كُتاب مغاربة: قراءات من التراث العربي والعالمي

4 - 4 تضمنت أعمالاً روائية ونقدية

كُتاب مغاربة: قراءات من التراث العربي والعالمي
TT

كُتاب مغاربة: قراءات من التراث العربي والعالمي

كُتاب مغاربة: قراءات من التراث العربي والعالمي

تراوحت حصيلة الكتاب المغاربة لهذه السنة بتنوع في القراءة، ما بين أعمال روائية وشعرية ودراسات نقدية وفكرية ونصوص من التراث العربي والعالمي، بغية الاطلاع على أفكار يمكن استثمارها في كتابات إبداعية ونقدية.
تشويق وإثارة
يقول الشاعر والإعلامي محمد بشكار: من أجمل ما قرأته في سنة 2021، راوية «حبس قارة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، وقد صدرت عن دار المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء- بيروت. أليس أجمل الروايات تلك التي تدس بخفّة في نفس القارئ مع اللغم، شيئاً من حتى، ولا يهم وأنت تقرأ أن يتطاير العقل كباقي الشَّظايا مع كل تفجير لغوي، أجمل الروايات تلك التي تقلب الماضي حاضراً أو العكس لتصير عوض الزمن أنت المفقود، هل أحتاج أن أنشِّط الذاكرة بما صنعته بالمخيلات رواية «الصخب والعنف» لويليام فوكنر مثلاً، أما ما زلت أنسج من خيالي شراعاً أوسع مما استعمله السندباد في رحلاته السبع، لأني موقن أن فضاءً حكائياً كالذي أشرعه العلوي في «حبس قارة» يُغري باقتراف رحلة ثامنة؟!
وأنا أقرأ «حبس قارة»، لم أتورط عميقاً في السير الحياتية لبعض الشخوص مثل «عبد الجبار»، وهي شخصية لا أعرف هل كانت، لكثرة عثراتها، ضحية الكاتب أو سخرية الأقدار، والغريب أن عبد الجبار بدأ طالباً ينجز بحثه حول «حبس قارة»، وانتهى إلى ما لم يطلبه من بحثه بأنْ صار سجين هذا الحبس والسبب الإله باخوس، ثمة أيضاً شخصية الرسام الفرنسي يوجين دولاكروا، فالجميع يعلم من خلال الألوان الحارة للوحاته الاستشراقية، أنه افتُتن بجمال طقس المغرب، سواء في مكناس أو طنجة، ولكن الراوي لا يتوقَّف عند هذه الحقيقة المُسَطَّرة في تاريخ الفن، بل يحاول الكشف عن البذور النُّطْفوية للرسام، فما أكثر حرثه الذي لا يخلو من ذرية في ربوع مكناس... ألم أقل إني لا أحب التورط في الأحداث، وإن مشيئة الكاتب أن يترك القارئ معلَّقاً بحبل السرد لا تصل رجلاه لأرض الحقيقة، فها هو الرسام دولاكروا قد تخلى عن مهمته التي جاء لأجلها ضمن بعثة دبلوماسية للمغرب، وها هي كل الأسرار قد ابتلعها الكاتب دون أن يروي ظمأنا بجواب. الأحمق من يتورط في تتبع سيرورة الأحداث والوقائع، لأن الكاتب لا يتوقف عن إرباك توقعات القارئ، ويستهويه أن يضع في طرف الحبل السردي أكثر من جَزرة، يخلط أوراق اللعب ولا يهمه أن يبدأ حيث ننتهي بالقراءة، وماذا ننتظر أن يكون أفق الانتظار في رواية شُيِّد بناؤها الحكائي على حبْس سوى جدار!
لم يختر الكاتب عنوان «حبس قارة» اعتباطاً، إنما عن وعي مسبق، فهو ليس بالعنوان البسيط وليس قريباً من اليد، إنما ستكتشف بعد أن تنتهي من الرواية أنه يضاهي أخطر المتاهات المتخيلة التي أبدعها كبار الكُتاب، ويحضرني هنا كتاب «المرايا والمتاهات» لبورخيس، أليس أيضاً «حبس قارة» الإسماعيلي بمكناس أكبر متاهة لا نهائية بمداخلها ومخارجها في جوف الأرض؟ لذلك ربما ينقلنا الكاتب من حكاية لأخرى بما يتناغم مع خرافية المكان، دون أن نظفر في أول السرد أو آخره بالحقيقة المطوَّقة بالأسوار. بورخيس أيضاً قال بلسان بطل قصته «كتاب الرمل»: «لقد غدا من الشائع اليوم التأكيد أن كل خرافة خارقة هي خرافة حقيقية، ومع ذلك فخرافتي حقيقية». كذلك هو الشأن بالنسبة لـ«حبس قارة»، فهو واقعي، ولكن ما أكثر الأحاجي والخرافات التي نُسجتْ حوله، ولن أجازف إذا قلت إن المعمار الحكائي للنص يكاد يحاكي المعمار السردابي للحبس، فلا نخرج من حكاية إلا لندخل أخرى مفتوحة لا تكتمل، ترانا في متاهة ضائعين في السراديب السفلى لـ«حبس قارة»، أم نقرأ «كتاب الرمل» لبورخيس الذي «قال لي بأن كتابه يسمى كتاب الرمل نظراً لأن الكتاب والرمل كلاهما لا مبتدأ لهما ولا نهاية». هذه الرواية أيضاً بعوالمها المُتشظِّية دون أول أو آخر. ألم أقل إن الكاتب لم يخْتر اعتباطاً هذا الحبس التاريخي لينشئ على بنيانه الرمزي روايته الرائعة، بل ليجعل القارئ سجين خياله بما يبتدعهُ من احتمالات.
تباريح وندم فكري
ويقول الشاعر عبد الرحيم الخصار: «أتبعك إلى العتمة» للكاتبة التونسية فائقة قنفالي أول رواية عربية تعرّي تفاصيل تصفيح البنات في بعض البلدان العربية، وتنتقد العادات البالية، عبر سرد حكاية فتاة لم تخلّف محاولةُ الحفاظ على «شرفها»، عبر التصفيح، سوى جراح في الذاكرة وآثار نفسية وخيمة.
تتسم الرواية بتمكّن من تقنيات البناء الروائي الذي يُراكم أحداثاً كثيرة في مساحات ضيّقة، وبمقدرة على سحب القارئ إلى المناطق الداخلية للشخصيات، حيث التحوّلات والتشعبات النفسية، مستفيدةً في ذلك من خبرتها في دراسة وتدريس الفلسفة. فضلاً عن تملّكها لغة روائية تهرب من الاستعراضات اللغوية والبلاغية لصالح لغة شفافة قريبة من المتلقّي ولا تخلو أيضاً من الشّاعرية.
من جهته، يتشكّل كتاب «في جو من الندم الفكري» لعبد الفتاح كيليطو من نصوص قصيرة. معظمها عودة إلى كتب سابقة. كما لو أن هذا الكتاب هو زيادات واستطرادات وتنقيح لكتب سابقة. وقد عبّر في مطلع الكتاب عمّا سماه إحساساً بالنقص لعدم تأليفه كتاباً بموضوع واحد دون استطرادات وتنويعات. غير أن هذا الشعور سيتخفّف لديه حين يجد الأمر ذاته لدى كاتب عربي قديم يحبّه، هو الجاحظ، الذي سينعته بمؤسس فن الاستطراد.
كتاب كيليطو المؤلّف من نصوص مكثّفة، شبيه بنقاش مفتوح مع المتلقّي حول تيمتين متلازمتين ظلّ يحوم حولهما في معظم كتاباته، هما: القراءة والكتابة. وهو إذ يطرح الأسئلة يجيب عن بعضها ويترك البعض الآخر للقارئ محاولاً إشراكه في هذا «الهمّ» الثقافي.
إن كيليطو يحترم قارئه ويتواضع أمامه حتى وهو يقدّم قراءات وملاحظات في غاية الأهمية حول أعمال أدبية من الشرق والغرب، من زمننا وأزمنة أخرى غابرة. وهي ملاحظات لا تتأتّى إلا لقارئ كبير مشغول بالبحث عن المفارقات والخفايا ومناطق الدهشة في النصوص الأدبية، قارئ لا يريد استيعاب النصوص وتعقّب تشكُّلِها، بل يريد أن يمتلك أسرارها.
ما يميز «تباريح العيش» لبول أوستر عن كتبه الأخرى في السيرة، هو سرد الأحداث من منظور ماليّ، وبالتالي وضَعَ أوستر تيمتين متناقضتين على طاولة الاختبار: المال والكتابة، تلك الكتابة التي كان يراها كافكا «شكلاً من أشكال الصلاة»، الكتابة التي «تفتح الجروح وتكويها في الوقت نفسه» كما قال خوان خوسي مياس. فقد كانت بالنسبة إليه الخلاص الوحيد والهدف الأسمى الذي خُلق للوصول إليه. وما منحه أوستر للكتابة في شبابه من تضحيات جسام ستمنحه له على نحو مضاعف في السنوات اللاحقة.
عاشق الكتب
ويقول الناقد والمترجم آيت النعيم: بما أنه لديّ انشغال ببحث حول استثمار الكتاب بوصفه موضوعة في السرد، أو بوصفه شخصية روائية، فإنني حاولت أن أخصص لهذا الموضوع زمناً قرائياً ممتداً، حتى تتضح لديّ الرؤية وأمسك بجوهره الذي ما زال أمشاجاً ومُزقاً.
لتحقيق هذه الغاية قرأت مجموعة من الأعمال السردية، من بينها كتاب «الرجل الذي كان يعشق الكتب بشكل مفرط» للصحافية الأميركية أليسون هوفر بارتليت. والكتاب عبارة عن سرد رائع لوقائع مأخوذة من الواقع.
يحكي الكتاب عن سارق محترف عاشق للكتب النادرة والنفيسة، يحلم بأن يكوّن مكتبة تضم ذخائر. إنه الأميركي جون كيلكي الذي سرق ما مقداره مائتي ألف دولار من الكتب القديمة، وهدفه جمع مجموعة كتب كما يتخيلها. في الكتاب الذي هو عبارة عن سرد شيّق لأحداث واقعية يروي اللص العاشق للكتب علاقاته مع الكتب النادرة والنفيسة، والتي نشأت منذ طفولته حيث لمعت في ذهنه فكرة تملُّك مكتبة تضم ثروة من الكتب. تغوص بنا اعترافاته للصحافية في عالم مليء بالمعلومات القيمة حول الكتب والشغف الذي يعرّض صاحبه للسجن والعقوبة. ويتضمن الكتاب فصولاً غاية في التشويق والأخبار والمعلومات حول طبعات الكتب النادرة وحكايات مغرية.
أما الكتاب الثاني فهو «مكتبة ساحة الأعشاب» لإريك دو كيرميل. يتعلق الأمر برواية تحكي عن أستاذة تُدعى «ناتالي» كانت لديها رغبة كي تتحول إلى مكتبية تبيع الكتب في مكتبة، وقد تحققت أمنيتها فتركت التدريس وأصبحت صديقة للكتب ولزبنائها بمختلف أعمارهم وميولهم وتوجهاتهم.
هذا التغيير، تَدين فيه للكثير من قراءاتها التي سمحت لها بألا ترى العالم عبر نظاراتها بل عبر وجهة نظر أولئك الذين أدخلوها عوالم أخرى، وهي لم تشعر أبداً بأنها أقرب ما تكون إلى نفسها إلا عند قراءتها كلمات شخص آخر. وربما ورثت هذا الشغف من والدها الذي لا تتذكره من دون كتاب. كان دائماً بصدد قراءة عدد منها. فالساردة «ناتالي» كبرت في مدينة الرباط بالمغرب. وقد شكّلت طفولتها في المغرب جزءاً من كنوزها، فهي ترى أنه لا شيء أفضل من رياض في مدينة فاس العتيقة لقراءة «ألف ليلة وليلة»، أو شرفة مقهى في نيويورك لتعيش في انسجام مع شخصيات بول أوستر.
أما الرواية الثالثة، فهي بعنوان «حيوات من ورق» للكاتب ربيع علم الدين. كتبها بالإنجليزية وترجمها إلى الفرنسية نيكولا ريتشارد. ربيع علم الدين روائي وفنان تشكيلي وُلد في عمان بالأردن من أبوين لبنانيين، ويعيش بين سان فرنسيسكو وبيروت، كما حاز عدة جوائز عالمية.
تتحدث الرواية عن شخصية «علياء»، المكتبية والعاشقة للكتب، التي تعيش وحدها في شقتها بعد أن طلقت زوجها العاجز الذي ينحدر من وسط تقليدي والذي يرى أن المرأة دونية. عمرها 72 سنة، قضتها في بيروت.
وطيلة هذه السنوات رأت لبنان تمزقها الحروب، وتنهض، ويعاد بناؤها. وقد تحملت هذه السنوات عبر ارتمائها في عالم الكتاب، إذ كانت تترجم كل عام رواية أو كتاباً من الكتب المحبوبة لديها. ترجمت كافكا، وبيسوا، ونابوكوف. كانت تتنفس الأدب. وهي تتجول في الزقاقات، تتذكر روائح الكتب في مكتبتها التي كانت تبيع فيها الكتب ذات زمان، تتذكر محادثاتها مع صديقتها حنة، تتذكر قراءاتها على ضوء الشمع، حينما كانت الحرب مستعرة والمدينة تحت وابل النار. رواية تتحدث عن الكتب، وعن الحياة في بيروت المسربلة بالموت.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».