جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

الروائي السوري الكردي يرى في تعدد الهويات قرباً من النزعة الإنسانية

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض
TT

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

يشكل سؤال الهوية مرتكزا أساسيا للصراع في أغلب أعمال الروائي السوري الكردي جان دوست، فهو يعتبر أن إحدى مهامه كمبدع البحث عن حلول جمالية ترد الاعتبار لقضية مهمشة تواطأ كثيرون ضدها هي قضية الأكراد. في ظلال هذا الصراع جاءت روايته «كوباني» مثل صرخة ضد الدم والمجازر، أما أحدث رواياته «مخطوط بطرسبرغ» فتقتفي أثر مخطوط حقيقي يلقي الضوء على تاريخ مسكوت عنه للأكراد عبر دهاليز التاريخ ومسارات الجغرافيا. هنا حوار معه حول هذه القضايا وكتاباته التي تمزج بين الثقافتين الكردية والعربية.

> في روايتك الأخيرة «مخطوط بطرسبرغ»، يبحث الراوي في إحدى المكتبات بمدينة موسكو عن مخطوط بالكردية لكاتب مجهول... فاتحاً أفق السرد على عالم الأكراد في القرن التاسع عشر... هل هو نص عن التاريخ أم الحنين والهوية؟ ألا ترى أن فكرة البحث أو العثور على مخطوط نادر أصبحت مستهلكة؟
- أعتبر هذا العمل محاولة للخوض في التاريخ الذي رسم للكُرد أقدارهم السوداء. وظل يحاصرهم ويلاحقهم حتى جردهم من عباءة الحرية. في هذه الرواية يمكن الاهتداء إلى بعض الخيوط التي تؤدي بالقارئ إلى العثور على العلة الكامنة التي جعلت الكرد خارج التاريخ.
صحيح أن فكرة البحث عن مخطوط أو كتاب غابر أصبحت ثيمة أثيرة لدى العديد من مشاهير الرواية في العالم، إلا أن روايتي تتحدث عن مخطوط حقيقي ضاع أثره، مخطوط جمع بين دفتيه جزءاً مهماً من التاريخ الكردي. ربما تتقاطع بعض الأفكار وأساليب السرد بين رواية وأخرى، لكنني في الحقيقة لست مهتماً بالسير وراء «الموضة الأدبية». علاقتي بالتاريخ علاقة قديمة، وقد كتبت أولى رواياتي الشعرية وأنا شاب صغير وكانت رواية تنهل من التاريخ.
> في روايتك «عشيق المترجم»، بدا للبعض أنك متأثر بأجواء رواية إليف شافاك الشهيرة «قواعد العشق الأربعون»، كيف ترى الأمر؟
- أرى الأمر مختلفا كلياً. «عشيق المترجم» رواية لا تشبه «قواعد العشق» إطلاقا، ربما كانت روايتي «ميرنامه» أقرب إلى رواية إليف شافاك المذكورة، فبينهما خطوط مشتركة كثيرة، وللعلم صدرت «ميرنامه» قبل صدور «قواعد العشق الأربعون».
> وصفت كتابة روايتك «كوباني» التي تتناول مأساة تلك المدينة السورية على يد «تنظيم داعش» بأنها كانت حتمية، وإلا لكان البديل الانتحار أو الجنون... هل تعتبر الكتابة نوعاً من أنواع العلاج النفسي للمؤلف أحياناً؟
- بعد معركة «كوباني» وما تلاها من مأساة النزوح ثم خراب المدينة بعد تحريرها ثم المجزرة، رأيت أنني بحاجة إلى صرخة عالية أفرغ بها كل الغضب والحزن الذي أحاط بي وأنا أشاهد مدينتي تتعرض لكل ذلك المحو. جاءت تلك الصرخة على شكل رواية من خمسمائة صفحة. وبالفعل شعرت براحة عميقة بعد أن كتبت آخر كلمة في الرواية. الكتابة نوع من العلاج الروحي. هذا صحيح. كما أنها تحرير للعقل الباطن الذي يسبب بقاؤه سجيناً مقيداً آلاماً نفسية عميقة.
> لكن بدا صادماً للبعض في تلك الرواية وصفك للإرهابي الداعشي بأنه ضحية... كيف ترى الأمر؟
- هناك فئة انضمت إلى «داعش» مدفوعة بغيرتها على الدين. لم تميز هذه الفئة حقيقة هذا التنظيم الإرهابي الأسود. شخصية الداعشي زياد في رواية كوباني تنتمي إلى هذه الفئة. وقد فصلت في خلفية هذه الشخصية، وكيف أن العنف المنزلي وغياب التربية الصحيحة منذ الطفولة تخلق تشوهات كبيرة في النفس تستغلها المنظمات المتطرفة لصالحها، إذ تجذب أصحاب الأرواح المهزوزة إليها بسهولة.
> بعد كتابة أربع روايات بالكردية اتجهت للكتابة باللغة العربية... كيف كانت المبررات؟
- المبررات كتبتها في مقدمة رواية «دم على المئذنة»، وعموما أنا أتقن العربية تماماً مثل لغتي الكردية، بل ربما أكثر منها، فهي تجذبني بقوة إلى ملكوتها الواسع، لكنني كنت أصدها، أقاوم إغراءها الكبير خشية الغرق في لذائذ عمقها اللانهائي. اللغة العربية حسناء خارقة الجمال تراودني عن نفسي وتسحرني بفتنتها. كلما اشتد علي الكرب وشعرت بعجز لغتي في التعبير عن النار التي تتقد بين ضلوعي، لكن لغتي الكردية التي شغفت بها وعملت على النبش في طبقاتها تلالها والغوص في أعماقها كانت تمنعني كل مرة من الافتتان بالعربية والوقوع في أحابيلها فأصدها وأكبت ما بداخلي في أتون قلبي. لقد وقعت في حقل جاذبية لغتين مختلفتين، إحداهما لغة أبي وأمي وإخوتي وأترابي في ملاعب الطفولة وعلى مقاعد الدرس، لغة أول فتاة أحببتها، لغة قلبي وأحلامي وكوابيسي وهذياناتي ورواياتي وأشعاري. والثانية لغة كتبي الأولى ويومي الأول في المدرسة، لغة ديني وقرآني الذي كانت أمي تتنسم بحروفه المقدسة البلسم والشفاء، لغة الكتب التي عجت بها مكتبة جدي وأعمامي وأبي الشيخ فكانت أول ما تراه عيناي في هذه الدنيا من كائنات ورقية. كان السؤال الذي يؤرقني هو ماذا أفعل بمخزوني من هذه اللغة الفاتنة، الضرة القوية للغتي؟ ماذا أصنع بما تراكم لدي من عشرات آلاف الجمل والعبارات التي ترسبت في قاع خيالي مثل مياه جوفية تننظر أن تشق طريقاً للأعلى لتنفجر كينبوع مقدس؟ ألا أخونها وأخون من يتكلم ويقرأ بها حين أضن بما عندي من فيضها وأحبسها في قعر الذاكرة العميق؟
> هذا الخيار جعل بعض المثقفين الأكراد يتهمونك بخيانة قوميتك حين «تنكرت» – على حد تعبيرهم - للكتابة بالكردية و«فضلت» العربية عليها؟
- الفكر القومي الضيق لا يمكن أن يأتي بمعرفة حقيقية. ولا ينتج عنه سوى الانغلاق على الذات والمزيد من التقوقع الذي يمنع أي تقدم. واللغة ليست سوى وسيلة للتعبير تماماً مثل العزف. يمكن للعازف أن يختار الآلة التي تناسبه. وبطبيعة الحال لم أتنكر للغتي بل ما زلت أكتب بها وأعتبر الكتابة بها قضية مركزية لحماية الذات والأنا المهددة. كنت أكتب بالعربية كتبي البحثية وترجماتي، لكني نأيت بنفسي عن الإبداع بالعربية أي كتابة الشعر والرواية وأي جنس أدبي آخر. لم أفعل شيئا سوى أنني وسعت الأفق الذي كنت أرنو إليه، وصار مجال الرؤية عندي أكبر.
> ما الفرق بين إبداعك بالكردية ونظيره بالعربية؟
هناك فرق بلا شك من ناحية القاموس والمفردات والخيال والتراكيب والمنابع التي أنهل منها. لكني - وأقولها بفخر - نجحت في توليد مناخات روائية خاصة هي مزيج خيالين كردي وعربي، مزيج ثقافتين ولغتين وفضاءين معرفيين مختلفين. ما جرى لي أشبه بعملية تطعيم الأشجار التي يقوم بها مزارع خبير، وتأتي النتيجة على شكل أشجار تثمر أنواعاً عديدة من الثمار.
> على ضوء ذلك كيف ترى سؤال «الهوية»؟ وهل تعيش أحياناً نوعاً من الصراع معه، ككردي يكتب بالعربية ويعيش مغترباً في ألمانيا منذ نحو عشرين عاماً؟
- بالنسبة لي فإن سؤال الهوية محوري جداً سواء في حياتي أو كتاباتي. فأنا ابن هوية مسحوقة مهمشة تكافح منذ قرون في سبيل الحرية. ولعل أغلب رواياتي تتمحور حول هذه القضية الجوهرية. فأنا مهتم جداً بمعرفة إشكالات الهوية الكردية التي أريد لها أن تبقى هوية دنيا في كل دولة يعيش فيها قسم من الشعب الكردي. صحيح أن السياسة تدخلت وطغى البعد السياسي على الكفاح الكردي الذي هو في الأصل إنساني، لكن يبقى أن الكرد يستحقون التمتع مع جيرانهم في التاريخ والجغرافيا بشمس الحرية. لقد كان يؤرقني سؤال الهوية منذ البداية فلجأت إلى التاريخ لعلي أحظى بأجوبة شافية. كتبت عدة روايات تتكئ على التاريخ الكردي البعيد والقريب لأحيط بإشكاليات الهوية الكردية المتنحية عن المشهد العام.
لكن، وبعيداً عن موضوع الكفاح والنضال القومي أرى أن تعدد الهويات أمر فيه ثراء وحيوية وقرب من النزعة الإنسانية أكثر من الاكتفاء بهوية واحدة والدوران حولها. يجب أن نشيع روح التسامح والمحبة وننبذ الكراهية، وهذا ما فعلته في «عشيق المترجم» و«ميرنامه» و«نواقيس روما» وغيرها.
> هناك تحول في مسيرتك رافق الشعر بداياتك ثم وقعت في غرام الرواية... هل بريق الرواية وفرص الشهرة والانتشار والجوائز وراء ذلك التحول؟
- لم أكن بعيداً عن الرواية حتى في بداياتي. كتبت في التاسعة عشرة ملحمة شعرية من ألف وثمانمائة بيت شعري. وهي رواية في الأصل لكنها مكتوبة شعراً بوزن وقافية. نالت ملحمتي الشعرية تلك شهرة كبيرة، لكني لم ألتفت إلى كتابة المزيد من القصص والروايات، واتجهت إلى الترجمة والبحث الأدبي. ثم كتبت أولى رواياتي في نهاية التسعينيات وصدرت في 2004 باللغة الكردية حيث لا جوائز. لقد استنفدت اللغة الشعرية ووجدت أنها لا تكفيني. مناخات الشعر لم تعد ترضي غروري، فكان لا بد من البحث عن جنس أدبي آخر أبسط من خلاله أفكاري وقناعاتي. صدرت روايتي الأولى وأنا في عمر الأربعين تقريباً. وشعرت أن لدي تراكماً في المعلومات والأفكار والرؤى لا يمكن أن يبقى الشعر حامله الأساسي، ولا بد من لغة نثرية تستوعب الحمولة الثقيلة.
> أخيراً... كيف ترى تفاعل النقاد مع تجربتك وإبداعك؟
- النقد العربي يعاني آفة الدوران في فلك المكرس. هناك أسماء تم تكريسها لأسباب عدة. وهناك نقد (شللي) فالكاتب له شلته من النقاد الذين يحتفون بأعماله ويسعون إلى تكريس اسمه ولا يقتربون من عوالم الكتاب الآخرين. والنقد الذي أعنيه هنا هو ما يتم نشره من مقالات انطباعية تحتفي بصدور الرواية وتكتب «تقريظاً» صحافياً تحت اسم النقد. إنه نقد استهلاكي إن صحت العبارة.
أما النقد الحقيقي، الأكاديمي، والذي يحفر في طبقات النص سعياً لاكتشاف العوالم السرية فهو نادر جداً. بالنسبة لي سعيد بأن رواياتي بدأت تلفت أنظار الأكاديميين العرب بسبب ما يجدون فيه من موضوعات تهم أزمة الهوية وعلاقاتها بالهويات المجاورة. هذا الأدب الكردي المكتوب بالعربية «الأدب العربفوني» يستحق اهتماماً أكبر في خضم الصراعات السياسية الكبرى الحالية. فالكرد جيران العرب ومصيرهم مشترك وتربط بعضهم ببعض أواصر تاريخية قوية ولم يشهد التاريخ حروباً عربية كردية.



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».