تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تحالف إردوغان يحسم ترشيحه للرئاسة... والمعارضة لم تقرر بعد

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة
TT

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تتصاعد حدة النقاش في تركيا بين الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة التي تضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة، ورفض انتظار موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في يونيو (حزيران) عام 2023، في ظل أزمة اقتصادية تضرب البلاد وسط انهيار الليرة التركية وارتفاع التضخم وموجة الغلاء غير المسبوقة.
الأزمة الاقتصادية التركية، تليها الإخفاقات السياسية في العديد من الملفات على صعيد السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، هي أهم أوراق المعارضة للضغط على الرئيس من أجل دفعه إلى قرار الانتخابات المبكرة، وذلك عبر اتهامه بقلة الكفاءة والفشل في إدارة شؤون البلاد. وهو ما يعبر عنه مرارا كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحليفته رئيسة حزب «الخير» ميرال أكشنار. وفي المقابل، يتهم إردوغان وحليفه دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، المعارضة بالسعي إلى زعزعة استقرار البلاد وترويج صورة مغلوطة عن الوضع الاقتصادي.
رغم أنه لا يزال يتبقى أمام تركيا حوالي سنة ونصف السنة على انتخاباتها المرتقبة، يزداد الشحن وتتسارع التحضيرات المبكرة. ولقد بدأ الرئيس رجب طيب إردوغان، مدفوعا بضغط المعارضة، وبنتائج استطلاعات الرأي المتعاقبة، إلى إطلاق حملة انتخابية مبكرة، عبر مؤتمرات شعبية وافتتاح مشاريع جديدة في عموم أنحاء البلاد. لكن أحزاب المعارضة سبقته على مدى سنوات عبر جولات في الولايات والمدن والأحياء في حملة «التحام مع الشارع» لقياس نبض الناخبين وحشدهم لهزيمة «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية.
المعارضة أبرزت ورقة قوية عبر مؤتمر شعبي حاشد، قدر حضوره بأكثر من مليون شخص، في مدينة مرسين (جنوب البلاد) السبت الماضي، بدعوة من كليتشدار أوغلو، وكان المطلب الرئيس فيه استقالة إردوغان وحكومته والتوجه إلى الانتخابات المبكرة كحل للأزمات التي تعانيها تركيا.
وفيما يبدو تحضيرات مبكرة لانتخابات، لا يرغب إردوغان وحليفه بهشلي أن تكون «مبكرة» على الإطلاق، رد الرئيس التركي بحدة على دعوات المعارضة متسائلاً: «أي انتخابات مبكرة هذه؟ هذا شأن من عمل الدول القبلية... لا يمكنك رؤية مثل هذا الشيء في دولة متقدمة، وفي الغرب. الانتخابات ستكون في يونيو (حزيران) 2023». أما المعارضة، التي ترغب في الانتخابات المبكرة لاعتقادها بأن هذه هي الفرصة السانحة لإطاحة إردوغان وحزبه - الذي حكم تركيا لما يقرب من 20 سنة -، فتعمل على زيادة الضغط عليه. وحقاً، بدأت منذ العام الماضي الحديث عن مدى صلاحية النظام الرئاسي، الذي طبقه إردوغان عام 2018 ومنحه سلطات شبه مطلقة. ومن ثم، بدأت مساعٍ لتوحيد صفوفها وتوصلت إلى نقطة اتفاق هي العودة بالبلاد إلى النظام البرلماني بعد تقويته وتعزيزه.
ثم إن حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسسه بعد انفصاله عام 2019 عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، وضع بالفعل مشروعاً متكاملاً للنظام البرلماني. وتطور الحراك في هذا الاتجاه نحو تشكيل لجنة من أحزاب المعارضة تواصل اجتماعاتها على مدى أكثر من شهرين للاتفاق على ملامح النظام الجديد.
- تحرك منسق
من جهة ثانية، مع أن أحزاب المعارضة لم تتفق فيما بينها، بعد، على توسيع «تحالف الأمة»، المكون من حزبي الشعب الجمهوري والجيد، والانضواء جميعها تحت راية التحالف، فإنها تتحرك بشكل منسق. وهي تتشاور بشكل مستمر عبر لقاءات بين قادتها لبحث التطورات الاقتصادية والسياسية في البلاد والتأهب للانتخابات، التي ترجح أنها ستكون في خريف عام 2022 بدلاً من موعدها المحدد في يونيو 2023. أما إردوغان، فيواجه في هذه الأثناء، صعوبات كبيرة في مساعيه لتوسيع «تحالف الشعب»، بسبب تردد الأحزاب الأخرى في الانضمام إلى التحالف ما لم يغيّر من سياساته.
ومع اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية والتهاوي المستمر والسريع لليرة التركية، التي تشهد تراجعاً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، طوّرت المعارضة حراكها إلى الحشد والمطالبة برحيل إردوغان والتوجّه إلى الانتخابات. وبدوره، دعا الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين دميرطاش، من داخل محبسه المحتجز فيه منذ أكثر من 5 سنوات، عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تنظيم 7 مسيرات مشتركة في 7 مناطق لأحزاب المعارضة. أما الرئيس المشارك الحالي للحزب، مدحت سنجار، فطالب بضرورة طرح قضية الانتخابات المبكرة على البرلمان، قائلاً إنه من «غير المقبول أن تستمر الحكومة التي تسببت في مثل هذه الأزمات الكبيرة في السلطة». وأضاف: «ندعوهم إلى الاستقالة، لكننا نعلم أنهم لن يستقيلوا. لهذا السبب نعتقد أن المهمة تقع على عاتق البرلمان الآن. على البرلمان أن يأخذ زمام المبادرة في هذا الصدد... يجب تقديم مشروع الانتخابات المبكرة إلى البرلمان في أسرع وقت ممكن». وجدد سنجار، من ثم، دعوته إلى جميع أحزاب المعارضة لإعداد مشروع قانون الانتخابات المبكرة معاً دون تأخير. ولفت إلى أن عدد المتضررين من الوضع الراهن للبلاد ليس صغيراً، مشيراً إلى أن نوابا من حزب العدالة والتنمية سيصوتون لصالح الانتخابات المبكرة، بسبب تضررهم من الوضع الحالي. وما يذكر هنا أن الرئيس إردوغان وحده يمتلك صلاحية الدعوة إلى الانتخابات المبكرة.
كذلك، انتقد رئيس «حزب المستقبل» ورئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، رفض إردوغان دعوات الانتخابات المبكرة، معتبراً أنه «يرفض الديمقراطية عبر رفض المطالبة بإجراء الانتخابات المبكرة، التي هي إحدى أدوات الديمقراطية».
ولكن، في أي حال، لا يبدو في الوقت الحالي أن هناك ملامح واضحة لما ستكون عليه التحالفات الانتخابية في المرحلة المقبلة. وبينما يبرز إردوغان كمرشح للرئاسة لـ«تحالف الشعب» ليس هناك أي مؤشر حتى الآن على الاتفاق على مرشح مشترك، وإن دارت الأسماء المقترحة لـ«تحالف الأمة» بين كليتشدار أوغلو، ورئيس بلدية إسطنبول (من حزبه) أكرم إمام أوغلو، الذي يبدو أن رئيسة حزب «الجيد» ميرال أكشنار تدعمه، في حال قررت ألا تترشح.
- تراجع مستمر
في سياق متصل، تشير استطلاعات الرأي المتعاقبة منذ العام الماضي إلى تراجع شعبية الرئيس إردوغان و«تحالف الشعب». وكشف أحدث استطلاع للرأي عن أن «تحالف الأمة» المعارض، المؤلف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، سيتفوق على «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية». إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أرا» للبحوث والدراسات الاجتماعية والسياسية بشأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، تراجع شعبية إردوغان، وقدرة «تحالف الأمة» المعارض على الفوز على «تحالف الشعب».
أيضاً، أوضح الاستطلاع أن حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، حصل على تأييد 28.2 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، كما حصل حليفه حزب «الجيد» على 14 في المائة لتبلغ نسبة «تحالف الأمة» المعارض 42.2 في المائة. وفي المقابل، حصل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم على 30 في المائة وحزب «الحركة القومية» على 9.1 في المائة، لتبلغ نسبة «تحالف الشعب» 39.1 في المائة. وبالنسبة لأحزاب المعارضة الأخرى، حصل حزب «الشعوب الديمقراطية» (مؤيد للأكراد) على 10 في المائة وحزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان على 4.4 في المائة.
في هذه الأثناء، يعتقد مراقبون أن الأزمة الاقتصادية ليس لها حل إلا بالتوجه للانتخابات المبكرة، سواءً أيد الناخبون بقاء إردوغان وحزبه أو اختاروا أي حزب آخر، وإلا فإن حالة الجدل السياسي والاستقطاب ستستمر... وسط محاولات أحزاب المعارضة استثمار أي أزمة، أو كارثة، لمجابهة الحكومة، في خطوة للاستعداد للانتخابات المقبلة.
وإلى جانب الوضع الاقتصادي المتوتر، شهدت الفترة الأخيرة جدلاً حاداً بشأن ملف اللاجئين السوريين. إذ تركز بعض أحزاب المعارضة على القضية، و«تبشّر» الناخبين بإعادة السوريين إلى بلادهم بسبب حالة النفور الاجتماعي المتنامية ضدهم. يضاف إلى ذلك، جدل آخر بشأن صحة إردوغان، والشكوك التي أثارتها وسائل إعلام معارضة داخلياً، فضلا عن بعض وسائل الإعلام الغربية.
- الوضع الاقتصادي السيئ
رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشينار، قالت أخيراً إن اقتصاد تركيا يمر بمرحلة هي الأسوأ على مر تاريخ البلاد، متوقعة التوجه إلى إجراء الانتخابات في العام المقبل (2022)، وليس خلال عام 2023 كما هو مقرر لها. وأضافت أكشينار، التي ينضوي حزبها ضمن «تحالف الأمة» المعارض أن «هناك توقعات بأن الانتخابات ستكون في عام 2022، فالمواطنون يريدون الانتخابات، لأنه من المستحيل إنعاش الاقتصاد مرة أخرى في ظل النظام الموجود حالياً... الحزب الحاكم (العدالة والتنمية برئاسة إردوغان) بدأ مؤخراً رشقنا بالحجارة في وسائل الإعلام الموالية له، وذلك يعني إدراكهم خسارتهم في الانتخابات القادمة». وبالفعل، يسود اعتقاد لدى المعارضة بأن إردوغان سيجبر على التوجه إلى الانتخابات المبكرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قبل الموعد الأصلي للانتخابات في يونيو 2023. وترى أحزابها أنه يدرك تماماً أنه وحزبه سيخسران الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة سواء أجريت مبكراً أو في موعدها.
ويؤكد «تحالف الأمة» المعارض أن مرشحه القادم للرئاسة سيفوز برئاسة تركيا وأن التحالف سيطبق النموذج الذي كسب من خلاله ولايتي إسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية في مارس (آذار) 2019، وهو ما فسره مراقبون على أنه تلميح إلى توسيع «تحالف الأمة» وقبول دعم حزب «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه دعوى قضائية لإغلاقه بدعوى تورطه في الإرهاب. وهذا، في حين يأخذ كثيرون على المعارضة أنها تعمل فقط على تسجيل نقاط ضد إردوغان، من دون أن تقدم مشروعاً للشعب التركي... وأنها تريد انتخابات، فقط من أجل أن يخسرها إردوغان. ولهذا السبب يرى مراقبون أن إردوغان قد يتوجه إلى انتخابات مبكرة إذا رأى أن له مصلحة في ذلك.
- انتقاد السياسة الخارجية
أخيراً، بعيداً عن ملف الاقتصاد، الذي يشغل بال جميع الأتراك، تلعب المعارضة على ملف آخر، وهو العجز في السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، التي تدعي أنها أدت إلى عزلة حقيقية لتركيا. وفي هذا الإطار تهاجم المعارضة التدخلات في ليبيا وسوريا، فضلاً عن «تدمير» إردوغان علاقات تركيا مع العديد من الدول المؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها مصر، التي تربط تركيا بها مصالح حيوية في شرق البحر المتوسط وفي العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط. وتتعهد المعارضة أنه في حال رحيل إردوغان سينتهي هذا الملف خلال أيام، وستحل ملف سوريا واللاجئين خلال 6 أشهر.
وفي المقابل، بدأت حكومة إردوغان إعادة نظر في مقاربة العديد من الملفات من أجل تحسين العلاقات مع العديد من الدوائر بدءاً من أوروبا والولايات المتحدة إلى مصر ودول الخليج العربي. وبالفعل، أطلقت اتصالات مع كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تشهد المباحثات معها تقدما أسرع، لا سيما على صعيد الاستثمار. ولكن، العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تعيش خمولاً منذ تولي إدارة الرئيس جو بايدن رغم محاولات أنقرة تنشيطها. ولا يختلف الوضع بالنسبة لأوروبا التي وضعت تركيا تحت المراقبة في ملفات عديدة أبرزها أعمال البحث والتنقيب في شرق المتوسط التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي «غير قانونية» وتنتهك حقوق عضوية (اليونان وقبرص).
- «الانتهاكات الحقوقية» أبرز ملفات الخلاف بين تركيا والغرب
> يسود قلق أميركي وأوروبي متصاعد حيال انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، لا سيما عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) عام 2016 ونسبتها السلطات إلى الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، وحركة «الخدمة» التابعة له، التي صنّفتها منظمة إرهابية.
ومن أبرز الملفات التي تتسبب في ضغوط غربية على أنقرة ملف استمرار حبس كل من رجل الأعمال الناشط البارز في مجال المجتمع المدني، عثمان كافالا، والزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد)، (ثاني أكبر حزب معارض بالبرلمان التركي). ورغم إنذار «مجلس أوروبا» باتخاذ إجراء تأديبي نادر التكرار ضد تركيا، أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن بلاده لا تعترف بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص كافالا ودميرطاش. وقال إن «قرارات هذه المحكمة لا تعنيني، وأياً كانت العقوبات التي يريد مجلس أوروبا اتخاذها في هذا الإطار فليتخذها، هذا الأمر لا يهمنا... هذان الشخصان يحاكمان في قضايا إرهابية».
هذا، وكان «مجلس أوروبا»، الجمعة الماضي، قد قرر إطلاق إجراء تأديبي بحق تركيا لرفضها الامتثال لقرار محكمة حقوق الإنسان بالإفراج عن كافالا (46 سنة) المعتقل منذ 2017 الذي تتهمه السلطات بالتجسس والتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة وتمويل احتجاجات «جيزي بارك» في إسطنبول عام 2013 عبر مؤسسة «الأناضول» الثقافية التي يرأسها، والتي أدرجتها السلطات على لائحة الإرهاب الشهر الماضي. وهذا إجراء لم يتخذه المجلس إلا مرة واحدة في تاريخه عندما استخدمه ضد أذربيجان لسبب مماثل عام 2017. وأمهل المجلس تركيا حتى 19 يناير (كانون الثاني) المقبل، كحد أقصى، للرد، وبعدها ستحيل اللجنة القضية مجدداً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتماعها المقبل يوم 2 فبراير (شباط)، بينما من المقرر أن تنعقد الجلسة المقبلة في قضية كافالا في إسطنبول بتاريخ 17 يناير.
أيضاً أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكثر من حكم بالإفراج الفوري عن صلاح الدين دميرطاش، وهو زعيم كردي بارز سبق أن نافس إردوغان في انتخابات الرئاسة عامي 2014 ثم 2018 من داخل سجنه حيث اعتُقل في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وهو يواجه اتهامات في قضايا تتعلق بالإرهاب وتصل عقوباتها حال إدانته إلى 142 سنة سجناً. ورفض إردوغان تنفيذ هذه القرارات.
وسبق أن دفع تمديد توقيف كافالا، في أكتوبر الماضي، سفراء عشر دول غربية، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، إلى الدعوة إلى «الإفراج العاجل» عنه. وهدد إردوغان باعتبار هؤلاء السفراء «شخصيات غير مرغوب فيها» تمهيداً لطردهم، قبل أن يغيّر رأيه بعد رسالة تهدئة من ممثل الولايات المتحدة، شاركتها على الفور الدول الأخرى المعنية على «تويتر».
واعتبر تقرير للرابطة الدولية لحقوق الإنسان أن سياسات إردوغان في مجال الحريات المدنية، تهدد بنسف المجتمع المدني المستقل في تركيا، وإنشاء مجتمع مدني بديل موالٍ للسلطة. وقد نُشر التقرير بالتزامن مع محاكمة 3 صحافيين بارزين ومدافعين عن حقوق الإنسان متهمين بالإرهاب ويواجهون عقوبة تصل إلى السجن 14 عاماً، من بينهم شبنام كورور فينجانجي، الرئيس السابق لمنظمة حقوق الإنسان التركية.
واتهم التقرير الحكومة التركية بأنها لم تضمن بيئة مواتية للمجتمع المدني، ومحاولة تقويض أنشطتها بشكل مكثف عبر خطاب وصورة نمطيين يقدمان منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان كعملاء لجهات أجنبية تشكل تهديداً للأمن القومي، ويعززون أهداف المنظمات الإرهابية.
في سياق متصل، قال «معهد صحافة الحرب والسلام» في مذكرة حديثة إن انسحاب تركيا من «اتفاقية مجلس أوروبا لحماية المرأة ومناهضة العنف المنزلي»، المعروفة بـ«اتفاقية إسطنبول» كان بسبب السياسات الداخلية لحزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان، الذي يتحرك الآن لإرضاء الأغلبية المحافظة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.