السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

مئات الآلاف من المحتجين يكسرون الحواجز ويدعون للاعتصام

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

السودان: مظاهرات تطوق القصر الرئاسي للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين

محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
محتجون أمام القصر الرئاسي في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

شهد السودان أمس احتجاجات واسعة؛ حيث تمكن المتظاهرون، للمرة الأولى، من اختراق الحواجز الأمنية الكبيرة حول القصر الرئاسي، وتلك المؤدية إليه، رغم إطلاق الشرطة والقوات الأمنية الرصاص وقنابل الغاز بكثافة على أجساد المحتجين مباشرة، ما أدى إلى إصابات عديدة.
واستمرت حالات الكر والفر بين المحتجين والقوات الأمنية في محيط القصر حتى ساعة متأخرة من مساء أمس، بينما دعت «لجان المقاومة» التي تقود الحراك الشعبي، المتظاهرين، للاعتصام أمام القصر حتى تسليم السلطة للمدنيين.
وأصيب عدد من المحتجين بالرصاص شاركوا في أكبر تظاهرة تشهدها الثورة السودانية، واخترق مئات الآلاف من الثوار السلميين السياجات الأمنية المُحكمة التي وضعتها السلطات العسكرية أمام الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، وفتح المحتجون عنوة الجسور المؤدية لوسط الخرطوم، والتي أغلقتها السلطات منذ وقت مبكر من صباح أمس. ولم يمنع الاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص، وصول الحشود القادمة من أنحاء البلاد إلى القصر الرئاسي وسط الخرطوم، بينما استخدم البعض القوارب لعبور النهر.
واتخذت السلطات العسكرية السودانية حزمة إجراءات أمنية متشددة، تضمنت نشر قوات كبيرة في وسط الخرطوم، وإغلاق كل الجسور المؤدية إلى مركز المدينة، بيد أن الثوار أفلحوا عنوة في فتح الجسور وإزالة الحواجز، واضطرت القوات العسكرية التي كانت تسد تلك الجسور للتنحي جانباً، في وقت لوحظ فيه تلاحم بين بعض قوات الجيش والمحتجين الذين رددوا هتاف: «شعب واحد... جيش واحد».
ودعت لجان المقاومة لموكب مليوني يستهدف القصر الرئاسي –يعرف محلياً بالقصر الجمهوري– يطالب بإسقاط الانقلاب العسكري، وتكوين حكومة مدنية، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 التي صادفت يوم أمس. وللمرة الأولى وضعت القصر الرئاسي هدفاً لتجمعها.
وتحسباً وللحيلولة دون وصول المحتجين للقصر الرئاسي، أغلقت سلطات الأمن جسور: الفتيحاب، والنيل الأزرق، وشمبات، والمك نمر، والجيش، والمنشية، وهي الجسور الرئيسة التي تربط مدن العاصمة الثلاث عبر نهر النيل وفرعيه الأبيض والأزرق؛ لكن كثافة المحتجين وكبر أعدادهم، أجبرا قوات الشرطة والجيش التي كانت تحرس تلك الجسور على التراجع، ما أتاح للثوار القادمين من الخرطوم بحري وأم درمان وشرق النيل، العبور عنوة إلى القصر الرئاسي.
وقال وزير الثقافة والإعلام السابق، فيصل محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن مواكب أمس دونت يوماً عظيماً من أيام السودان، وضع نهاية لمرحلة من مراحل التاريخ السوداني، وفتح صفحة لمرحلة جديدة، وأضاف: «واضح جداً أن الانقلاب سقط، وانتصرت إرادة الشعب السوداني»، وتابع: «الشارع يحتاج قيادة سياسية تخرج من صفوفه، وترتب صورة المشهد الجديد». وأوضح صالح أن مرحلة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان حميدتي، وبقية ممثلي المكون العسكري «قد انتهت، وأن المدنيين بحاجة لقيادة جديدة للقوات المسلحة، يتحاورون معها حول الدور المطلوب منها خلال المرحلة القادمة»، وأضاف: «المرحلة القادمة مرحلة صعبة ومعقدة، لم تتشكل ملامحها بعد؛ لكن الواضح أنه لا يمكن العودة حتى لأوضاع ما قبل انقلاب أكتوبر (تشرين الأول)، ولم تعد الشراكة المدنية العسكرية بشكلها القديم مقبولة، وهناك دور جديد للمؤسسة العسكرية، تجب مناقشته وتحديده».
ورأى صالح أن أهم واجبات المرحلة اللحظية في التاريخ السوداني، يتمثل في فتح حوار عاجل وصريح بين لجان المقاومة الشعبية، والقوى السياسية والمدنية، لبلورة تصور واضح حول مستقبل الحكم في البلاد خلال المرحلة القادمة.
وقال الصحافي والمدافع الحقوقي، ومؤسس «صحافيون لحقوق الإنسان» (جهر)، فيصل الباقر، إن «الجماهير التي خرجت اليوم تجاوزت أي حديث عن إصلاح المرحلة الانتقالية، أو العودة لما قبل 25 أكتوبر، وطرحت شعاراتها بوضوح: لا تفاوض، لا اعتراف، لا مساومة، ولا مشاركة». وأضاف: «هذا يعني أن شعب السودان حسم أمره في العاصمة والأقاليم، لاستكمال ثورته المجيدة». وأوضح أن القوى التي ستُسقط النظام الانقلابي المتمثلة في لجان المقاومة، وكل من يؤمن بشعار الثورة (حرية سلام وعدالة)، مؤهلة لصنع معجزة تاريخية جديدة، تنقل البلاد إلى خطوة متقدمة في مواجهة الديكتاتورية، وتابع: «معركة المدنية طويلة؛ ولكن شعبنا له القدرة والمعرفة، على اتخاذ التكتيكات المناسبة لتحقيق المقولة المهمة: (الثورة مستمرة والنصر أكيد)».
وبينما لم ترد معلومات موثقة عن أعداد الجرحى والمصابين، تناقلت تنظيمات مدنية أن اثنين على الأقل أصيبا بالرصاص الحي، وأصيب عشرات جراء الاستخدام المفرط للغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي، بينما سُمعت أصوات قنابل صوتية بكثافة في محيط القصر الرئاسي والشوارع المجاورة.
وشارك في المواكب ثوار قدموا راجلين من عدد من ولايات السودان المختلفة، واستقبلت العاصمة أول من أمس ثواراً قادمين من مدن الحصاحيصا، ومدني، وسنار، والأبيض، بينما تدفق مئات الآلاف من شوارع ومدن العاصمة الخرطوم إلى القصر الرئاسي، ودخلوا معارك شرسة مع قوات الشرطة والجيش التي كانت تسد الطريق إلى القصر، بأفراد منها وبالأسلاك الشائكة والمتاريس الإسمنتية، بيد أن المتظاهرين استطاعوا إجبارهم على التراجع وإزالة المتاريس، ووصلوا إلى الساحة الرئيسية للقصر الرئاسي، لأول مرة منذ بدء الحراك المناوئ للانقلاب.
وقالت المتظاهرة هالة شروني، إنها خرجت من أجل إسقاط الانقلاب العسكري، والإتيان بحكومة مدنية كاملة من دون شراكة مع العسكريين، وأضافت: «اقتربنا من نيل مطالبنا، وسنواصل ثورتنا حتى تتحقق كامل مطالبنا»، ودعت الثوار للصمود والتماسك ومواصلة مسيرتهم للنهاية، مبدية استعدادها لمواصلة الاحتجاجات حتى «سقوط الانقلاب».
بينما قالت الصحافية والناشطة السياسية درة قمبو لـ«الشرق الأوسط»، إن اليوم شهد أكبر خروج شعبي في تاريخ السودان، وإنه لن يمر كسابقيه، وأضافت: «هذا يوم مفصلي في تاريخ السودان، ومستقبل الانقلابات في البلاد، وقد وضع حداً نهائياً للانقلابات العسكرية في السودان»، وتابعت: «على قِصَر عمره، فهذا آخر انقلاب يحكم السودان».
ودعت لجان المقاومة الشعبية المواطنين كافة للتوجه إلى القصر الجمهوري، والاعتصام أمامه، و«إعلان حصار الطاغية، وتحرير السودان من حكم الميليشيات العسكرية»، وناشدت القوى الثورية والمهنية والسياسية كافة، للاصطفاف خلف مطالب التغيير الجذري والتخلص من الحكم الشمولي العسكري. وقالت في نشرة على الوسائط: «أخيراً نعلن اعتصاماً أمام قصر الشعب السوداني، لإنجاز مهام الثورة وإسقاط النظام».
ولم تقتصر الاحتجاجات التي شهدها أمس على الخرطوم وحدها؛ إذ خرجت عشرات المدن السودانية في تظاهرات عارمة، تنادي بالأهداف ذاتها، وخرجت مواكب صاخبة في مدن: ود مدني، والحصاحيصا – وسط، وسنار، والدمازين، وسنجة – جنوب الوسط، والأبيض، والفاشر، ونيالا، وزالنجي – غرب، ودنقلا، وعطبرة، وحلفا – شمال، وبورتسودان، وكسلا، والقضارف – شرق، ومدن أخرى.
وفي أول رد فعل سياسي على تدفق مئات الآلاف التي احتشدت أمام القصر الجمهوري بالخرطوم، طالب حزب «الأمة القومي»، قادة الجيش، بتسليم السلطة المدنية للشعب وإعادة المسار الانتقالي الديمقراطي في البلاد. وقال الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السياسية في بيان أمس، إن الجموع الغفيرة التي خرجت في كل مدن البلاد، تؤكد بجلاء أن الديمقراطية عائدة وراجحة حتماً، وأن عهد الديكتاتورية والانقلابات قد ولى إلى غير رجعة.
وناشد الحزب أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأخرى، العمل على حماية الجماهير المحتشدة أمام القصر الجمهوري، وفي كافة مدن السودان المختلفة، وتكوين غرفة متابعة من قياداته للتواصل مع كافة قوى الثورة والتغيير، للتعامل مع الراهن «بما يحقق تطلعات الشعب السوداني، ليسترد حقوقه المغتصبة، وتحقق الأمن والاستقرار بصورة آمنة».
من جهته، دعا تجمع المهنيين السودانيين –وهو التنظيم المهني الذي قاد الثورة- العسكريين لتسليم السلطة كاملة لقوى الثورة، وحث القوات النظامية على التزام جانب الشعب، وردع أي محاولة لضرب التجمع السلمي، ووجه «نداءً عاجلاً» للمواطنين وجميع الثوار، للالتحاق بالتجمع في محيط القصر، وإغلاق كل الطرق المؤدية للقصر بالمتاريس.
ومنذ أكتوبر الماضي، وعقب تولي قائد الجيش السلطة، حل الحكومة بمجلسيها: السيادي والوزراء، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وعدداً من وزرائه، وقادة في المجلس السيادي، ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، أبرزهم عضو مجلس السيادة محمد الفكي سليمان، وأعلن حالة الطوارئ، وأقال حكومات الولايات، قبل أن يتراجع بفعل الضغوط الشعبية ليوقع إعلاناً سياسياً مع رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، عاد بموجبه لممارسة مهام منصبه مجدداً.
بيد أن المحتجين والقادة الشعبيين رفضوا بشكل قطعي الاتفاق، واعتبروه خيانة لثورتهم، ورفعوا من سقف مطالباتهم لرفض أي شراكة مع المكون العسكري، والممثل في كل من رئيس مجلس السيادة، ونائبه قائد قوات الدعم السريع، وأعضاء المجلس العسكريين. ومنذ ذلك التاريخ لم تتوقف الاحتجاجات المطالبة بالعودة للمدنية، التي استخدمت القوات الانقلابية عنفاً مفرطاً ضدها، نتج عنه مقتل 45 محتجاً بالرصاص، وإصابة المئات؛ لكن ذلك لم يثنِ المحتجين عن مواصلة احتجاجاتهم.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.