جيمس جيفري: موقف بايدن في سوريا أقوى من ترمب لعقد «صفقة» مع بوتين

المبعوث الأميركي السابق قال لـ «الشرق الأوسط» إن روسيا {غارقة في المستنقع}... ودعا لإخراج الصواريخ الإيرانية

جيمس جيفري (غيتي)
جيمس جيفري (غيتي)
TT

جيمس جيفري: موقف بايدن في سوريا أقوى من ترمب لعقد «صفقة» مع بوتين

جيمس جيفري (غيتي)
جيمس جيفري (غيتي)

قال المبعوث الأميركي السابق للملف السوري والتحالف الدولي ضد «داعش» جيمس جيفري في حديث إلى {الشرق الأوسط} إن أميركا في «موقف أقوى» حالياً للتفاوض مع روسيا حول سوريا، لأسباب كثيرة بينها أن جميع أدوات الضغط لا تزال موجودة في أيدي إدارة الرئيس جو بايدن، وإن «روسيا غارقة في المستنقع السوري».
لكن جيفري حث إدارة بايدن على ضرورة التنسيق مع حلفائها العرب والإقليميين والأمم المتحدة خلال الحوار مع الجانب الروسي، لضمان نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة.
وحذر جيفري من أن عدم القيام بذلك يعني «إما أن إدارة بايدن تعتقد أن سوريا غير مهمة، أو أنهم يريدون القيام بشيء لا يريد أحد معرفته».
وأشار إلى وجود أسئلة حول «ما إذا كان هناك أشخاص (في الإدارة الأميركية) يسعون لسياسة أخرى لتسليم سوريا (للرئيس السوري بشار) الأسد أو روسيا». وأوضح أنه تبلغ «من مسؤولين رفيعي المستوى من المنطقة، أنه ليس فقط لم يتم عدم تشجيعهم (من الإدارة) على عدم التطبيع مع الأسد، بل إنها ربما شجعت على التطبيع»، مضيفاً: «أظن أن موقف الإدارة ليس واضحاً في هذا المجال».
وكشف جيفري أنه ذهب مع وزير الخارجية السابق مايك بومبيو وتحدثا إلى الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو في 2019، وعرضا صفقة تتضمن مقايضة روسية - أميركية حول سوريا، لكن بوتين «لم يقبل الخطة لأنه اعتقد أننا في نهاية إدارة ترمب الذي كان يريد سحب قواتنا، لذلك ظن بوتين أنه لا داعي للتفاوض معنا، وسيحصل على سوريا على طبق من فضة».
وهنا نص الحديث الذي أُجري مع جيفري هاتفياً أمس:
> بعد مرور حوالي سنة على تسلم إدارة جو بايدن، كيف ترى سياسته السورية؟
- تتضمن ثلاثة عناصر: الأول هو، باستثناءات قليلة مثل إلغاء عقد «ديلتا كريست إنيرجي» (الأميركية لاستثمار النفط في شمال شرقي سوريا)، استمرارا لعناصر السياسة التي وضعت من قبل إدارتي باراك أوباما ودونالد ترمب. والثاني أنه ليس هناك تقدم أو جهود كثيرة مثل مفاوضات عالية المستوى أو توضيحات من المسؤولين الكبار، من وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، للقول ما هي السياسة والأولويات في سوريا. والعنصر الثالث، رغم أن الأهداف الرئيسية في سوريا لا تزال على حالها مثل القرار الدولي 2254، هو هزيمة «داعش» وعودة اللاجئين والمساءلة، والحفاظ على وقف النار، وإخراج الإيرانيين، وهي سياسة تفتقد الاهتمام والتركيز، ما يطرح أسئلة عما إذا كان هناك أشخاص (في الإدارة) يسعون لسياسة أخرى لتسليم سوريا (للرئيس السوري بشار) الأسد أو روسيا.
أنا لا أفترض ذلك، لكن كثيرين يطرحون هذه الأسئلة، لأنه ليس هناك وضوح في السياسة الأميركية. نعرف العناوين، لكننا لا نعرف السياسة. لذلك، في مقالي في مجلة «فورين بوليسي»، اقترحت خطة لتنفيذ ما تقول الإدارة إنها سياستنا العلنية.
> هل تقصد أن هناك فجوة بين القول والفعل؟
- لا أحد يعرف. تحدثت للجميع ولاحظت أن أي مسؤول رفيع في الكونغرس أو من حلفائنا في العالم العربي أو الأوروبيين والأمم المتحدة والأتراك والإسرائيليين و«قوات سوريا الديمقراطية»، لا يعرفون ما هي سياستنا الحقيقية.
> هل تغيرت «الأدوات» بعد مغادرة ترمب؟ وهل تريد إدارة بايدن استعمالها؟
- كل الأدوات موجودة: قواتنا على الأرض، الدعم (للقصف من) إسرائيل، وتركيا في إدلب، وقوات سوريا الديمقراطية، والدعم للأمم المتحدة، والمساعدات الإنسانية، وقتال «داعش»، والعقوبات والعزلة والإعمار والاستثمار. لدينا كل الأدوات. في زمن إدارة ترمب وأوباما حاولنا، وقلنا بوضوح للروس والإيرانيين ونظام الأسد إن هذه الأدوات ستبقى في مكانها، ولن تكون سوريا طبيعية تحت حكم الأسد ما لم يتم التعاطي مع مشاغلنا ومشاغل حلفائنا العرب والأوروبيين والأتراك والإسرائيليين و«قسد» والشعب السوري.
هذا يعني أن كل طرف لن يحصل على كل ما يريد، بل الحل بتسوية. هذا ما اقترحته، وحاولنا القيام به. فرصة حصول ذلك الآن هي أعلى. لدى الإدارة الحالية فرصة أكبر للقيام بذلك، لكن عليها أن تتخلى عن خطط ربما تكون لديها. وأؤكد على القول «ربما تكون لديها» لأنني لا أعرف إن كانت هذه الخطط موجودة للوصول إلى حلول أخرى، لتقوية روسيا وإيران والأسد.
> هل تشير إلى أن السياسة الأميركية الحقيقية هي تسليم سوريا إلى روسيا؟
- لا أبداً. المشكلة هي أن الإدارة لا تتحدث مع الحلفاء. سوريا صراع مهم جداً، بمثل أهمية أوكرانيا وتايوان، باعتبارها نقطة أساسية لاتخاذ القرارات لكيفية قيام الولايات المتحدة والحلفاء بالاستجابة لشؤون الأمن العالمي. لدينا قوات على الأرض مثل حلفائنا، وكل حلفائنا يريدون معرفة خططنا بشكل واضح، خصوصاً أن هناك شكوكاً بأن الإدارة لا تعتقد أن سوريا مهمة، أو أنها تريد القيام بشيء لا ترغب في أن يعرفه أحد، لاعتقادهم أنه يجب عدم معرفته.

ثلاثة أهداف

> بلينكن قال إن لدى واشنطن ثلاثة أهداف في سوريا: مساعدات إنسانية، ومحاربة «داعش»، ووقف شامل للنار. يعني ذلك أنهم قالوا أهدافهم بوضوح.
- لا أعرف ما إذا كانت هناك استراتيجية لتحقيق أهدافنا.
> ماذا عن إيران؟ هل تقصد أن إدارة بايدن لا تزال متمسكة بإخراج إيران كما كانت تسعى إدارة ترمب؟
- أنا مقتنع بأن إدارة بايدن تريد إخراج إيران. هذا موقف إدارة ترمب. وكنا نعرف أن هذا غير واقعي، لكن ما كنا نريد رؤيته هو انتهاء المخاطر الاستراتيجية مثل الصواريخ الباليستية، وهذا ممكن تحقيقه عبر روسيا والحكومة السورية. هم لا يريدون هذه الأنظمة الصاروخية لهزيمة المعارضة (السورية) التي تقاتل بكلاشنكوف. إيران تريد هذه الصواريخ لأسبابها، للتموضع الاستراتيجي. أعتقد أن الإدارة الحالية تقول إن هذا أحد أهدافها أيضاً، لكنها لا توضح ما إذا كانت قادرة أو تريد وضع استراتيجية لتحقيق ذلك. هذا ليس واضحاً.
>هل طلب الكونغرس من الإدارة تقديم استراتيجية لسوريا؟
- نعم، هناك ضغوط، لأن الكونغرس فوض الإدارة في عام 2001 استعمال القوة ونشر القوات، لذلك يريد معرفة ما نفعله وما هي سياستنا في سوريا. أيضاً، إدارة ترمب قدمت في مارس (آذار) 2019 رؤية لسياستنا كانت سرية، لكنها تقع ضمن الخطوط التي تحدثت عنها، مثل: أن هدفنا عدم إزاحة الأسد، وهو ليس هدف إدارة بايدن بالتأكيد، بل هدفها حل مشاكل كثيرة، مثل وقف النار وعملية السلام بموجب القرار 2254، وعودة اللاجئين، وإخراج إيران وصواريخها الاستراتيجية، وأمن تركيا، وإعادة دمج السوريين الذين عارضوا الأسد، والمساءلة.
نظرياً، هذه سياسة الإدارة الحالية. لكنها لا تمارسها في شكل جدي كي تقوم بجهود لتحقيقها، أو ربما يحاولون القيام بشيء مختلف. لا نعرف. غياب تنفيذ هذه الأجندة مربك ومحير.
> ماذا تقصد؟
- ما يجري في سوريا ليس فقط صراعاً داخلياً رهيباً. إن مصير الشعب السوري يتطلب تدخل العالم الخارجي والأمم المتحدة للوصول إلى حل. وهناك أيضاً عوامل أخرى مهمة، مثل تحويل اللاجئين السوريين سلاحاً في تركيا والأردن وأوروبا، وصعود تنظيم «داعش» الذي تعمد النظام دعمه، والنظام الإيراني الصاروخي، وأمن حدود شمال إسرائيل، واستعمال الأسلحة الكيماوية. هذه كلها أمور مهمة جداً يجب أن تحل. وعدم قيام أي إدارة أميركية بمحاولة حلها أمر غير مسؤول.
> ماذا تقترح لتحقيقها؟
- أقترح إجراء مقايضة: أمور تخص العقوبات، واعتراف دبلوماسي، والإعمار والاستثمار والتعامل مع النظام، مقابل قيام الأسد وحلفائه بخطوات ضمن الأجندة التي ذكرت، مثل اللاجئين، ووجود إيران، وأمن إسرائيل، وأمن تركيا. أي اعتماد مقاربة «خطوة مقابل خطوة». قدمنا خطة في زمن إدارة ترمب وأطلعنا حلفاءنا عليها، وأي شيء يجب فعله يجب أن يكون ضمن هذه الخطوط.
> مقاربة «خطوة مقابل خطوة»؟
- تماماً، لكن هناك أموراً تشغلني: لا يمكن القيام بذلك مع الروس وخفض الضغط عن الأسد من دون شفافية مع كل حلفائنا، أي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية والجامعة العربية والدول العربية والمعارضة وتركيا وإسرائيل وقوات سوريا الديمقراطية، لأنهم جميعاً يريدون معرفة الحقيقة وأن يكونوا جزءاً من تنفيذها. الروس لا يريدون القصف الإسرائيلي، ولا القوات الأميركية ولا العقوبات والعزلة، ويريدون عودة العلاقات العربية. هذه كلها أمور تتطلب قرارات ليست أميركية صرفة، بل تخص حلفاءنا. لذلك لا نستطيع التفاوض بأمور تخص دولاً أخرى من دون التشاور معها. لكن كل الأطراف التي تحدثت معها لا ترى أن ذلك يحصل حالياً.
> التفاوض مع موسكو أم مع دمشق وطهران؟
- يجب ألا نتحدث إلى الإيرانيين... والإيرانيون لا يريدون التحدث إلينا. كذلك الأمر بالنسبة إلى التحدث مع الأسد. فجميع الأطراف التي تحدثت إلى الأسد، من روسيا إلى الأمم المتحدة والعرب وقوات سوريا الديمقراطية، لم تحصل على شيء ملموس منه، مهما كان هذا الشيء. روسيا هي الطرف الأقوى منذ تدخل روسيا في 2015، وروسيا هي التي حمت النظام في مجلس الأمن كما حمته عسكرياً. روسيا لديها الأوراق القوية.

روسيا قادرة

> هل تعتقد أن موسكو قادة على التأثير على دمشق؟
- ليس الأمر سهلاً. أعرف ذلك. لكن الروس (سيمارسون تأثيرهم) إذا عرفوا أنهم سيحصلون على شيء في مقابل ذلك، لم يكونوا ليحصلوا عليه في حال امتناعهم عن ممارسة هذا التأثير.
> كنت مع وزير الخارجية مايكل بومبيو عندما تحدث إلى الرئيس فلاديمير بوتين في 2019؟
- تماماً. ذهبت مع الوزير بومبيو وتحدثنا إلى (الرئيس فلاديمير) بوتين في 2019. أظن أنه لم يقبل الخطة لأنه اعتقد أننا في نهاية إدارة ترمب الذي كان يريد سحب قواتنا. لذلك ظن بوتين أنه لا داعي للتفاوض معنا وسيحصل على سوريا على طبق من فضة.
أفهم أن بوتين لم يكن يريد عقد صفقة معنا وقتذاك. الآن، الوضع مختلف. قواتنا موجودة في سوريا. ومن المستبعد أن تسحب إدارة بايدن قواتنا بعد انسحابنا من أفغانستان. سنبقى في سوريا أثناء ولاية بايدن على الأقل. لكن الروس لن يفكروا في التفاوض معنا هكذا. يجب أن نتحرك مع حلفائنا كي ندفع الروس إلى التحرك.
> ما كانت تفاصيل خطتكم في 2019؟
- ذكرت قائمة مطالبنا وأدواتنا وما يمكن فعله مع حلفائنا، مثل تركيا والدول العربية والأوروبيين. لدينا العقوبات، ورفض الاعتراف الدبلوماسي، والقصف الإسرائيلي، ورفض الإعمار والاستثمار في سوريا. كما ذكرت، ما نريده في سوريا هو خروج إيران ونظامها الصاروخي الاستراتيجي، ومواجهة «داعش»، وتسوية مع المعارضة السورية كي يعود الناس إلى بيوتهم، وحل المشكلة في شمال شرقي سوريا، وأمن تركيا، ووضوح حول ملف السلاح الكيماوي، وتأكيدات بأنه لم تبق أسلحة كيماوية. هذه هي السلة كي تقايض عنصراً بآخر. هذا جهد دبلوماسي وتكتيكي.
> خلال اجتماع أميركي - أوروبي - عربي في بروكسل بداية الشهر، كانت هناك شكوى من أن واشنطن لا تشارك حلفاءها المعلومات، وتكتفي بالتفاهم مع روسيا.
- أعرف أن حلفاءنا منزعجون لأننا لا نتحدث إليهم.
>ما هو موقف إدارة بايدن من التطبيع العربي مع دمشق؟
- الدول العربية، مثل الأردن، حذرة فيما تقوم به. الأردنيون قدموا خطة وشاركها الملك عبد الله معنا ومع الرئيس بوتين. لكن هذه الخطة لم تتقدم لأن الأسد لم يعط أي طرف أي شيء. أعتقد أن هذا سيحد من التواصل العربي مع دمشق، لأنه لن يغير الأمور على الأرض. ولا أعتقد أن سوريا ستعود إلى الجامعة العربية العام المقبل، ولن تأتي الاستثمارات لأن الأسد يرفض التعاون.

التطبيع العربي

> هل تعتقد أن إدارة بايدن عرقلت أم شجعت التطبيع؟
- الإدارة طلبت علناً من الإماراتيين عدم لقاء الأسد. لكنني تبلغت من مسؤولين رفيعي المستوى من المنطقة أنه ليس فقط لم يتم عدم تشجيعهم (من الإدارة)، بل إنه ربما تم تشجيعهم على التطبيع. أظن أن موقف الإدارة ليس واضحاً في هذا المجال.
> إذن، أنت تعتقد أن الطريق الوحيد هو التحدث مع الروس لعقد صفقة؟
- نعم. لكن هذا لا ينجح إذا لم يقم الأميركيون بذلك بالتشاور مع ست أو سبع دول رئيسية من حلفائنا، ليس لأنه لديها دور رئيسي في سوريا، بل لأنها أيضاً تقوم بالضغط على سوريا، ولن تتوقف من دون التشاور معها: تركيا، والدول العربية، وإسرائيل، والأوروبيون، والمعارضة. كل هذه الأطراف لديها دور.
> هذا يتطلب دوراً أميركياً؟
- ربما هم (الإدارة الأميركية) يتحدثون إلى الروس من وقت لآخر، لكن لا نعرف ما يدور بينهم. الأهم أن حلفاءنا الأساسيون لا يعرفون. وهذا يعني عدم النجاح. إسرائيل لن تتوقف عما تفعله، وتركيا لن تنسحب من سوريا، والدول العربية لن تعيد سوريا إلى الجامعة العربية، ما لم تلبي مطالبها. نحن ليس لدينا السيطرة على قرارات هذه الأطراف، لذلك كل ما نتحدث فيه مع الروس لا يمكن تطبيقه من دون حلفائنا.
> هذ يتطلب دوراً قيادياً؟
- نعم.
> ممكن؟
- نعم. لدي أمل لأسباب ثلاثة: الأول، أن كل الضغوط والعناصر التي نقوم بها لا تزال موجودة رغم بعض خطوات التطبيع. وكل الضغوط المقلقة لروسيا والأسد لا تزال موجودة. البلاد في كارثة، وهناك وقف لإطلاق نار. هناك ثلاثة جيوش معادية (للأسد) في أراضيه: أميركا وتركيا وإسرائيل. الأدوات لا تزال موجودة إذا أرادت الإدارة استعمالها. الثاني، أنه من المنطقي القيام بذلك لأن هناك مخاطر لحصول صراع كبير. السبب الثالث، هو أن الوضع الراهن أفضل من الوضع في زمن إدارة ترمب. فإدارة بايدن مستقرة، وهو لا يريد سحب قواتنا من سوريا. إضافة إلى ذلك، المنطقة متحدة أكثر من السنوات السابقة. انظر إلى العلاقات العربية والخليجية والتركية... هناك مصالحات وعلاقات أفضل بكثير. وهناك أسباب كثيرة للقول إن المنطقة موحدة وأكثر هدوءاً من سنوات سابقة. وهذه كلها عناصر مشجعة وقوية للقيام بمبادرات دبلوماسية.
> تقصد أن أميركا في موقف تفاوضي أفضل؟
- تماماً. إدارة بايدن لن تضحي بالأدوات الموجودة لدينا. نعم، نحن في موقف دبلوماسي أفضل.
>إذن، تريد إغراق روسيا في المستنقع السوري؟
- روسيا في مستنقع سوريا. نحن نجحنا.
> حقاً؟ كيف؟
- روسيا تسيطر على الجو لدعم قوات النظام ومحاربة «داعش». الاقتصاد السوري في كارثة. حاول الروس إعادة اللاجئين، لكن لم يرجع أحد. ولم يكسب (الأسد) أراضي إضافية، بل هو يسيطر عليها من خلال دول أخرى. أيضاً، الطائرات الإسرائيلية مسيطرة على الجو. ما لم يكن هذا مستنقعاً فما هو تعريف المستنقع إذن؟!
> الخيار إذن: إما صفقة أو مستنقع؟ أميركا في موقف تفاوض أفضل؟
- نعم. هذا ما أظنه.



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.