«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

الباحثة إيمان النمر تصحّح صورته بالوثائق والمذكرات وشهادات الفنانين

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس
TT

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

«فجر المسرح المصري»... من الترفيه عن «الخديو» إلى قضايا الناس

كثيرة هي الكتابات حول تاريخ المسرح المصري، لكنها غالباً ما تقع أسيرة الانطباعات الشخصية أو التركيز على جانب ما دون آخر، أو تفتقد الجهد الحقيقي في البحث والتوثيق. كل هذه المآخذ تجنبتها الباحثة د. إيمان النمر في كتابها «المسرح المصري والمجتمع المصري - من النهضة إلى 1919»، الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية مدعماً بوثائق مصرية وعربية وفرنسية، فضلاً عن مذكرات كوكبة من الفنانين والأدباء الرواد الذين كانوا بمثابة شهود عيان.
اعتمدت الباحثة منهج البحث التاريخي القائم على النقد والتحليل. وبداية تدحض مسلمات الدراسات التاريخية الحديثة بأن الحملة الفرنسية على مصر 1798 كانت جذوة تحضرنا، على نحو أعطى للاستعمار شرعيته، وصور بونابرت مخلّصاً وليس غازياً، وكأن حياتنا هنا في الشرق كانت منعدمة عن كل مظهر حضاري يشهد لإنسانيتنا بالوجود!؛ لافتة إلى أن هذه النظرة الكلاسيكية التغريبية تتجاهل، بل تلغي الذات الاجتماعية الفاعلة التي قاومت وثارت من أجل تحررها. وتؤكد على سبيل المثال، أن المسرح المصري لم ينشأ على أكتاف الفرنسيين لأن الممثلين الذين جاءوا إلى مصر، كان كل همهم تسلية ورفاهية جنود ورعايا وطنهم الغازي. ولم يكن مسرح الجمهورية والفنون الذي أنشأه «جيفال» الحارس الخاص لبونابرت في منطقة «الأزبكية» بالقاهرة يختلف كثيراً عن العروض المسرحية الشعبية التي كانت تقدمها الفرق المتجولة في الشوارع. إذ يقول أحد الرحالة الذين جاءوا إلى مصر عام 1780: «لم نكن نتوقع رؤية عرض مسرحي في مصر... وعند وصولنا القاهرة وجدنا فرقة كبيرة من الممثلين مكونة من مسلمين ومسيحيين ويهود وكان يدل مظهرهم على قلة المال الذي كانوا يحصلون عليه في هذا القطر فكانوا يذهبون لعرض مسرحياتهم في البيوت حيث كان يدفع لهم أجراً زهيداً جداً».
وتنوه الباحثة بأن المجتمع المصري كان يمتلك وعياً موروثاً هائلاً من التراث الشعبي مثل السيرة الهلالية وعنترة والظاهر بيبرس وحكايات ألف ليلة وليلة والزير سالم وغيرها، وكانت تلقى بأداء تمثيلي يحاكيها ويصلها بوجدان الناس فعرفت البلاد ما يسمى بالحكواتي أو الراوي والسامر ومنشد الربابة الذين يطوفون بالقرى والشوارع والحواري في مناسبات الموالد وغيرها.
وتذكر أن سعيد باشا اهتم بإقامة مجموعة من المسارح والملاهي بحدائق قصر القباري بالإسكندرية وكان يقام فيها حفلات نهارية وليلية تعرض شتى فنون الأوبرا والباليه، تعبيراً عن حفاوته وترحيبه بالجالية الأوروبية التي ساندته ورحبت باعتلائه العرش ومن هنا تم مأسسة وحوكمة المسرح، إذ أصبح مؤسسة لها قوانينها الإدارية والتنظيمية تحت إشراف ورعاية السلطة الحاكمة نفسها.

نشأة المسرح المصري

تتابع الباحثة: في عهد الخديو إسماعيل (1863 - 1879) نشأ المسرح المصري بحلته الحديثة في ظل طفرة متنوعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تهدف إلى تحديث مصر على النمط الأوروبي. وقد أنشئ ذلك المسرح بالطرف الجنوبي بالأزبكية في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1867 في مدة وجيزة لم تتعدَ 40 يوماً، حيث تم الافتتاح في مساء 4 يناير (كانون الثاني) 1868 وهو ما أثار تعجب المؤرخ إلياس الأيوبي حين تحدث عنه واصفاً إياه بأنه كان شديد الفخامة ومزين بأبهى الرسوم والزخارف، لا سيما تلك الأماكن التي خصصت للخديوي والأميرات. وقد أراد إسماعيل أن يكون ذلك المسرح على غرار مسرح المنوعات بباريس لتقديم العروض المتنوعة ما بين الكوميدي والأوبرا. ولذلك تم الاتفاق مع «ماناس»، وهو مخرج فرنسي من أصل أميركي للتعاقد مع ثلاثين ممثلاً وممثلة من فرنسا وتم الافتتاح بأوبرا «هيلين الجميلة» من تلحين «أونباخ» 1819 - 1880. وهو مؤلف فرنسي من أصل بروسي. وحضر الافتتاح كثير من الشخصيات المهمة على رأسهم الخديو إسماعيل وولي العهد توفيق وكبار موظفي الدولة وقناصل الدول الأوروبية وبلغ من النجاح درجة جعلت إدارة المسرح تضع المقاعد في الأروقة الخالية من القاعة. ومما يلفت الانتباه وجود ما سمي بجورنال «لوبرجرام التياترات» المصرية وكان يطبع بمطبعة الخواجة «دلبوس دموريث» بالأزبكية، وتبين أن أول إصداراته كان مع افتتاح المسرح الكوميدي ووظيفته كانت نشر برنامج العروض المسرحية ومواعيدها، وكتابة المقالات النقدية والتوعية بفن المسرح في ثوبه الأوروبي الحديث. والتعرف على أسماء بعض العروض المسرحية منها «فرنندة وأسرار الصيف» التي حرص الخديو إسماعيل على حضورها وقام بالتصفيق الحار للمثلين والممثلات.
وتوضح الباحثة أنه من طبيعة العروض المقدمة آنذاك يمكن أن نستشف نوعية البنية الموضوعية لتلك العروض المسرحية، إذ تعكس نمط العلاقات العاطفية بين أروقة وغرف القصور الأرستقراطية وتزاوج السلطة بالغواية، حيث لا انشغال بقضية ولا فكرة ولا هم حقيقي، فالحاكم يذهب للمسرح كي يلهو. ومن الطلبات المتكررة من بعض المخرجين لاستغلال المسرح الكوميدي بشكل أفضل نستنتج مروره بأزمات حقيقية ستتفاقم وتظهر جلياً في المواسم التالية. وقد توالت خسارته خلال موسم 1873 - 1874 رغم ارتفاع معدلات الإنفاق الخاصة بالمسارح التي أثقلت بقروض استدانة من بنك «الأنجلو إيجيبسيان». وكان الموسم المسرحي 1874 - 1875 لا يقل في تفاصيله ولا ميزانيته عن العام السابق حيث قدرت بمليون ومائتي ألف فرانك، إضافة إلى مبلغ ستة عشر ألف ليرة أسترالينية. وكان يتم شراء لوحات جديدة كل موسم مسرحي بقيمة مالية ثابتة بلغت 6560 فرنكاً.

عروض الإسكندرية

يذكر الكتاب أن مدينة الإسكندرية شهدت نشاطاً ملحوظاً للفرق الأجنبية المختلفة، نظراً لطبيعتها الثقافية والتاريخية والجغرافية التي تركزت فيها الجاليات الأجنبية المتنوعة، لا سيما من بلاد حوض البحر المتوسط مثل الإيطاليين واليونانيين، إضافة إلى كون الإسكندرية ميناء وصول ووداع الفرق الأجنبية الآتية لتقديم عروضها بالمسارح الخديوية بالقاهرة، والتي كانت تستكمل موسمها على مسارح الإسكندرية على سبيل الترفيه لجاليات بلادها. وكان من أهمها مسارح: الكونت دي زيزينيا والمسرح العباسي ومسارح الحمراء والبرداويز والهمبرا.
وتذكر الباحثة أنه لم يكن يُسمح للفرق الشامية بتقديم عروضها على المسارح الخديوية إلا بعد انتهاء الفرق الأوروبية من مواسمها المتعاقد عليها وفي ليال محدودة، ومن نماذج هذه الفرق فرقة سليم النقاش الذي اتسم بالذكاء، إذ استغل إمكانياته ومهاراته الاجتماعية للحصول على موافقة مجيء فرقته إلى مصر. والإطراء والتمجيد لشخص الخديوي إسماعيل في افتتاحية كل من مسرحية «عايدة» و«مي» وإهدائه الأخيرة للخواجة أنطونيادس أحد الأجانب المشهورين المقيمين بالإسكندرية.
كان من الطبيعي أن تهتم جريدة الأهرام التي أسسها الأخوان اللبنانيان بشارة وسليم تقلا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1875 بالإعلان عن نشاط الفرقة بصفتها فرقة لبنانية وأن ترصد تنقلاتها ومواعيدها وحث الناس على متابعة وحضور عروضها التي كان أولها مسرحية «هارون الرشيد» ثم رواية «الحسود السليط» كما كتب الشيخ محمد عبده فقرة عن سليم النقاش واصفاً إياه بـ«حضرة الشاب النبيه الجليل والذكي وأن مجيئه إلى مصر أحد المظاهر الحضارية التي تحسب للخديوي إسماعيل»، وتلك كانت لفتة مهمة من رجل دين شهير يتحدث عن الفن وممثليه بوصفه مظهراً حضارياً.
وخلال شهر أبريل (نيسان) عام 1882 قدمت فرقة سليمان القرداحي ثماني روايات على مسرح دار الأوبرا الخديوية بدأتها برواية «تليماك»، وهي من أشهر الروايات التي كررتها دار الأوبرا في حفلاتها ومواسمها آنذاك. وفي عام 1900 تقدم القرداحي بطلب إلى نظارة «وزارة» الأشغال للحصول على تعويض مادي مقابل هدم مسرحه بالإسكندرية أو بناء مسرح آخر له في الأزبكية، وقد اتضح من الطلب والتقارير التي بين نظارة الأشغال والجهات المختصة أن الفرقة تقريباً منذ عام 1897 أصبحت في منحنى الانهيار والإفلاس.

جدل الريادة

تتطرق المؤلفة إلى قضية مهمة تثار عادة مشحونة بالكثير من الجدل وهي قضية ريادة يعقوب صنوع للمسرح المصري حيث تشير إلى أن صنوع 1839 - 1912 ولد من أبوين إيطاليين وقد أجمعت عديد من الدراسات العربية والأجنبية التي أرخت لتاريخ المسرح المصري أنه رائد ومؤسس المسرح المصري عام 1870 واستندت بشكل أساسي على إحدى محاوراته المنشورة بصحيفة أبو نظارة وفيها ذكر أنه أنشأ «تياترو عربي للمصريين امتد وجوده إلى عامين». وذكر أنه أنشأ مسرحه في مقهى موسيقي بحديقة الأزبكية 1870 متأثراً بالفرق الإيطالية والفرنسية في مصر. وبحسب صنوع استطاعت الفرقة أن تحقق نجاحاً جماهيرياً باهراً استدعى أن يضم إلى فرقته فتاتين تقومان بالأدوار النسائية بدلاً من الصبيان الصغار.
تتحفظ الباحثة على ريادة صنوع استناداً إلى عدم وجود أي وثائق رسمية أو دوريات أو دراسات معاصرة للفترة الخاصة بصنوع الذي تحدث عن تجربته بما لا يتناسب مع حجم الشهرة والنجاح الجماهيري والنخبوي الذي بلغته مسرحياته. وتشير إلى عدم وجود تاريخ محدد لتأسيس ذلك المسرح أو إغلاقه والاكتفاء بتحديده ما بين عامي 1870 – 1872 وأيضاً عدم العثور على أي أوامر معلنة تثبت منح الخديوي إسماعيل لقب «موليير مصر» لصنوع الذي يبالغ مبالغة شديدة حين يتحدث عن عروض فرقته ويقول إنها تجاوزت المئات خلال عامين فقط!
يقع الكتاب في 250 صفحة من القطع الكبير، وقد بذلت فيه الباحثة جهداً مشهوداً ونجحت في عمل توازن بين الرصد التاريخي الموثق وبين التحليل المبني على أسس موضوعية، لكن ورود قائمة الهوامش والإشارات في ذيل كل فصل أدى إلى قطع تسلسل وتدفق السرد، حيث تبلغ هذه الهوامش في بعض الحالات 15 صفحة وكان يُفضل أن تبقيها في نهاية الكتاب مرة واحدة إلى جوار قائمة المراجع.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».