة «ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم» لابنة الناظور الوزيرة الفرنسية السابقة نجاة بلقاسم، التي شاركت رفقة سياسيين وسينمائيين وخبراء وأكاديميين مغاربة وأجانب في ندوة دولية خصصت لإلقاء الضوء على تداعيات أزمة كورونا وعالم ما بعد «كوفيد - 19».

- أصيلة: موسمان ثقافيان
واختار «موسم أصيلة الثقافي الدولي» الثاني والأربعون، أن ينظم فعالياته في دورتين، صيفية وخريفية. وشملت الدورة الصيفية، ما بين 25 يونيو (حزيران) و18 يوليو (تموز) تنظيم مشغل الصباغة على الجداريات، كما جرت العادة منذ ربيع 1978، نشط به 11 فناناً في مختلف أزقة مدينة أصيلة العتيقة، وأيضاً مشغل النحت والرسم بمشاركة 11 فناناً في مشاغل الفنون التشكيلية بقصر الثقافة، ومشغل الصباغة على الجداريات الخاص بأطفال مدينة أصيلة بحدائق قصر الثقافة، إلى جانب معرض «ربيعيات 2021» الذي أقيم برواق المعارض بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، وكذلك معرض أعمال «مشغل أطفال الموسم»، و«معرض الفنانين الزيلاشيين الشباب»، الذي أقيم بديوان قصر الثقافة. هذا إلى جانب ورشة «الإبداع الأدبي»، التي أشرف عليها الشاعر أحمد العمراوي، لفائدة طلبة المدارس الإعدادية والثانوية في أصيلة.
فيما نظمت الدورة الثانية (الخريفية) ما بين 29 أكتوبر (تشرين الأول) و18 نوفمبر (تشرين الثاني)، واستضافت ست ندوات، في إطار الدورة 35 لجامعة المعتمد بن عباد المفتوحة، وذلك وسط حضور عربي وأفريقي ودولي لافت، ومشاركة صفوة من الباحثين والمفكرين وأصحاب قرار نافذين والشعراء.
انطلق برنامج الندوات بندوة افتتاحية بعنوان «المغرب العربي والساحل: شراكة حتمية؟». فيما بحثت الندوة الثانية التي نسقها لويس أمادو، وزير خارجية البرتغال الأسبق، سؤال «أي مستقبل للديمقراطية الانتخابية؟»، وتناولت الندوة الثالثة، التي نسقها الكاتب الأكاديمي الموريتاني عبد الله ولد أباه، موضوع «العرب والتحولات الإقليمية والدولية الجديدة: العروبة إلى أين؟»، فيما جاءت الندوة الرابعة، التي نسقها الإعلامي المغربي جمال المحافظ، تكريمية في إطار فضاء «خيمة الإبداع»، وجرى خلالها تكريم الإعلامي المغربي محمد البريني، فيما تناولت الندوة الخامسة موضوع «الشيخ زايد: رؤية القائد المتبصر»، ليسدل الستار بتنظيم اللقاء الشعري الثاني، في موضوع «لغة الشعر العربي اليوم»، من تنسيق الناقد المغربي شرف الدين ماجدولين.

- عروض مسرحية
وفرت الفترات القليلة التي تقرر فيها إعادة فتح قاعات السينما والمسارح والمراكز الثقافية وفق شروط، إثر تحسن المؤشرات المتعلقة بالوضع الوبائي بالمملكة، فرصة تنظيم عروض مسرحية أعادت بعض الدفء إلى المسارح. وقد عبر الكاتب المغربي ياسين عدنان عن هذه العودة التدريجية للحياة الثقافية والفنية إلى سابق نبضها، بالقول: «كأن هواءً جديداً بدأ يتسرّب إلى حياتنا. إلى حياة مدننا هنا. كأننا بدأنا نخرج من النفق بالتدريج. النفق الضيق الذي حشرَتْنا الجائحة فيه».
وضمن هذا المستجد الإيجابي، تابع عشاق المسرح عروضاً عديدة، بينها العرض المسرحي الذي اقترحه «مسرح أنفاس» والمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، يوم 16 يونيو (حزيران) الماضي، تحت عنوان «المدينة لي». كما استضافت مراكش ما بين 22 و27 نوفمبر (تشرين الثاني)، الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للرقص المعاصر «نمشي» وبينالي الرقص في أفريقيا.

- فعاليات تشكيلية
حرصت مختلف المتاحف والأروقة وفضاءات العرض الفني التشكيلي على أن تفتح أبوابها بصيغ تساير مؤشرات الحالة الوبائية. وشكل تخليد الذكرى العاشرة لإحداث «المؤسسة الوطنية للمتاحف» بالمغرب مناسبة للوقوف على حصيلتها وإبراز الآفاق المستقبلة لمشاريع عملها، مع تقوية «الحكامة»، و«تثمين رصيد» المتاحف الوطنية و«جرد وحصر وتوثيق» رصيدها، و«دراسته علمياً والمحافظة عليه وصيانته وحمايته وفق المعايير المتعارف عليها والقوانين المنظمة لقطاع التراث»، و«إغناء المجموعات المتحفية التابعة لها من خلال حملات التجميع واستملاك أو تسهيلة استملاك أو شراء، بعوض أو بالمجان، الأعمال والتحف الفنية التي تكون لها قيمة تاريخية أو علمية أو دينية أو فنية أو أدبية أو إثنولوجية بهدف ضمها إلى مجموعات تلك المتاحف»، إلى جانب «التعريف بوظائف ودور المتاحف في تطور المجتمع وتشجيع الإبداع». وشكل معرض «دولاكروا... ذكريات رحلة إلى المغرب»، الذي نظم ما بين 7 يوليوز (تموز) و9 أكتوبر (تشرين الأول) بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، نموذجاً للدينامية الفنية التي تشهدها المملكة على مستوى العرض التشكيلي.

- إصدارات متنوعة
وشهد العام ازدياداً في إصدارات الكتاب المغاربة من طرف دور نشر عربية. وغطت هذه الإصدارات مختلف مجالات الكتابة، في الرواية «رجال الدار البيضاء» لأحمد المديني، و«غبار ونجوم» ليوسف فاضل، و«والله إنّ هذه الحكاية لحكايتي» لعبد الفتاح كيليطو، و«كتاب السفر» لمحمد بهجاجي، و«الروايةُ وشعريةُ اليتمُ» (دراسة نقدية) للباحث والمترجم حسن المودن، و«التيهاء» (تخييل ذاتي) لعبد القادر الشاوي، و«قراءات من أجل النسيان» لعبد السلام بنعبد العالي، و«السينما العربية تجارب... رؤى... رهانات» لمحمد شويكة. كما شهد العام ترجمة أعمال أدبية مغربية إلى لغات أخرى، مثل رواية «هوت ماروك» للمغربي ياسين عدنان التي ترجمها إلى الإنجليزية المستعرب الأميركي أليكس ألينس رئيس قسم الدراسات العربية بجامعة هانتر بنيويورك.

- جوائز في النقد والإبداع
وحفل العام بباقة من الجوائز حصدها الكتاب المغاربة في مختلف أشكال الكتابة والإبداع، سواء داخل المغرب أو خارجه. منها جائزة المغرب للكتاب وفاز بها: محمد علي الرباوي عن مجموعته «رياحين الألم» (الجزء الرابع) بجائزة الشعر (مناصفة) مع رشيد المومني عن ديوانه «من أي شيء». فيما فاز بجائزة السرد إسماعيل غزالي عن روايته «قطط مدينة الأرخبيل»، وبجائزة العلوم الإنسانية (مناصفة) بوبكر بوهادي عن كتابه «المغرب والحرب الأهلية الإسبانية 1936 - 1939»، ويحيى اليحياوي عن كتابه «بيئة المعطيات الرقمية». وفاز بجائزة العلوم الاجتماعية (مناصفة) يحيى بن الوليد عن كتابه «أين هم المثقفون العرب؟ سياقات وتجليات»، وإدريس مقبول عن كتابه «الإنسان والعمران واللسان، رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية»، فيما فاز بجائزة الدراسات الأدبية والفنية واللغوية نزار التجديتي عن كتابه «الناظم السردي في السيرة وبناتها: دراسات فيما وراء العيان والخبر»، وبجائزة الترجمة (مناصفة) أحمد بوحسن عن ترجمته لكتاب «مغامرات ابن بطوطة: الرحالة المسلم في القرن الرابع عشر الميلادي» ومحمد الجرطي عن ترجمته لكتاب «نهاية الحداثة اليهودية: تاريخ انعطاف محافظ»، وبجائزة الدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية خالد أنصار عن كتابه «الأصوات الصفيرية في الأمازيغية». فيما فاز بجائزة الإبداع الأدبي الأمازيغي (مناصفة) حسن أوبراهيم أموري عن روايته «تيتبيرين تيحرضاض»(الحمامات العاريات)، والطيب أمكرود عن ديوانه «أروكال» (جمر تحت الرماد)، بينما قررت اللجنة حجب جائزة الكتاب الموجه للطفل والشباب.
كما فاز الشاعر محمد الأشعري بجائزة «الأركانة» العالمية للشعر، في دورتها الخامسة عشرة. وفاز الباحث محمد مشبال بجائزة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية، في فرع اللغة العربية والأدب. كما فاز ثلاثة مبدعين مغاربة بجائزة «كتارا» للرواية العربية بالدوحة، في دورتها السابعة: الناقد محمد الداهي عن دراسته النقدية «سلطة التلفظ في الخطاب الروائي العربي المعاصر»، والناقد يحيى بن الوليد عن دراسته «مرايا التمدين والتهجين في الرواية العربية الجديدة... المغرب مِثالاً»، والروائي يونس أوعلي عن روايته غير المنشورة «أحلّاس، ذاكرة أليمة المدى».
وودع المغاربة عدداً من رموز الفن والأدب، منهم من مات متأثراً بإصابته بفيروس (كورونا): الكاتب محمد سبيلا، والفنان عبد المنعم الجامعي، والروائي بشير القمري، والحاجة الحمداوية رائدة الغناء الشعبي، والمخرج السينمائي محمد إسماعيل، والصحافي محمد الأشهب.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.