إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

الأكاديمية سامية محرز تكتب سيرة جدها شاعر الأطلال

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»
TT

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

إبراهيم ناجي في «زيارة حميمة تأخرت كثيراً»

احتاجت الدكتورة سامية محرز أستاذة الأدب العربي مديرة مركز دراسات الترجمة بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أكثر من نصف قرن لتزور جدها الشاعر إبراهيم ناجي (1898 - 1953) أحد رموز الرومانسية في الشعر المصري والعربي المعاصر، وتستدعيه وتتعرف عليه من جديد في كتابها «إبراهيم ناجي - زيارة حميمة تأخرت كثيراً»، الصادر حديثاً عن دار الشروق بالقاهرة.
تتردد أصداء سرديات العائلة في سيرة الشاعر: الميلاد والرحيل، الحضور والغياب، الشعر والحب، وتجليات الأثر المُقيم، عبر 274 صفحة يضمها الكتاب، وفيه تتأمل محرز حالة الرحلة التي قطعتها لبلوغ هذه الزيارة، ومكابدات لملمتها وكتابتها، وكأنها تشن «حملة تفتيش»، حسب تعبير الراحلة لطيفة الزيات، تقوم في ظلالها بالتفتيش والنبش في أوراقه الشخصية ومسودات أشعاره وذكريات كثيرة، تقول إنها «فاجأتها بحضورها بعد أن كنت إما نسيتها أو لم أفهم معناها. فآثرت أن أبحث عما قد يجمعنا - جدي وأنا - في هذه الزيارة الحميمة التي تأخرت كثيراً».
وفي إيقاع مونولوج مفعم بالشجن، تروي محرز: «مات إبراهيم ناجي قبل أن ألقاه، تأخرت في المجيء إلى العالم عامين. كنت لم أطأ الدنيا بعد عندما رحل في عامه السادس والخمسين فإذا بي اليوم أكبره سناً».
بهذه الروح تتنقل محرز بين سنوات العمر، تزور سنوات طفولتها التي لم تشهد فيها حضور الجد أبي أمها، بينما تنشأ على اعتياد ذلك الثناء المعهود عنه كإنسان وطبيب وشاعر بارز في أوساط الأدب العربي، تتأمل كيف يُجاور هذا الثناء فجيعة عائلتها بذلك الغياب المفاجئ للجد.
يتقاطع كل هذا مع ملامح دقيقة لحياة الجد الشاعر يرسمها الكتاب، تعززها باقة من الصور الفوتوغرافية والوثائق والمخطوطات النادرة والمراسلات بخط يد ناجي، كما يقدم معلومات جديدة مثيرة عنه، بخاصة ملهمته الأولى الغامضة التي آثر عدم ذكر اسمها في مخطوطاته، مكتفياً بالأحرف الأولى، والتي يشاع أنها وراء إلهامه بقصيدة «الأطلال».
ويعرض الكتاب أثر نجاح هذه القصيدة على أسرته بعد أن شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، ويوضح الفارق الكبير بين «الأطلال» المكتوبة والمغناة ودور الشاعر الكبير أحمد رامي في صناعة ذلك الفارق... وما هي القصيدة الأخرى التي دُمجت بعض أبياتها مع «الأطلال» ليصبح الناتج: أغنية أم كلثوم الشهيرة. ويكشف الكتاب مؤلفاته الأخرى في الطب وعلم النفس والأدب والترجمة، وكيف كانت حفيدة شاعر الأطلال لا تحمل وداً لجدها ولا فخراً بشهرته بسبب مناهج الحكومة لدراسة الأدب العربي في الستينات.

صالون برجوازي

يبدو «التأخر» أحد مفاتيح كتابة تلك السيرة التي تتقاطع فيها سيرة الجد إبراهيم ناجي والحفيدة سامية محرز، فولادتها جاءت بعد عامين من وفاة جدها، مروراً بفكرة تأملها لشعره الذي كان مقرراً عليها في المدرسة، وانتباهها مع العمر للأواصر التي تربطها به، بما في ذلك الأواصر الجينية التي جعلت ملامحها شديدة الاقتراب من ملامح الجد، وهي الملاحظة التي تبرزها محرز في مطلع الكتاب، على لسان الكاتب الراحل جمال الغيطاني، الذي لفت انتباهه صورة كبيرة لإبراهيم ناجي تتوسط صالون بيت الأسرة، يسأل سامية محرز عما جاء بإبراهيم ناجي لبيت عائلتها! وعندها فقط يعلم عن صلة قرابته به ويُعلق على الشبه الكبير بين ملامحهما، تقول محرز «غادر جمال منزلنا، فتوقفت أتأمل - وقد يكون للمرة الأولى - صورة جدي التي قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المنزل وجدرانه: حاضرة غائبة في كل أوان.
لا تستوقفني أبداً في تنقلاتي داخل المنزل بل إنني لم أكن أحبها. فأمي كانت قد بالغت في تكبير حجم الصورة فاعتبرتها أنا مُقحمة على صالون أهلي البرجوازي، لذا، كنت أتجاهل وجودها».
تتوقف سامية أمام تلك الصورة الفوتوغرافية و«حجمها المبالغ فيه» لتنطلق منها لوصف ذاتي حول تدرج تلقيها لأشعار الجد إبراهيم ناجي، التي كانت تقف على النقيض من انطباعات الآخرين عنه، ذلك التلقي الشخصي المبكر لشعره الذي كان يسوده النفور، وانعكس على تلقيها السلبي للأدب العربي بشكل عام.

موقف من اللغة

تزور محرز في الكتاب، سنوات طفولتها، تعليمها الأجنبي، ومادة اللغة العربية التي كان مُقرراً فيها قصيدة لجدها إبراهيم ناجي بعنوان «العودة»، تعترف أنها كانت واحدة من بين أسباب نفورها من اللغة العربية لسنوات طويلة: «لم تكن قصيدة (العودة) وحدها هي المشكلة، بل كانت هناك مجموعة من الأسباب والظروف والملابسات شكلت علاقتي المتوترة بالأدب العربي بشكل عام، وباللغة العربية بشكل خاص. صحيح أننا كنا نتكلم بالعامية المصرية في المنزل طوال الوقت، إلا أنني قرأت أول ما قرأت وكتبت أول ما كتبت بالفرنسية ثم بالإنجليزية؛ كنت أتعجب من اختيار المحفوظات ومواد القراءة في منهج العربية على مدى المراحل الدراسية، وهي القراءات التي تعد المدخل الأول بل الأساسي إلى الأدب العربي والثقافة العربية. كنا نقرأ - أو بالأحرى نحفظ دون فهم. وفي المقابل في فصول الأدب الإنجليزي نقرأ ونحلل ونناقش قصصاً مبسطة وملخصة لتتواءم مع أعمارنا وخيالاتنا».
تضع محرز يدها على منطق ما وصفته بـ«النفور» من الأدب العربي في سنوات الطفولة، وصولاً لاختيارها الأدب الإنجليزي لدراسته في الجامعة الأميركية بالقاهرة، ليكون لقاؤها بالدكتورة فريال غزول، أستاذة ورئيسة قسم اللغة الإنجليزية والأدب المقارن بالجامعة، نقطة تحول كبيرة في مسار علاقتها بالأدب العربي، بعد أن دلتها على إميل حبيبي ومحمد عفيفي مطر ومحمود درويش وصنع الله إبراهيم وبدر شاكر السياب وجمال الغيطاني وغيرهم من الأسماء: «أسماء لم أكن قد سمعتُ عنها من قبل، فالأدب العربي في تجربتي المدرسية كان قد توقف عند (الكبار) ومنهم جدي بالطبع. الكبار الذين أسيئ تدريسهم واختيار أعمالهم في المراحل التعليمية المختلفة فحملتهم أنا مسؤولية غربتي عن لغتي وعن ثقافتي». وكان هذا الاقتراب أول عتبة على طريق حصولها على الماجستير في الأدب المقارن بإشراف فريال غزول، وصولاً لرحلتها مع الدكتوراه مع أساتذة الأدب العربي في جامعة لوس أنجليس كلود أودبير، وكانت رسالتها عن أدب جمال الغيطاني عام 1984، لتكون الرواية الحديثة بوابتها للأدب العربي، لتجاور جدها في حقل آخر في الأدب العربي.

أوراق ومسودات

يحمل الكتاب على غلافه الخلفي كلمة للروائي المصري صنع الله إبراهيم حول الكتاب، يلفت فيها إلى مفارقة دراسة الحفيدة سامية محرز «على مضض» لأشعار جدها في المدرسة، الذي لم تعره اهتماماً طيلة حياتها إلى أن ورثت من خالتها أوراقاً لناجي تضم خطابات ومذكرات شخصية تلفت انتباهها لتلك الزيارة.
وعلى محطات في حياة ناجي يمر الكتاب، ما بين تفنيد لعلاقته بأسرته، واللغط المثار حول علاقاته العاطفية، وحلمه الكبير بالكتابة لكوكب الشرق أم كلثوم، والمفارقة القدرية بأن تُغني له «الأطلال» بعد رحيله بأكثر من عشر سنوات؛ تلك القصيدة التي ستصبح أشهر ما تغني أم كلثوم على مسارح الشرق والغرب على السواء.
تلتقط محرز المفارقة في الكتاب «سيكتسب جدي فجأة اسم شهرة جديداً يختزل إسهاماته أثناء حياته القصيرة، إذ سيصبح (شاعر الأطلال)، وستتهافت الجرائد والمجلات على أمي وخالتي ضوْحية (التي كانت تكتب الشعر بالفرنسية)، وستبدأ معركتهما على صفحاتها مع (الملهمات) الجديدات اللاتي ملأن الجرائد بدورهن لاقتناص الأضواء وادعاء أن تلك القصيدة كتبت من أجلهن».
تُضمن محرز الكتاب وثائق بخط ناجي، من بينها مسودات قصيدة الأطلال، علاوة على ترجمات أدبية ومشاريع كتب غير مكتملة، كما يكشف الكتاب عن الأزمات المالية التي تعرض لها الجد وظلت ترافقه حتى موته. يقول الأديب صنع الله إبراهيم في كلمته المرفقة بالكتاب، إن تلك المسودات تلقي الضوء على جوانب مطموسة ومجهولة من حياة إبراهيم ناجي، منها «معاناته المادية وصراعاته مع البيروقراطية وعلاقاته العاطفية التي طالما حرصت عائلته على إبقائها طي الكتمان. وكانت النتيجة تلك الزيارة الحميمة بين الحفيدة الناقدة وجدها الطبيب الشاعر تنبئ في طياتها عن تشكل علاقة جديدة بينهما».
ولد ناجي في حي شبرا بالقاهرة، وكان ترتيبه الثاني بين 7 أشقاء، أتم تعليمه الثانوي بمدرسة التوفيقية الثانوية، والتحق بمدرسة الطب، ليتخرج عام 1922، وعمل عقب تخرجه طبيباً في وزارة المواصلات، ثم وزارتي الصحة والأوقاف.
عشق ناجي الشعر منذ صغره، وقام بترجمة أشعار الشاعرين الفرنسيين لموسييه وتوماس، ونشرها بمجلة «السياسة» الأسبوعية. وانضم إلى جماعة «أبولو» التي ضمت نخبة من أشهر الشعراء في ذلك الزمان، خصوصاً أصحاب الاتجاه الرومانسي، منهم أبو القاسم الشابي وعلي محمود طه وأحمد زكي أبو شادي مؤسس المدرسة. وأصدر ناجي العديد من الأعمال الأدبية والدواوين الشعرية، منها «وراء الغمام»، و«ليالي القاهرة»، و«في معبد الليل»، و«الطائر الجريح».
ويعد كتاب «إبراهيم ناجي - زيارة حميمة تأخرت كثيراً» هو الكتاب الأول الذي يصدر باللغة العربية للدكتورة سامية محرز، وصدر لها من قبل العديد من المقالات في مجال الترجمة والنقد الثقافي، علاوة على كتب باللغة الإنجليزية منها: «أطلس القاهرة الأدبي»، «الكاتب المصري بين التاريخ والرواية: دراسات في أدب نجيب محفوظ، صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».