تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

مشهد سياسي جديد بعد تعليق الدستور والبرلمان

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة
TT

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

عمّقت «خريطة الطريق» التي أعلن عنها الرئيس التونسي قيس سعيّد بمناسبة «الذكرى الـ11 لانفجار الثورة التونسية» الأزمة السياسية الاقتصادية الاجتماعية، والخلافات بين قصر الرئاسة في قرطاج وقيادات سياسية ونقابية وحقوقية في البلاد، بما فيها تلك ساندت «قرارات 25 يوليو (تموز)» التي أدّت إلى حلّ البرلمان «مؤقتاً» وتعليق الدستور. وكشفت ردود الفعل على خطاب الرئيس سعيّد «مشهداً سياسياً جديداً» تقلّص فيه عدد الأحزاب والأطراف المساندة لـ«حركة التصحيح».
وفي المقابل، التحق معظم القيادات النقابية والحقوقية والسياسية بـ«الحراك الشعبي المعارض» الذي يعتبر زعماؤه ما يجري في تونس منذ 5 أشهر «انقلاباً على الدستور» وعلى إرادة ملايين الناخبين الذين شاركوا في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وهو ما يطرح تساؤلات عن اتجاه الأوضاع بعد دخول أنصار الرئيس ومعارضيه في سلسلة من التحركات داخل البلاد وخارجها، وإعلانهم أنها ستتواصل حتى 14 من يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو ذكرى سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي؟ وهل تسفر الأمور عن «تعديل في المشهد السياسي»... أم تفاقم خطورة الأزمة وتتطوّر إلى اضطرابات اجتماعية أمنية قد تعجز كل الأطراف المعنية عن التحكم فيها؟
تسبب إعلان قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية في تونس) عن تمديد «الإجراءات الاستثنائية» حتى موفى العام 2022 المقبل في تشكيل جبهات معارضة داخلية قوية لـ«خريطة الطريق» التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في أطول خطاب توجه به إلى الشعب منذ وصوله الحكم، وهذا، رغم ترحيب «مشروط» صدر عن الخارجية الأميركية بهذه الخطوة.
لقد تعهد سعيّد بتنظيم «انتخابات برلمانية لتعويض» البرلمان المجمد موعدها يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) 2022، وهو ما يعني تشكيل الحكومة المقبلة في ربيع عام 2023. كذلك أعلن عن تنظيم استفتاء شعبي على دستور جديد يوم 25 يوليو المقبل تتويجاً «لاستشارة عبر المنصّات الإلكترونية وللحوار المباشر مع الشباب». بيد أن انقساماً برز بين ردود الفعل على هذه الخطوة؛ إذ رحبت بها مجموعات من «شباب حراك 25 يوليو» وعارضتها شخصيات سياسية، بينها زعيمة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي، التي لوّحت بمحاكمة أعضاء الحكومة بتهمة «استغلال مؤسسات الدولة ووزارة تكنولوجيا الاتصال خدمة لمشروع سياسي وانتخابي خاص».

جبهات معارضة جديدة

أيضاً، تسببت الخلافات السياسية التي ظهرت أخيراً بين قصر قرطاج والنقابات والأحزاب في تشكيل «تحالفات» و«جبهات معارضة» لرئيس الجمهورية رغم تناقضاتها الآيديولوجية وصراعاتها السابقة. ولقد حذّر زعيم نقابات العمال نور الدين الطبوبي وقياديون في منظمات حقوق الإنسان وزعماء 8 أحزاب معارضة، خلال مؤتمرات صحافية، الرئاسة وحكومة نجلاء بودن من «خطر تمديد مرحلة الفراغ السياسي والبرلماني والدستوري التي بدأت قبل 5 أشهر وتوشك أن تتواصل إلى مطلع عام 2023».
كذلك، تشكلت بالمناسبة ائتلافات مدنية و«جبهات معارضة»، أبرزها حركة «مواطنون ضد الانقلاب» بزعامة الحقوقي اليساري جوهر بن مبارك، والوزير الدبلوماسي عبد الرؤوف بالطبيب المستشار السابق للرئيس سعيّد، والوزير رضا بالحاج المستشار السابق للرئيس الباجي قائد السبسي، والمحامية اليسارية إسلام حمزة... ومعهم ثلة من الجامعيين البارزين، بينهم الخبير الدستوري شاكر الحوكي، والحبيب بوعجيلة، وزهير إسماعيل، والأمين البوعزيزي، والحقوقي الوزير السابق عبد الرحمان الأدغم نجل رئيس الحكومة الأسبق الباهي الأدغم. وتلقى هذه الحركة دعماً من نشطاء أحزاب عدة، بينها «حركة النهضة» بزعامة راشد الغنّوشي، و«قلب تونس» بزعامة نبيل القروي، و«حراك تونس الإرادة» بزعامة الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، و«ائتلاف الكرامة» بزعامة المحامي والبرلماني سيف الدين مخلوف. وبالفعل، نظمت هذه «الجبهة» سلسلة من المسيرات والوقفات الاحتجاجية «المعارضة للانقلاب» شارك فيها آلاف من أنصارها في تونس ومن المهاجرين التونسيين في عدد من الدول الأوروبية وكندا والولايات المتحدة. ونشر الأكاديمي والخبير الدستوري شاكر الحوكي عريضة تضم نحو 6 آلاف توقيع من شخصيات أكاديمية وحقوقية وسياسية تعلن معارضة موقّعيها ما وصفته بـ«تعطيل الدستور وحلّ البرلمان»، واعتبرت الخطوة «انقلاباً».
لكن، في المقابل، انتقد الرئيس سعيّد أولئك الذين يتكلّمون عن «انقلاب»، ونفى عن القرارات التي أعلن عنها صفة «الانقلاب»، واعتبر ما حصل «حركة تصحيح للمسار رداً على الخطر الداهم الذي كان يهدد البلاد في يوليو الماضي»، المتمثل بجملة عوامل بضمنها عجز حكومة هشام المشيشي والبرلمان المجمّد عن التصدي لجائحة «كوفيد - 19».

تحالفات وتحرّكات

من ناحية ثانية، لعل أهم مُعطى في المشهد السياسي الجديد، حسب سهام بادي، الناشطة السياسية في أوروبا والوزيرة السابقة للمرأة والأسرة، أن «قرارات الرئيس ساعدت على صنع مشهد سياسي جديد وعلى توحيد قوى المعارضة» التي كانت تشكو التشرذم والانقسام. وفسّرت بادي هذا التطور السريع بـ«اقتناع قيادات غالبية الأطراف السياسية بكون المكاسب الحقوقية والديمقراطية أصبحت في خطر منذ تعليق البرلمان المنتخب والدستور الذي شارك في صياغته آلاف السياسيين والحقوقيين والأكاديميين ومجلس وطني منتخب طوال ثلاث سنوات، ما بين 2011 و2014».
وحقاً، تعاقبت المؤتمرات الصحافية والبلاغات المشتركة بين عدد من رموز الأحزاب والأطراف التي شاركت في الحكم أو فازت في الانتخابات البرلمانية السابقة. وأعلنت قيادات الأحزاب بالمناسبة عن تحركات بالجملة للضغط على صنّاع القرار في الداخل والخارج بهدف «إنقاذ البلاد من أزمتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية الأمنية» و«بناء تونس الجديدة» و«الربط بين الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي ومحاربة الفساد والعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني».
ومن جهة أخرى، أعلنت مجموعة من أبرز الشخصيات الوطنية عن تأسيس «اللقاء الوطني للإنقاذ» بزعامة قيادات من الأحزاب الليبرالية واليسارية المعتدلة مثل المحامي أحمد نجيب الشابي، ونائب رئيس البرلمان طارق الفتيتي، والوزير السابق فوزي عبد الرحمان، ورجل الأعمال والبرلماني العياشي الزمال، ورئيس الخبراء المحاسبين سابقا عياض اللومي، والناشط النقابي والسياسي المهدي عبد الجواد.

تبدّل مواقف الحلفاء

ومن بين أبرز انعكاسات ما وُصف بـ«الزلزال السياسي» على المشهد الوطني تغيير مجموعة من الشخصيات والأطراف السياسية مواقفها وتحالفاتها بنسبة 180 درجة. إذ عدّلت مكوّنات هذه المجموعة مواقفها من الرئيس سعيّد ومن «حركة التصحيح»، وباتت بدورها تصفها بـ«الانقلاب» على الدستور وعلى البرلمان المنتخب وعلى «شرعية صناديق الاقتراع». وكان من بين مفاجآت الأيام الماضية أن تصدّر مشهد «المعارضين الجدد» لسياسات قصر قرطاج بعض زعماء «الكتلة الديمقراطية» مثل المحامية سامية عبو، والأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» المحامي غازي الشواشي (وهو برلماني ووزير سابق)، والوزير السابق محمد عبو والقيادي في حزب الشعب الوزير السابق سالم الأبيض. وكان هؤلاء الأكثر انحيازاً للرئيس سعيّد إبّان معاركه مع حكومة هشام المشيشي ومع البرلمان وقيادات الائتلاف الحاكم عموماً، و«حركة النهضة» بصفة خاصة.
هذا، وسبق لرئاسة الجمهورية أن نشرت صوراً وفيديوهات على صفحتها الرسمية حول مشاركة هذه الشخصيات في اجتماعات مصغّرة في قصر قرطاج مع الرئيس سعيّد أو مع أعضاء المجلس الأمن القومي والمجلس الأعلى للجيوش وبعض الوزراء. وبالتالي، أدى انتقال هؤلاء من «المساندة المطلقة لحركة التصحيح» إلى المعارضة، إلى دفع الرئيس سعيّد إلى التشكيك في «وطنيتهم» واتهامهم بتغيير مواقفهم وولاءاتهم؛ بسبب حصولهم على «تمويل أجنبي» مزعوم.
لكن قيادات «الكتلة الديمقراطية» تابعت تحركاتها المعارضة عبر سلسلة من التصريحات النارية التي صدرت عن زعمائها، بينها دعوات من زعيمها ومؤسسها الوزير السابق محمد عبو، دعا فيها قيادات الأمن والجيش إلى الامتناع عن تنفيذ أوامر الرئيس، وهو ما اعتبره خصومه «دعوة إلى التمرد». وأيضاً، صعّدت «الكتلة الديمقراطية» احتجاجاتها وتحركاتها، ونظّمت مؤتمراً صحافياً للإعلان عن معارضتها «بقوة وحزم لمشروع خريطة الطريق التي أعلن عنها قيس سعيّد». وأعلن في المناسبة عن تأسيس «تنسيقية للأحزاب الديمقراطية» تضم «التيار الديمقراطي» بزعامة غازي الشواشي، والحزب الجمهوري بزعامة الحقوقي عصام الشابي، و«التكتل من أجل الديمقراطية» بزعامة النقابي والوزير الأسبق للشؤون الاجتماعية خليل الزاوية.

استطلاعات الرأي

في المقابل،، نشرت مؤسسات استطلاعات الرأي التونسية تقارير جديدة تحدثت عن تصدّر الرئيس قيس سعيّد قائمة السياسيين التونسيين من حيث الشعبية، ورجّحت فوزه بأكثر من 50 في المائة من الأصوات في حال نظّمت انتخابات رئاسية اليوم. كذلك كشفت استطلاعات الرأي نفسها، عن أن أكثر من ثلث الناخبين قد يختارون قوائم برلمانية يدعمها سعيّد إذا ما جرى تأسيس حزب يدعمه. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن القانون التونسي يمنع رئيس الدولة من أن يرأس أي حزب سياسي.
ثم، أن مواقف الرئيس سعيّد تشير إلى أنه لا يكنّ تقديراً كبيراً لدور معظم الأحزاب والجمعيات، ويتهم جلّها بالحصول على تمويلات من جهات خارجية ومن رجال الأعمال «الفاسدين». وسبق له أن نشر حواراً صحافياً في يونيو (حزيران) 2019، قبل الانتخابات، أعلن فيه أنه ضد «كامل منظومة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج». وتابع، أنه سيقوم بحل البرلمان في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية.
لم تلق الإجراءات الرئاسية الجديدة ترحيباً إلا من قِبل «تنسيقيات قيس سعيّد» التي ليس لها حزب يجمع بينها، وهي إنما تتحرك أساساً معتمدة على مواقع التواصل الاجتماعي وتعقد اجتماعات افتراضية باسم «حراك 25 يوليو»، مع الإشارة إلى أن هذا الحراك ليس له قيادة قانونية ورسمية.
وفي هذه الأثناء، ساندت قيادات 8 أحزاب محسوبة على «التيارات القومية والاشتراكية والماركسية» قرارات الرئيس سعيّد وأعلنت اعتزامها الوقوف في صفه. ويتزعم هذه الأحزاب النقابي والقيادي السابق في «حزب الوطنيين الديمقراطيين» عبيد البريكي، ورئيس حزب «التيار الشعبي القومي العربي» زهير حمدي، وزهير المغزاوي عن «حزب الشعب القومي الناصري». ولقد رحّبت قيادة حزب «التحالف من أجل تونس» بما جاء في خطاب رئيس الدولة واعتبرت أنّ الإجراءات الرئاسية المعلن عنها «توضّح معالم الطريق لسنة قادمة ستتوّج بانتخابات ديمقراطية تعيد المؤسسة التشريعية إلى دورها في دعم أسس الدولة وسيادة قرارها، وفق ما سيفرزه الاستفتاء الشعبي من تعديلات على الدستور وعلى النظام الانتخابي».
وبذا يقع تكريس الانقسام والتصدع داخل «المنظومة السياسية والحزبية والنقابية القديمة» التي شكك سعيّد منذ سنوات في مصداقيتها، وأدلى منذ وصوله قصر قرطاج بتصريحات عديدة اعتبر فيها أنها «منظومة انتهى دورها وتجاوزها الزمن».

أي دور ينتظر نقابات العمال وسط التشرذم والتنافس؟
> في خضم التشرذم والتنافس الحاصلين في تونس راهناً بين قصر قرطاج وقيادات الأحزاب السياسية، يطرح كثرة من المراقبين السؤال الكبير: مَن سيكسب على المدى البعيد ورقة التحكّم في التحركات الاجتماعية في مرحلة تشهد فيها البلاد أزمة اقتصادية مالية اجتماعية أمنية خانقة؟
في الواقع، تعدّ القيادات النقابية أهم الأطراف تأثيراً على آليات صنع القرار السياسي في تونس منذ عشرات السنين، وبصفة أخص منذ انهيار حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل 11 سنة. وللعلم، سبق أن شارك في كل الحكومات المتعاقبة خلال العقد الماضي نقابيون وسياسيون رشّحهم الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعد أقوى وأعرق كيان نقابي في البلاد. ثم إنه تسبب «الفيتو» الذي استخدمته قيادات نقابية غير مرة في إسقاط عدد من المرشحين البارزين لرئاسة الحكومة أو لتولّي مسؤوليات عليا في الدولة.
أضف إلى ما تقدّم أنه أدت الإضرابات العديدة التي نظمتها النقابات منذ مطلع 2011 إلى إسقاط عدة حكومات، بينما أنتج التوافق بين النقابات وبين الرئيس السابق الباجي قائد السبسي في «تهدئة الأوضاع» حيناً، ثم في توظيف الاضطرابات الاجتماعية والنقابات لصالحه عند انفجار خلافات بينه وبين رئيسي الحكومة السابقين الحبيب الصيد ويوسف الشاهد.
أما إزاء ما يحدث راهناً، فإن ثمة قيادات نقابية تخشى جدياً من أن يتمادى الرئيس قيس سعيّد في تهميشها، أو أن تأمر النيابة بملاحقة بعض النقابيين بتهم «فساد» وقضايا «حق عام»؛ وذلك بسبب معارضة المركزية النقابية لعدد من قرارات الرئيس خلال الأشهر الماضية، بعدما كانت قد رحّبت بإجراءات 25 يوليو و«التصحيح».
ثم أنه، في الوقت الذي تتأهب القيادة النقابية لعقد مؤتمرها الوطني خلال شهر فبراير (شباط) المقبل، تتخوّف نقابات رجال الأعمال وأوساط سياسية رسمية ومعارضة من تصعيد للتحركات الاجتماعية والإضرابات. وأيضاً تتخوّف من احتمال توظيف سوء الأوضاع الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الشعبية والوسطى في معركتها مع قصر قرطاج ومع الحكومة، التي كشفت عن أن صندوق النقد الدولي يضغط عليه من أجل خفض أجور ملايين الموظفين والمتقاعدين، وتجميد الرواتب والتفويت في المؤسسات العمومية المفلسة رغم معارضة النقابات.

تونس من دون موازنة للعام الجديد لأول مرة منذ 65 سنة
> بينما يتابع السياسيون التونسيون منذ 11 سنة معاركهم على الكراسي، ويثيرون قضايا سياسية ودستورية وقانونية وآيديولوجية، تدهورت الأوضاع المالية في البلاد بشكل غير مسبوق. وللمرة الأولى منذ استقلال تونس عن فرنسا قبل 65 سنة تدخل البلاد عاماً جديداً من دون إعداد موازنة أو قانون مالية، وكذلك من دون توضيح «الموارد المالية للدولة» و«نفقاتها»، مع العلم أن البرلمان التونسي اعتاد على المصادقة على موازنة العام الجديد قبل أسابيع من شهر يناير (كانون الثاني).
أحمد كرم، رئيس هيئة البنوك التونسية السابق، قدّر النقص في موازنة الدولة للسنة المقبلة بنحو 40 في المائة، مهما كانت الزيادات المتوقعة في الضرائب والرسوم والإتاوات. وفي الوقت نفسه، قدّر كرم قيمة السيولة المالية خارج البنوك، أي في «السوق الموازية» بنحو 17 مليار دينار تونسي (أي 6 مليارات دولار أميركي). ومن ثم، طالب بإصلاحات تشجع أصحاب تلك الأموال على الإقدام على ضخها في البنوك والمصارف التونسية.
ومن جهة ثانية، طالب سمير ماجول، رئيس نقابة التجار والصناعيين وأرباب المؤسسات الخاصة، بتعليق الإضرابات ومراعاة الظروف الصعبة التي تمر بها الشركات الخاصة، لأسباب عديدة... من بينها، المضاعفات السلبية والخطيرة لجائحة «كوفيد - 19». في حين توقع الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي – وكذلك عدد من كبار الخبراء الماليين، أن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والصناديق العربية والأفريقية – ألا تقدّم هذه البنوك والصناديق المالية لتونس ما تحتاج إليه من قروض قبل أن تعلن القيادة التونسية بوضوح عن استئناف المسارين الديمقراطي والبرلماني، وتنخرط في إصلاحات عميقة لمشروع الموازنة، بما في ذلك عبر تخفيض «كتلة الأجور» إلى أقل من 15 في المائة.
وهنا نشير إلى أن نحو مليون تونسي وتونسية، أي عُشر المواطنين، فقدوا كلياً أو جزئياً وظيفتهم أو مورد رزقهم، وتضرّروا مالياً بسبب مضاعفات جائحة «كوفيد - 19» وإغلاق الحدود وتعثر الموسم السياحي لسنتين متتاليتين.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.