السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

مئات الآلاف من المحتجين يكسرون الحواجز ويدعون للاعتصام

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

شهد السودان أمس احتجاجات واسعة؛ حيث تمكن المتظاهرون، للمرة الأولى، من اختراق الحواجز الأمنية الكبيرة حول القصر الرئاسي، وتلك المؤدية إليه، رغم إطلاق الشرطة والقوات الأمنية الرصاص وقنابل الغاز بكثافة على أجساد المحتجين مباشرة، ما أدى إلى إصابات عديدة.
واستمرت حالات الكر والفر بين المحتجين والقوات الأمنية في محيط القصر حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، بينما دعت «لجان المقاومة» التي تقود الحراك الشعبي، المتظاهرين، للاعتصام أمام القصر حتى تسليم السلطة للمدنيين.
وأصيب عدد من المحتجين بالرصاص شاركوا في أكبر تظاهرة تشهدها الثورة السودانية، واخترق مئات الآلاف من الثوار السلميين السياجات الأمنية المُحكمة التي وضعتها السلطات العسكرية أمام الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، وفتح المحتجون عنوة الجسور المؤدية لوسط الخرطوم، والتي أغلقتها السلطات منذ وقت مبكر من صباح أمس. ولم يمنع الاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص، وصول الحشود القادمة من أنحاء البلاد إلى القصر الرئاسي وسط الخرطوم، بينما استخدم البعض القوارب لعبور النهر.
واتخذت السلطات العسكرية السودانية حزمة إجراءات أمنية متشددة، تضمنت نشر قوات كبيرة في وسط الخرطوم، وإغلاق كل الجسور المؤدية إلى مركز المدينة، بيد أن الثوار أفلحوا عنوة في فتح الجسور وإزالة الحواجز، واضطرت القوات العسكرية التي كانت تسد تلك الجسور للتنحي جانباً، في وقت لوحظ فيه تلاحم بين بعض قوات الجيش والمحتجين الذين رددوا هتاف: «شعب واحد... جيش واحد».
ودعت لجان المقاومة لموكب مليوني يستهدف القصر الرئاسي –يعرف محلياً بالقصر الجمهوري– يطالب بإسقاط الانقلاب العسكري، وتكوين حكومة مدنية، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي صادفت يوم أمس. وللمرة الأولى وضعت القصر الرئاسي هدفاً لتجمعها.
وتحسباً وللحيلولة دون وصول المحتجين للقصر الرئاسي، أغلقت سلطات الأمن جسور: الفتيحاب، والنيل الأزرق، وشمبات، والمك نمر، والجيش، والمنشية، وهي الجسور الرئيسة التي تربط مدن العاصمة الثلاث عبر نهر النيل وفرعيه الأبيض والأزرق؛ لكن كثافة المحتجين وكبر أعدادهم، أجبرا قوات الشرطة والجيش التي كانت تحرس تلك الجسور على التراجع، ما أتاح للثوار القادمين من الخرطوم بحري وأم درمان وشرق النيل، العبور عنوة إلى القصر الرئاسي.
وقال وزير الثقافة والإعلام السابق، فيصل محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن مواكب أمس دونت يوماً عظيماً من أيام السودان، وضع نهاية لمرحلة من مراحل التاريخ السوداني، وفتح صفحة لمرحلة جديدة، وأضاف: «واضح جداً أن الانقلاب سقط، وانتصرت إرادة الشعب السوداني»، وتابع: «الشارع يحتاج قيادة سياسية تخرج من صفوفه، وترتب صورة المشهد الجديد». وأوضح صالح أن مرحلة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان حميدتي، وبقية ممثلي المكون العسكري «قد انتهت، وأن المدنيين بحاجة لقيادة جديدة للقوات المسلحة، يتحاورون معها حول الدور المطلوب منها خلال المرحلة القادمة»، وأضاف: «المرحلة القادمة مرحلة صعبة ومعقدة، لم تتشكل ملامحها بعد؛ لكن الواضح أنه لا يمكن العودة حتى لأوضاع ما قبل انقلاب أكتوبر (تشرين الأول)، ولم تعد الشراكة المدنية العسكرية بشكلها القديم مقبولة، وهناك دور جديد للمؤسسة العسكرية، تجب مناقشته وتحديده».
ورأى صالح أن أهم واجبات المرحلة اللحظية في التاريخ السوداني، يتمثل في فتح حوار عاجل وصريح بين لجان المقاومة الشعبية، والقوى السياسية والمدنية، لبلورة تصور واضح حول مستقبل الحكم في البلاد خلال المرحلة القادمة.
وقال الصحافي والمدافع الحقوقي، ومؤسس «صحافيون لحقوق الإنسان» (جهر)، فيصل الباقر، إن «الجماهير التي خرجت اليوم تجاوزت أي حديث عن إصلاح المرحلة الانتقالية، أو العودة لما قبل 25 أكتوبر، وطرحت شعاراتها بوضوح: لا تفاوض، لا اعتراف، لا مساومة، ولا مشاركة». وأضاف: «هذا يعني أن شعب السودان حسم أمره في العاصمة والأقاليم، لاستكمال ثورته المجيدة». وأوضح أن القوى التي ستُسقط النظام الانقلابي المتمثلة في لجان المقاومة، وكل من يؤمن بشعار الثورة (حرية سلام وعدالة)، مؤهلة لصنع معجزة تاريخية جديدة، تنقل البلاد إلى خطوة متقدمة في مواجهة الديكتاتورية، وتابع: «معركة المدنية طويلة؛ ولكن شعبنا له القدرة والمعرفة، على اتخاذ التكتيكات المناسبة لتحقيق المقولة المهمة: (الثورة مستمرة والنصر أكيد)».
وبينما لم ترد معلومات موثقة عن أعداد الجرحى والمصابين، تناقلت تنظيمات مدنية أن اثنين على الأقل أصيبا بالرصاص الحي، وأصيب عشرات جراء الاستخدام المفرط للغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، بينما سُمعت أصوات قنابل صوتية بكثافة في محيط القصر الرئاسي والشوارع المجاورة.
وشارك في المواكب ثوار قدموا راجلين من عدد من ولايات السودان المختلفة، واستقبلت العاصمة أول من أمس ثواراً قادمين من مدن الحصاحيصا، ومدني، وسنار، والأبيض، بينما تدفق مئات الآلاف من شوارع ومدن العاصمة الخرطوم إلى القصر الرئاسي، ودخلوا معارك شرسة مع قوات الشرطة والجيش التي كانت تسد الطريق إلى القصر، بأفراد منها وبالأسلاك الشائكة والمتاريس الإسمنتية، بيد أن المتظاهرين استطاعوا إجبارهم على التراجع وإزالة المتاريس، ووصلوا إلى الساحة الرئيسية للقصر الرئاسي، لأول مرة منذ بدء الحراك المناوئ للانقلاب.
وقالت المتظاهرة هالة شروني، إنها خرجت من أجل إسقاط الانقلاب العسكري، والإتيان بحكومة مدنية كاملة من دون شراكة مع العسكريين، وأضافت: «اقتربنا من نيل مطالبنا، وسنواصل ثورتنا حتى تتحقق كامل مطالبنا»، ودعت الثوار للصمود والتماسك ومواصلة مسيرتهم للنهاية، مبدية استعدادها لمواصلة الاحتجاجات حتى «سقوط الانقلاب».
بينما قالت الصحافية والناشطة السياسية درة قمبو لـ«الشرق الأوسط»، إن اليوم شهد أكبر خروج شعبي في تاريخ السودان، وإنه لن يمر كسابقيه، وأضافت: «هذا يوم مفصلي في تاريخ السودان، ومستقبل الانقلابات في البلاد، وقد وضع حداً نهائياً للانقلابات العسكرية في السودان»، وتابعت: «على قِصَر عمره، فهذا آخر انقلاب يحكم السودان».
ودعت لجان المقاومة الشعبية المواطنين كافة للتوجه إلى القصر الجمهوري، والاعتصام أمامه، و«إعلان حصار الطاغية، وتحرير السودان من حكم الميليشيات العسكرية»، وناشدت القوى الثورية والمهنية والسياسية كافة، للاصطفاف خلف مطالب التغيير الجذري والتخلص من الحكم الشمولي العسكري. وقالت في نشرة على الوسائط: «أخيراً نعلن اعتصاماً أمام قصر الشعب السوداني، لإنجاز مهام الثورة وإسقاط النظام».
ولم تقتصر الاحتجاجات التي شهدها أمس على الخرطوم وحدها؛ إذ خرجت عشرات المدن السودانية في تظاهرات عارمة، تنادي بالأهداف ذاتها، وخرجت مواكب صاخبة في مدن: ود مدني، والحصاحيصا – وسط، وسنار، والدمازين، وسنجة – جنوب الوسط، والأبيض، والفاشر، ونيالا، وزالنجي – غرب، ودنقلا، وعطبرة، وحلفا – شمال، وبورتسودان، وكسلا، والقضارف – شرق، ومدن أخرى.
وفي أول رد فعل سياسي على تدفق مئات الآلاف التي احتشدت أمام القصر الجمهوري بالخرطوم، طالب حزب «الأمة القومي»، قادة الجيش، بتسليم السلطة المدنية للشعب وإعادة المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد. وقال الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السياسية في بيان أمس، إن الجموع الغفيرة التي خرجت في كل مدن البلاد، تؤكد بجلاء أن الديمقراطية عائدة وراجحة حتماً، وأن عهد الديكتاتورية والانقلابات قد ولى إلى غير رجعة.
وناشد الحزب أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأخرى، العمل على حماية الجماهير المحتشدة أمام القصر الجمهوري، وفي كافة مدن السودان المختلفة، وتكوين غرفة متابعة من قياداته للتواصل مع كافة قوى الثورة والتغيير، للتعامل مع الراهن «بما يحقق تطلعات الشعب السوداني، ليسترد حقوقه المغتصبة، وتحقق الأمن والاستقرار بصورة آمنة».
من جهته، دعا تجمع المهنيين السودانيين –وهو التنظيم المهني الذي قاد الثورة- العسكريين لتسليم السلطة كاملة لقوى الثورة، وحث القوات النظامية على التزام جانب الشعب، وردع أي محاولة لضرب التجمع السلمي، ووجه «نداءً عاجلاً» للمواطنين وجميع الثوار، للالتحاق بالتجمع في محيط القصر، وإغلاق كل الطرق المؤدية للقصر بالمتاريس.
ومنذ أكتوبر الماضي، وعقب تولي قائد الجيش السلطة، حل الحكومة بمجلسيها: السيادي والوزراء، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وعدداً من وزرائه، وقادة في المجلس السيادي، ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، أبرزهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، وأعلن حالة الطوارئ، وأقال حكومات الولايات، قبل أن يتراجع بفعل الضغوط الشعبية ليوقع إعلاناً سياسياً مع رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، عاد بموجبه لممارسة مهام منصبه مجدداً.
بيد أن المحتجين والقادة الشعبيين رفضوا بشكل قطعي الاتفاق، واعتبروه خيانة لثورتهم، ورفعوا من سقف مطالباتهم لرفض أي شراكة مع المكون العسكري، والممثل في كل من رئيس مجلس السيادة، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، وأعضاء المجلس العسكريين. ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الاحتجاجات المطالبة بالعودة للمدنية، التي استخدمت القوات الانقلابية عنفاً مفرطاً ضدها، نتج عنه مقتل 45 محتجاً بالرصاص، وإصابة المئات؛ لكن ذلك لم يثنِ المحتجين عن مواصلة احتجاجاتهم.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».