«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

الباحثة إيمان النمر تصحّح صورته بالوثائق والمذكرات وشهادات الفنانين

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس
TT

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

كثيرة هي الكتابات حول تاريخ المسرح المصري، لكنها غالباً ما تقع أسيرة الانطباعات الشخصية أو التركيز على جانب ما دون آخر، أو تفتقد الجهد الحقيقي في البحث والتوثيق. كل هذه المآخذ تجنبتها الباحثة د. إيمان النمر في كتابها «المسرح المصري والمجتمع المصري - من النهضة إلى 1919»، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية مدعماً بوثائق مصرية وعربية وفرنسية، فضلاً عن مذكرات كوكبة من الفنانين والأدباء الرواد الذين كانوا بمثابة شهود عيان.
اعتمدت الباحثة منهج البحث التاريخي القائم على النقد والتحليل. وبداية تدحض مسلمات الدراسات التاريخية الحديثة بأن الحملة الفرنسية على مصر 1798 كانت جذوة تحضرنا، على نحو أعطى للاستعمار شرعيته، وصور بونابرت مخلّصاً وليس غازياً، وكأن حياتنا هنا في الشرق كانت منعدمة عن كل مظهر حضاري يشهد لإنسانيتنا بالوجود!؛ لافتة إلى أن هذه النظرة الكلاسيكية التغريبية تتجاهل، بل تلغي الذات الاجتماعية الفاعلة التي قاومت وثارت من أجل تحررها. وتؤكد على سبيل المثال، أن المسرح المصري لم ينشأ على أكتاف الفرنسيين لأن الممثلين الذين جاءوا إلى مصر، كان كل همهم تسلية ورفاهية جنود ورعايا وطنهم الغازي. ولم يكن مسرح الجمهورية والفنون الذي أنشأه «جيفال» الحارس الخاص لبونابرت في منطقة «الأزبكية» بالقاهرة يختلف كثيراً عن العروض المسرحية الشعبية التي كانت تقدمها الفرق المتجولة في الشوارع. إذ يقول أحد الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عام 1780: «لم نكن نتوقع رؤية عرض مسرحي في مصر... وعند وصولنا القاهرة وجدنا فرقة كبيرة من الممثلين مكونة من مسلمين ومسيحيين ويهود وكان يدل مظهرهم على قلة المال الذي كانوا يحصلون عليه في هذا القطر فكانوا يذهبون لعرض مسرحياتهم في البيوت حيث كان يدفع لهم أجراً زهيداً جداً».
وتنوه الباحثة بأن المجتمع المصري كان يمتلك وعياً موروثاً هائلاً من التراث الشعبي مثل السيرة الهلالية وعنترة والظاهر بيبرس وحكايات ألف ليلة وليلة والزير سالم وغيرها، وكانت تلقى بأداء تمثيلي يحاكيها ويصلها بوجدان الناس فعرفت البلاد ما يسمى بالحكواتي أو الراوي والسامر ومنشد الربابة الذين يطوفون بالقرى والشوارع والحواري في مناسبات الموالد وغيرها.
وتذكر أن سعيد باشا اهتم بإقامة مجموعة من المسارح والملاهي بحدائق قصر القباري بالإسكندرية وكان يقام فيها حفلات نهارية وليلية تعرض شتى فنون الأوبرا والباليه، تعبيراً عن حفاوته وترحيبه بالجالية الأوروبية التي ساندته ورحبت باعتلائه العرش ومن هنا تم مأسسة وحوكمة المسرح، إذ أصبح مؤسسة لها قوانينها الإدارية والتنظيمية تحت إشراف ورعاية السلطة الحاكمة نفسها.

نشأة المسرح المصري

تتابع الباحثة: في عهد الخديو إسماعيل (1863 - 1879) نشأ المسرح المصري بحلته الحديثة في ظل طفرة متنوعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تهدف إلى تحديث مصر على النمط الأوروبي. وقد أنشئ ذلك المسرح بالطرف الجنوبي بالأزبكية في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1867 في مدة وجيزة لم تتعدَ 40 يوماً، حيث تم الافتتاح في مساء 4 يناير (كانون الثاني) 1868 وهو ما أثار تعجب المؤرخ إلياس الأيوبي حين تحدث عنه واصفاً إياه بأنه كان شديد الفخامة ومزين بأبهى الرسوم والزخارف، لا سيما تلك الأماكن التي خصصت للخديوي والأميرات. وقد أراد إسماعيل أن يكون ذلك المسرح على غرار مسرح المنوعات بباريس لتقديم العروض المتنوعة ما بين الكوميدي والأوبرا. ولذلك تم الاتفاق مع «ماناس»، وهو مخرج فرنسي من أصل أميركي للتعاقد مع ثلاثين ممثلاً وممثلة من فرنسا وتم الافتتاح بأوبرا «هيلين الجميلة» من تلحين «أونباخ» 1819 - 1880. وهو مؤلف فرنسي من أصل بروسي. وحضر الافتتاح كثير من الشخصيات المهمة على رأسهم الخديو إسماعيل وولي العهد توفيق وكبار موظفي الدولة وقناصل الدول الأوروبية وبلغ من النجاح درجة جعلت إدارة المسرح تضع المقاعد في الأروقة الخالية من القاعة. ومما يلفت الانتباه وجود ما سمي بجورنال «لوبرجرام التياترات» المصرية وكان يطبع بمطبعة الخواجة «دلبوس دموريث» بالأزبكية، وتبين أن أول إصداراته كان مع افتتاح المسرح الكوميدي ووظيفته كانت نشر برنامج العروض المسرحية ومواعيدها، وكتابة المقالات النقدية والتوعية بفن المسرح في ثوبه الأوروبي الحديث. والتعرف على أسماء بعض العروض المسرحية منها «فرنندة وأسرار الصيف» التي حرص الخديو إسماعيل على حضورها وقام بالتصفيق الحار للمثلين والممثلات.
وتوضح الباحثة أنه من طبيعة العروض المقدمة آنذاك يمكن أن نستشف نوعية البنية الموضوعية لتلك العروض المسرحية، إذ تعكس نمط العلاقات العاطفية بين أروقة وغرف القصور الأرستقراطية وتزاوج السلطة بالغواية، حيث لا انشغال بقضية ولا فكرة ولا هم حقيقي، فالحاكم يذهب للمسرح كي يلهو. ومن الطلبات المتكررة من بعض المخرجين لاستغلال المسرح الكوميدي بشكل أفضل نستنتج مروره بأزمات حقيقية ستتفاقم وتظهر جلياً في المواسم التالية. وقد توالت خسارته خلال موسم 1873 - 1874 رغم ارتفاع معدلات الإنفاق الخاصة بالمسارح التي أثقلت بقروض استدانة من بنك «الأنجلو إيجيبسيان». وكان الموسم المسرحي 1874 - 1875 لا يقل في تفاصيله ولا ميزانيته عن العام السابق حيث قدرت بمليون ومائتي ألف فرانك، إضافة إلى مبلغ ستة عشر ألف ليرة أسترالينية. وكان يتم شراء لوحات جديدة كل موسم مسرحي بقيمة مالية ثابتة بلغت 6560 فرنكاً.

عروض الإسكندرية

يذكر الكتاب أن مدينة الإسكندرية شهدت نشاطاً ملحوظاً للفرق الأجنبية المختلفة، نظراً لطبيعتها الثقافية والتاريخية والجغرافية التي تركزت فيها الجاليات الأجنبية المتنوعة، لا سيما من بلاد حوض البحر المتوسط مثل الإيطاليين واليونانيين، إضافة إلى كون الإسكندرية ميناء وصول ووداع الفرق الأجنبية الآتية لتقديم عروضها بالمسارح الخديوية بالقاهرة، والتي كانت تستكمل موسمها على مسارح الإسكندرية على سبيل الترفيه لجاليات بلادها. وكان من أهمها مسارح: الكونت دي زيزينيا والمسرح العباسي ومسارح الحمراء والبرداويز والهمبرا.
وتذكر الباحثة أنه لم يكن يُسمح للفرق الشامية بتقديم عروضها على المسارح الخديوية إلا بعد انتهاء الفرق الأوروبية من مواسمها المتعاقد عليها وفي ليال محدودة، ومن نماذج هذه الفرق فرقة سليم النقاش الذي اتسم بالذكاء، إذ استغل إمكانياته ومهاراته الاجتماعية للحصول على موافقة مجيء فرقته إلى مصر. والإطراء والتمجيد لشخص الخديوي إسماعيل في افتتاحية كل من مسرحية «عايدة» و«مي» وإهدائه الأخيرة للخواجة أنطونيادس أحد الأجانب المشهورين المقيمين بالإسكندرية.
كان من الطبيعي أن تهتم جريدة الأهرام التي أسسها الأخوان اللبنانيان بشارة وسليم تقلا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1875 بالإعلان عن نشاط الفرقة بصفتها فرقة لبنانية وأن ترصد تنقلاتها ومواعيدها وحث الناس على متابعة وحضور عروضها التي كان أولها مسرحية «هارون الرشيد» ثم رواية «الحسود السليط» كما كتب الشيخ محمد عبده فقرة عن سليم النقاش واصفاً إياه بـ«حضرة الشاب النبيه الجليل والذكي وأن مجيئه إلى مصر أحد المظاهر الحضارية التي تحسب للخديوي إسماعيل»، وتلك كانت لفتة مهمة من رجل دين شهير يتحدث عن الفن وممثليه بوصفه مظهراً حضارياً.
وخلال شهر أبريل (نيسان) عام 1882 قدمت فرقة سليمان القرداحي ثماني روايات على مسرح دار الأوبرا الخديوية بدأتها برواية «تليماك»، وهي من أشهر الروايات التي كررتها دار الأوبرا في حفلاتها ومواسمها آنذاك. وفي عام 1900 تقدم القرداحي بطلب إلى نظارة «وزارة» الأشغال للحصول على تعويض مادي مقابل هدم مسرحه بالإسكندرية أو بناء مسرح آخر له في الأزبكية، وقد اتضح من الطلب والتقارير التي بين نظارة الأشغال والجهات المختصة أن الفرقة تقريباً منذ عام 1897 أصبحت في منحنى الانهيار والإفلاس.

جدل الريادة

تتطرق المؤلفة إلى قضية مهمة تثار عادة مشحونة بالكثير من الجدل وهي قضية ريادة يعقوب صنوع للمسرح المصري حيث تشير إلى أن صنوع 1839 - 1912 ولد من أبوين إيطاليين وقد أجمعت عديد من الدراسات العربية والأجنبية التي أرخت لتاريخ المسرح المصري أنه رائد ومؤسس المسرح المصري عام 1870 واستندت بشكل أساسي على إحدى محاوراته المنشورة بصحيفة أبو نظارة وفيها ذكر أنه أنشأ «تياترو عربي للمصريين امتد وجوده إلى عامين». وذكر أنه أنشأ مسرحه في مقهى موسيقي بحديقة الأزبكية 1870 متأثراً بالفرق الإيطالية والفرنسية في مصر. وبحسب صنوع استطاعت الفرقة أن تحقق نجاحاً جماهيرياً باهراً استدعى أن يضم إلى فرقته فتاتين تقومان بالأدوار النسائية بدلاً من الصبيان الصغار.
تتحفظ الباحثة على ريادة صنوع استناداً إلى عدم وجود أي وثائق رسمية أو دوريات أو دراسات معاصرة للفترة الخاصة بصنوع الذي تحدث عن تجربته بما لا يتناسب مع حجم الشهرة والنجاح الجماهيري والنخبوي الذي بلغته مسرحياته. وتشير إلى عدم وجود تاريخ محدد لتأسيس ذلك المسرح أو إغلاقه والاكتفاء بتحديده ما بين عامي 1870 – 1872 وأيضاً عدم العثور على أي أوامر معلنة تثبت منح الخديوي إسماعيل لقب «موليير مصر» لصنوع الذي يبالغ مبالغة شديدة حين يتحدث عن عروض فرقته ويقول إنها تجاوزت المئات خلال عامين فقط!
يقع الكتاب في 250 صفحة من القطع الكبير، وقد بذلت فيه الباحثة جهداً مشهوداً ونجحت في عمل توازن بين الرصد التاريخي الموثق وبين التحليل المبني على أسس موضوعية، لكن ورود قائمة الهوامش والإشارات في ذيل كل فصل أدى إلى قطع تسلسل وتدفق السرد، حيث تبلغ هذه الهوامش في بعض الحالات 15 صفحة وكان يُفضل أن تبقيها في نهاية الكتاب مرة واحدة إلى جوار قائمة المراجع.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.