تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

مشهد سياسي جديد بعد تعليق الدستور والبرلمان

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة
TT

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

تونس: «خريطة الطريق» تعمّق الأزمة

عمّقت «خريطة الطريق» التي أعلن عنها الرئيس التونسي قيس سعيّد بمناسبة «الذكرى الـ11 لانفجار الثورة التونسية» الأزمة السياسية الاقتصادية الاجتماعية، والخلافات بين قصر الرئاسة في قرطاج وقيادات سياسية ونقابية وحقوقية في البلاد، بما فيها تلك ساندت «قرارات 25 يوليو (تموز)» التي أدّت إلى حلّ البرلمان «مؤقتاً» وتعليق الدستور. وكشفت ردود الفعل على خطاب الرئيس سعيّد «مشهداً سياسياً جديداً» تقلّص فيه عدد الأحزاب والأطراف المساندة لـ«حركة التصحيح».
وفي المقابل، التحق معظم القيادات النقابية والحقوقية والسياسية بـ«الحراك الشعبي المعارض» الذي يعتبر زعماؤه ما يجري في تونس منذ 5 أشهر «انقلاباً على الدستور» وعلى إرادة ملايين الناخبين الذين شاركوا في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2019. وهو ما يطرح تساؤلات عن اتجاه الأوضاع بعد دخول أنصار الرئيس ومعارضيه في سلسلة من التحركات داخل البلاد وخارجها، وإعلانهم أنها ستتواصل حتى 14 من يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو ذكرى سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي؟ وهل تسفر الأمور عن «تعديل في المشهد السياسي»... أم تفاقم خطورة الأزمة وتتطوّر إلى اضطرابات اجتماعية أمنية قد تعجز كل الأطراف المعنية عن التحكم فيها؟
تسبب إعلان قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية في تونس) عن تمديد «الإجراءات الاستثنائية» حتى موفى العام 2022 المقبل في تشكيل جبهات معارضة داخلية قوية لـ«خريطة الطريق» التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في أطول خطاب توجه به إلى الشعب منذ وصوله الحكم، وهذا، رغم ترحيب «مشروط» صدر عن الخارجية الأميركية بهذه الخطوة.
لقد تعهد سعيّد بتنظيم «انتخابات برلمانية لتعويض» البرلمان المجمد موعدها يوم 22 ديسمبر (كانون الأول) 2022، وهو ما يعني تشكيل الحكومة المقبلة في ربيع عام 2023. كذلك أعلن عن تنظيم استفتاء شعبي على دستور جديد يوم 25 يوليو المقبل تتويجاً «لاستشارة عبر المنصّات الإلكترونية وللحوار المباشر مع الشباب». بيد أن انقساماً برز بين ردود الفعل على هذه الخطوة؛ إذ رحبت بها مجموعات من «شباب حراك 25 يوليو» وعارضتها شخصيات سياسية، بينها زعيمة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي، التي لوّحت بمحاكمة أعضاء الحكومة بتهمة «استغلال مؤسسات الدولة ووزارة تكنولوجيا الاتصال خدمة لمشروع سياسي وانتخابي خاص».

جبهات معارضة جديدة

أيضاً، تسببت الخلافات السياسية التي ظهرت أخيراً بين قصر قرطاج والنقابات والأحزاب في تشكيل «تحالفات» و«جبهات معارضة» لرئيس الجمهورية رغم تناقضاتها الآيديولوجية وصراعاتها السابقة. ولقد حذّر زعيم نقابات العمال نور الدين الطبوبي وقياديون في منظمات حقوق الإنسان وزعماء 8 أحزاب معارضة، خلال مؤتمرات صحافية، الرئاسة وحكومة نجلاء بودن من «خطر تمديد مرحلة الفراغ السياسي والبرلماني والدستوري التي بدأت قبل 5 أشهر وتوشك أن تتواصل إلى مطلع عام 2023».
كذلك، تشكلت بالمناسبة ائتلافات مدنية و«جبهات معارضة»، أبرزها حركة «مواطنون ضد الانقلاب» بزعامة الحقوقي اليساري جوهر بن مبارك، والوزير الدبلوماسي عبد الرؤوف بالطبيب المستشار السابق للرئيس سعيّد، والوزير رضا بالحاج المستشار السابق للرئيس الباجي قائد السبسي، والمحامية اليسارية إسلام حمزة... ومعهم ثلة من الجامعيين البارزين، بينهم الخبير الدستوري شاكر الحوكي، والحبيب بوعجيلة، وزهير إسماعيل، والأمين البوعزيزي، والحقوقي الوزير السابق عبد الرحمان الأدغم نجل رئيس الحكومة الأسبق الباهي الأدغم. وتلقى هذه الحركة دعماً من نشطاء أحزاب عدة، بينها «حركة النهضة» بزعامة راشد الغنّوشي، و«قلب تونس» بزعامة نبيل القروي، و«حراك تونس الإرادة» بزعامة الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، و«ائتلاف الكرامة» بزعامة المحامي والبرلماني سيف الدين مخلوف. وبالفعل، نظمت هذه «الجبهة» سلسلة من المسيرات والوقفات الاحتجاجية «المعارضة للانقلاب» شارك فيها آلاف من أنصارها في تونس ومن المهاجرين التونسيين في عدد من الدول الأوروبية وكندا والولايات المتحدة. ونشر الأكاديمي والخبير الدستوري شاكر الحوكي عريضة تضم نحو 6 آلاف توقيع من شخصيات أكاديمية وحقوقية وسياسية تعلن معارضة موقّعيها ما وصفته بـ«تعطيل الدستور وحلّ البرلمان»، واعتبرت الخطوة «انقلاباً».
لكن، في المقابل، انتقد الرئيس سعيّد أولئك الذين يتكلّمون عن «انقلاب»، ونفى عن القرارات التي أعلن عنها صفة «الانقلاب»، واعتبر ما حصل «حركة تصحيح للمسار رداً على الخطر الداهم الذي كان يهدد البلاد في يوليو الماضي»، المتمثل بجملة عوامل بضمنها عجز حكومة هشام المشيشي والبرلمان المجمّد عن التصدي لجائحة «كوفيد - 19».

تحالفات وتحرّكات

من ناحية ثانية، لعل أهم مُعطى في المشهد السياسي الجديد، حسب سهام بادي، الناشطة السياسية في أوروبا والوزيرة السابقة للمرأة والأسرة، أن «قرارات الرئيس ساعدت على صنع مشهد سياسي جديد وعلى توحيد قوى المعارضة» التي كانت تشكو التشرذم والانقسام. وفسّرت بادي هذا التطور السريع بـ«اقتناع قيادات غالبية الأطراف السياسية بكون المكاسب الحقوقية والديمقراطية أصبحت في خطر منذ تعليق البرلمان المنتخب والدستور الذي شارك في صياغته آلاف السياسيين والحقوقيين والأكاديميين ومجلس وطني منتخب طوال ثلاث سنوات، ما بين 2011 و2014».
وحقاً، تعاقبت المؤتمرات الصحافية والبلاغات المشتركة بين عدد من رموز الأحزاب والأطراف التي شاركت في الحكم أو فازت في الانتخابات البرلمانية السابقة. وأعلنت قيادات الأحزاب بالمناسبة عن تحركات بالجملة للضغط على صنّاع القرار في الداخل والخارج بهدف «إنقاذ البلاد من أزمتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية الأمنية» و«بناء تونس الجديدة» و«الربط بين الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي ومحاربة الفساد والعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني».
ومن جهة أخرى، أعلنت مجموعة من أبرز الشخصيات الوطنية عن تأسيس «اللقاء الوطني للإنقاذ» بزعامة قيادات من الأحزاب الليبرالية واليسارية المعتدلة مثل المحامي أحمد نجيب الشابي، ونائب رئيس البرلمان طارق الفتيتي، والوزير السابق فوزي عبد الرحمان، ورجل الأعمال والبرلماني العياشي الزمال، ورئيس الخبراء المحاسبين سابقا عياض اللومي، والناشط النقابي والسياسي المهدي عبد الجواد.

تبدّل مواقف الحلفاء

ومن بين أبرز انعكاسات ما وُصف بـ«الزلزال السياسي» على المشهد الوطني تغيير مجموعة من الشخصيات والأطراف السياسية مواقفها وتحالفاتها بنسبة 180 درجة. إذ عدّلت مكوّنات هذه المجموعة مواقفها من الرئيس سعيّد ومن «حركة التصحيح»، وباتت بدورها تصفها بـ«الانقلاب» على الدستور وعلى البرلمان المنتخب وعلى «شرعية صناديق الاقتراع». وكان من بين مفاجآت الأيام الماضية أن تصدّر مشهد «المعارضين الجدد» لسياسات قصر قرطاج بعض زعماء «الكتلة الديمقراطية» مثل المحامية سامية عبو، والأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» المحامي غازي الشواشي (وهو برلماني ووزير سابق)، والوزير السابق محمد عبو والقيادي في حزب الشعب الوزير السابق سالم الأبيض. وكان هؤلاء الأكثر انحيازاً للرئيس سعيّد إبّان معاركه مع حكومة هشام المشيشي ومع البرلمان وقيادات الائتلاف الحاكم عموماً، و«حركة النهضة» بصفة خاصة.
هذا، وسبق لرئاسة الجمهورية أن نشرت صوراً وفيديوهات على صفحتها الرسمية حول مشاركة هذه الشخصيات في اجتماعات مصغّرة في قصر قرطاج مع الرئيس سعيّد أو مع أعضاء المجلس الأمن القومي والمجلس الأعلى للجيوش وبعض الوزراء. وبالتالي، أدى انتقال هؤلاء من «المساندة المطلقة لحركة التصحيح» إلى المعارضة، إلى دفع الرئيس سعيّد إلى التشكيك في «وطنيتهم» واتهامهم بتغيير مواقفهم وولاءاتهم؛ بسبب حصولهم على «تمويل أجنبي» مزعوم.
لكن قيادات «الكتلة الديمقراطية» تابعت تحركاتها المعارضة عبر سلسلة من التصريحات النارية التي صدرت عن زعمائها، بينها دعوات من زعيمها ومؤسسها الوزير السابق محمد عبو، دعا فيها قيادات الأمن والجيش إلى الامتناع عن تنفيذ أوامر الرئيس، وهو ما اعتبره خصومه «دعوة إلى التمرد». وأيضاً، صعّدت «الكتلة الديمقراطية» احتجاجاتها وتحركاتها، ونظّمت مؤتمراً صحافياً للإعلان عن معارضتها «بقوة وحزم لمشروع خريطة الطريق التي أعلن عنها قيس سعيّد». وأعلن في المناسبة عن تأسيس «تنسيقية للأحزاب الديمقراطية» تضم «التيار الديمقراطي» بزعامة غازي الشواشي، والحزب الجمهوري بزعامة الحقوقي عصام الشابي، و«التكتل من أجل الديمقراطية» بزعامة النقابي والوزير الأسبق للشؤون الاجتماعية خليل الزاوية.

استطلاعات الرأي

في المقابل،، نشرت مؤسسات استطلاعات الرأي التونسية تقارير جديدة تحدثت عن تصدّر الرئيس قيس سعيّد قائمة السياسيين التونسيين من حيث الشعبية، ورجّحت فوزه بأكثر من 50 في المائة من الأصوات في حال نظّمت انتخابات رئاسية اليوم. كذلك كشفت استطلاعات الرأي نفسها، عن أن أكثر من ثلث الناخبين قد يختارون قوائم برلمانية يدعمها سعيّد إذا ما جرى تأسيس حزب يدعمه. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن القانون التونسي يمنع رئيس الدولة من أن يرأس أي حزب سياسي.
ثم، أن مواقف الرئيس سعيّد تشير إلى أنه لا يكنّ تقديراً كبيراً لدور معظم الأحزاب والجمعيات، ويتهم جلّها بالحصول على تمويلات من جهات خارجية ومن رجال الأعمال «الفاسدين». وسبق له أن نشر حواراً صحافياً في يونيو (حزيران) 2019، قبل الانتخابات، أعلن فيه أنه ضد «كامل منظومة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المدعومة من الخارج». وتابع، أنه سيقوم بحل البرلمان في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية.
لم تلق الإجراءات الرئاسية الجديدة ترحيباً إلا من قِبل «تنسيقيات قيس سعيّد» التي ليس لها حزب يجمع بينها، وهي إنما تتحرك أساساً معتمدة على مواقع التواصل الاجتماعي وتعقد اجتماعات افتراضية باسم «حراك 25 يوليو»، مع الإشارة إلى أن هذا الحراك ليس له قيادة قانونية ورسمية.
وفي هذه الأثناء، ساندت قيادات 8 أحزاب محسوبة على «التيارات القومية والاشتراكية والماركسية» قرارات الرئيس سعيّد وأعلنت اعتزامها الوقوف في صفه. ويتزعم هذه الأحزاب النقابي والقيادي السابق في «حزب الوطنيين الديمقراطيين» عبيد البريكي، ورئيس حزب «التيار الشعبي القومي العربي» زهير حمدي، وزهير المغزاوي عن «حزب الشعب القومي الناصري». ولقد رحّبت قيادة حزب «التحالف من أجل تونس» بما جاء في خطاب رئيس الدولة واعتبرت أنّ الإجراءات الرئاسية المعلن عنها «توضّح معالم الطريق لسنة قادمة ستتوّج بانتخابات ديمقراطية تعيد المؤسسة التشريعية إلى دورها في دعم أسس الدولة وسيادة قرارها، وفق ما سيفرزه الاستفتاء الشعبي من تعديلات على الدستور وعلى النظام الانتخابي».
وبذا يقع تكريس الانقسام والتصدع داخل «المنظومة السياسية والحزبية والنقابية القديمة» التي شكك سعيّد منذ سنوات في مصداقيتها، وأدلى منذ وصوله قصر قرطاج بتصريحات عديدة اعتبر فيها أنها «منظومة انتهى دورها وتجاوزها الزمن».

أي دور ينتظر نقابات العمال وسط التشرذم والتنافس؟
> في خضم التشرذم والتنافس الحاصلين في تونس راهناً بين قصر قرطاج وقيادات الأحزاب السياسية، يطرح كثرة من المراقبين السؤال الكبير: مَن سيكسب على المدى البعيد ورقة التحكّم في التحركات الاجتماعية في مرحلة تشهد فيها البلاد أزمة اقتصادية مالية اجتماعية أمنية خانقة؟
في الواقع، تعدّ القيادات النقابية أهم الأطراف تأثيراً على آليات صنع القرار السياسي في تونس منذ عشرات السنين، وبصفة أخص منذ انهيار حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل 11 سنة. وللعلم، سبق أن شارك في كل الحكومات المتعاقبة خلال العقد الماضي نقابيون وسياسيون رشّحهم الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعد أقوى وأعرق كيان نقابي في البلاد. ثم إنه تسبب «الفيتو» الذي استخدمته قيادات نقابية غير مرة في إسقاط عدد من المرشحين البارزين لرئاسة الحكومة أو لتولّي مسؤوليات عليا في الدولة.
أضف إلى ما تقدّم أنه أدت الإضرابات العديدة التي نظمتها النقابات منذ مطلع 2011 إلى إسقاط عدة حكومات، بينما أنتج التوافق بين النقابات وبين الرئيس السابق الباجي قائد السبسي في «تهدئة الأوضاع» حيناً، ثم في توظيف الاضطرابات الاجتماعية والنقابات لصالحه عند انفجار خلافات بينه وبين رئيسي الحكومة السابقين الحبيب الصيد ويوسف الشاهد.
أما إزاء ما يحدث راهناً، فإن ثمة قيادات نقابية تخشى جدياً من أن يتمادى الرئيس قيس سعيّد في تهميشها، أو أن تأمر النيابة بملاحقة بعض النقابيين بتهم «فساد» وقضايا «حق عام»؛ وذلك بسبب معارضة المركزية النقابية لعدد من قرارات الرئيس خلال الأشهر الماضية، بعدما كانت قد رحّبت بإجراءات 25 يوليو و«التصحيح».
ثم أنه، في الوقت الذي تتأهب القيادة النقابية لعقد مؤتمرها الوطني خلال شهر فبراير (شباط) المقبل، تتخوّف نقابات رجال الأعمال وأوساط سياسية رسمية ومعارضة من تصعيد للتحركات الاجتماعية والإضرابات. وأيضاً تتخوّف من احتمال توظيف سوء الأوضاع الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الشعبية والوسطى في معركتها مع قصر قرطاج ومع الحكومة، التي كشفت عن أن صندوق النقد الدولي يضغط عليه من أجل خفض أجور ملايين الموظفين والمتقاعدين، وتجميد الرواتب والتفويت في المؤسسات العمومية المفلسة رغم معارضة النقابات.

تونس من دون موازنة للعام الجديد لأول مرة منذ 65 سنة
> بينما يتابع السياسيون التونسيون منذ 11 سنة معاركهم على الكراسي، ويثيرون قضايا سياسية ودستورية وقانونية وآيديولوجية، تدهورت الأوضاع المالية في البلاد بشكل غير مسبوق. وللمرة الأولى منذ استقلال تونس عن فرنسا قبل 65 سنة تدخل البلاد عاماً جديداً من دون إعداد موازنة أو قانون مالية، وكذلك من دون توضيح «الموارد المالية للدولة» و«نفقاتها»، مع العلم أن البرلمان التونسي اعتاد على المصادقة على موازنة العام الجديد قبل أسابيع من شهر يناير (كانون الثاني).
أحمد كرم، رئيس هيئة البنوك التونسية السابق، قدّر النقص في موازنة الدولة للسنة المقبلة بنحو 40 في المائة، مهما كانت الزيادات المتوقعة في الضرائب والرسوم والإتاوات. وفي الوقت نفسه، قدّر كرم قيمة السيولة المالية خارج البنوك، أي في «السوق الموازية» بنحو 17 مليار دينار تونسي (أي 6 مليارات دولار أميركي). ومن ثم، طالب بإصلاحات تشجع أصحاب تلك الأموال على الإقدام على ضخها في البنوك والمصارف التونسية.
ومن جهة ثانية، طالب سمير ماجول، رئيس نقابة التجار والصناعيين وأرباب المؤسسات الخاصة، بتعليق الإضرابات ومراعاة الظروف الصعبة التي تمر بها الشركات الخاصة، لأسباب عديدة... من بينها، المضاعفات السلبية والخطيرة لجائحة «كوفيد - 19». في حين توقع الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي – وكذلك عدد من كبار الخبراء الماليين، أن البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والصناديق العربية والأفريقية – ألا تقدّم هذه البنوك والصناديق المالية لتونس ما تحتاج إليه من قروض قبل أن تعلن القيادة التونسية بوضوح عن استئناف المسارين الديمقراطي والبرلماني، وتنخرط في إصلاحات عميقة لمشروع الموازنة، بما في ذلك عبر تخفيض «كتلة الأجور» إلى أقل من 15 في المائة.
وهنا نشير إلى أن نحو مليون تونسي وتونسية، أي عُشر المواطنين، فقدوا كلياً أو جزئياً وظيفتهم أو مورد رزقهم، وتضرّروا مالياً بسبب مضاعفات جائحة «كوفيد - 19» وإغلاق الحدود وتعثر الموسم السياحي لسنتين متتاليتين.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.