الحكومة الإسرائيلية تشدد الرقابة على 35 ألف مقدسي

بعد التصدي لفلسطيني في حادثة طعن ومنع الإسعاف عنه

الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
TT

الحكومة الإسرائيلية تشدد الرقابة على 35 ألف مقدسي

الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)

على الرغم من نشر شريط فيديو يبيّن بوضوح أن رجلَي الشرطة الإسرائيليين واصلا إطلاق الرصاص على الشاب الفلسطيني محمد سليمة، بعد طعنه شاباً يهودياً، ومنعا عنه العلاج تاركين إياه ينزف حتى الموت، تبنّت الحكومة برئاسة نفتالي بنيت، رواية الشرطة، وعدّت الشرطيين «بطلين قوميين». وقد طلب عدد من الوزراء، في جلسة أمس، تقييد حريات أهالي القدس الفلسطينيين، وقررت الحكومة في ختام مداولاتها، تشديد الرقابة على مداخل المدينة وتحركات مواطنيها الفلسطينيين.
وحسب وزير الاتصالات، يوعز هندل، فإن «هناك انفلاتاً في الحكم في مدينة القدس، يجعل الفلسطينيين يُهدرون دماء اليهود ويشعرون بأنهم يستطيعون طردنا بالقوة من عاصمتنا الأبدية». وطالب باستعادة هيبة السلطة، والضرب بيد من حديد على كل من يتطاول على القانون «ويسعى لإخافة اليهود ومنعهم من العيش في المدينة المقدسة أو زيارتها».
كانت جلسة الحكومة الإسرائيلية قد التأمت، أمس، في ظل انتقاد الشرطة إجراء تحقيق مع الشرطيين اللذين أطلقا الرصاص على الشاب الفلسطيني لمعرفة ملابسات الحادث. وراح الوزراء، وفي مقدمتهم بنيت، يدافعون عن الشرطيين، لكي يصدوا اتهامات المعارضة اليمينية.
يُذكر أن الحادث وقع في ساعات بعد الظهر من يوم السبت، مقابل منطقة باب العمود، المدخل المركزي للبلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة. ويتضح من شريط فيديو نُشر أمس، أن الشاب الفلسطيني، الذي تبين أنه الأسير السابق الذي لا ينتمي إلى أي تنظيم، محمد شوكت محمد سليمة (25 عاماً) من بلدة سلفيت في الضفة الغربية، كان يسير في الشارع وبشكل مفاجئ استدار وطعن بسكين كان يحمله الشاب اليهودي المتدين أفراهام إليميلخ (21 عاماً)، عدة طعنات في عنقه، فأصابه بجروح متوسطة. وحضر شرطيان وطلبا من الشاب الفلسطيني، الاستسلام، فركض نحوهما وهو يشهر السكين، فأطلقا عليه الرصاص وسقط أرضاً. ومع أنه كان مشلول الحركة وكان بالإمكان السيطرة عليه، استمرا بإطلاق الرصاص عليه وهو ممدد على الأرض. وانضمت في هذه الأثناء قوة شرطة كبيرة، ومنعت تقدم سيارة إسعاف لنقل المصاب، فظل ينزف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
على أثر ذلك، اتهم شهود العيان من الفلسطينيين، الشرطيين الإسرائيليين، بإعدام الشاب سليمة، وعدّت السلطة الفلسطينية أن الأمر «جزء من مسلسل إعدامات تُنفَّذ بحق الفلسطينيين بقرار رسمي من حكومة الاحتلال». وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية إن «الإعدامات باتت سياسية رسمية في إسرائيل ضد الفلسطينيين» وعدّتها «إرهاب دولة».
وقد ثارت ثائرة المعارضة اليمينية بعد الحادثة، واتهمت الحكومة بـ«سياسة الخنوع وتشجيع الإرهاب الفلسطيني». ثم انضم مسؤولون في الحكومة والشرطة إلى الانتقاد، فأعلن الناطق بلسان الشرطة أن التحقيق إجراء روتيني لأي حادث إطلاق نار يسفر عن مقتل شخص. وأضاف أن التحقيق بيّن أن الحادث كان بمثابة «هجوم إرهابي»، ولكنّ نشر مقطع فيديو من مكان الحادث يُظهر الشرطيين وهما يطلقان النار على المشتبه به عدة مرات وهو ممدد على الأرض، «استدعى التدقيق». وخرج المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، كوبي شبتاي، بتصريحات يثني فيها على ما قام به الشرطيان وقال، خلال اتصال هاتفي مع ذوي الشرطيين: «لقد تصرفا بطريقة حازمة ومهنية وسريعة، وبفضلهما تم إنقاذ حياة الإنسان وليس لديّ شك في أنهما كانا بطلين آخرين لشعب إسرائيل في عيد حانوكا». وقال قائد شرطة حرس الحدود في القدس، أمير كوهين: «أؤيد بشكل كامل الجنود الذين استجابوا للحادث كما اقتضت الضرورة وقاموا بتحييد المنفذ، مما منعه من إلحاق المزيد من الأذى بالجنود والإسرائيليين الموجودين في المكان». وأضاف كوهين، في اتصاله مخاطباً ذوي الشرطيين: «شاهدنا جميعاً الفيديو، ورأينا أن ولديكما البطلين تصرفا وفقاً لطريقة تدريبنا لهما ونتوقع منهما أن يتصرفا كحماة للمدنيين».
وفي جلسة الحكومة، أمس، قال بنيت: «لقد تصرف الشرطيان بشكل سريع وحازم، كما هو متوقع من عناصر الشرطة، ضد إرهابي حاول قتل مدني إسرائيلي. أود أن أنقل لهما دعمي الكامل. هذه هي الطريقة التي يُتوقع أن تتصرف بها قواتنا وهذه هي الطريقة التي تتصرف بها. يجب ألا نسمح لعاصمتنا بأن تصبح بؤرة للإرهاب». وقال وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، المشرف على الشرطة: «بعد ثانية أو ثانيتين من إطلاق النار الأول، كان على الشرطيين أن يقررا ما إذا كان الإرهابي سينفّذ تفجيراً انتحارياً. عند وجود شك، ليس هناك شك. لذلك أطلقا الرصاص وضمنا حياة الناس».
وقال وزير الدفاع، بيني غانتس: «نفّذت قوات حرس الحدود في القدس ما هو واضح وهو تحييد المنفّذ بالوسائل التي معها وباحتراف، ويظهر من المواد التي لدينا ومن التحقيق الأوّلي ما جرى، وأسعى لدعم القوات». وكان الوزير العربي في الحكومة وزير التعاون الإقليمي عيساوي فريج، من حزب اليسار «ميرتس»، وحيداً في انتقاد سلوك الشرطة، فقال، خلال الجلسة: «في مواجهة محاولة قتل، يجب إطلاق النار على المهاجمين لإنقاذ الأرواح، ولكن ليس من أجل إزهاق أرواح (المهاجمين) عندما لا يشكلون تهديداً».
من جهتها، قالت النائبة العربية من كتلة «القائمة المشتركة» للأحزاب العربية المعارضة، عايدة توما سليمان، إن الشرطة قامت بإعدام الشاب في الوقت الذي لم يعد يشكّل فيه خطراً. وعدّ زميلها في الكتلة، النائب عوفر كسيف، «إطلاق النار على الشاب سليمة، إعداماً بشكل تعسفي». وأضاف: «إطلاق النار على شخص مصاب ممدد على الأرض في الوقت الذي لم يعد يشكل فيه تهديداً، بغضّ النظر عن أفعاله، جريمة حرب».
وفي الجانب الفلسطيني، نشر مكتب الرئيس محمود عباس، بياناً ندد فيه بإطلاق النار ووصفه بأنه «اغتيال». وحثّ المجتمع الدولي على «التحرك الفوري لوقف جرائم إسرائيل». وطالبت وزارة الخارجية والمغتربين، المجتمع الدولي، بإعادة النظر في كل ما يسمى «الإرهاب»، الذي تطلقه إسرائيل جزافاً بحق الفلسطينيين تحت الاحتلال، وتقييم ودراسة سلوكيات الاحتلال برمّته، عقب احتضان أركان الحكومة الإسرائيلية لقتلة الشاب محمد سليمة، الذي أُعدم بدم بارد في مدينة القدس المحتلة. وأشارت إلى أنها تتابع هذه الجريمة الموثقة من جوانبها وتفاصيلها كافة، تمهيداً لرفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية، متوقعين منها التحرك الفوري حتى لا تُتهم هي الأخرى بالتهرب من مسؤوليتها وخضوعها لابتزاز إسرائيل ومن يقف خلفها من دول عظمى تحميها من كل انتقاد.
في القاهرة، قال الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة في الجامعة العربية، سعيد أبو علي، إن «ما قام به جنود الاحتلال الإسرائيلي من إعدام ميداني بحق الشاب الفلسطيني هو جريمة حرب بشعة تعبّر عن ماهية إسرائيل وعقليتها العدوانية المتطرفة والأوامر التي تُعطى لهم من المستويات السياسية بإطلاق النار والقتل المباشر». وطالب أبو علي في تصريح لوكالة «وفا»، أمس (الأحد)، بضرورة توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني قبل فوات الأوان.
كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد داهمت مدينة سلفيت، فجر أمس، واعتقلت شقيق منفذ عملية الطعن في القدس، كما داهمت مدينة رام الله واعتقلت اثنين من أصدقائه. وقررت الحكومة الإسرائيلية، أمس، تعزيز قواتها المرابطة في القدس وزيادة المراقبة على مداخل بوابات البلدة القديمة، التي يعيش فيها 35 ألف فلسطيني. وقال الوزير هندل، صاحب الاقتراح بذلك: «يجب تفتيش كل من يدخل البلدة، حتى لا يصل إليها مسلحون». وقد تم توثيق قيام شرطة الاحتلال باعتقال صبية فلسطينية، أمس، قرب منطقة باب العمود من دون سبب.



هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً


«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
TT

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى، ويحرص من تطلق عليهم الحكومة «ضيوف مصر»، من سوريين ويمنيين وسودانيين وفلسطينيين وغيرهم، على التمسك بتقاليد بلادهم عبر مظاهر وعادات تعزز التقارب بين العائلات والأصدقاء، وتتشابه إلى حدٍّ ما مع طقوس مصرية راسخة.

وتسيطر «الأكلات التراثية» واللحوم بأنواعها المختلفة على الجزء الأكبر من مظاهر الاحتفاء بعيد الأضحى، ويبقى لدى من يقبعون داخل الأراضي المصرية رغبة في الشعور بالألفة والتكافل الاجتماعي في ظل أوضاع اقتصادية يعانيها بعضهم، وتوترات إقليمية تتصاعد وتيرتها في المنطقة وتؤثر عليهم وهم خارج حدود أوطانهم.

طقوس سودانية وأكلات تراثية

وللزيارات الاجتماعية أهمية كبيرة في عيد الأضحى، خاصة مع ظروف الحرب واللجوء.

مصلون يؤدون صلاة العيد في ساحات المساجد بمحافظات مصر (محافظة بورسعيد)

وتقول السودانية نوسيبا سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن طقوس احتفالات السودانيين في مصر بعيد الأضحى تبدأ مبكراً قبل وقفة عرفات بنحو أسبوع؛ إذ يتم تجهيز «الحِنة» الحمراء التي تستخدمها النساء كأحد أهم مظاهر التزيّن في المناسبات، ثم صنع الحلوى السودانية. أما في ليلة العيد، فتبدأ الأسر في تجهيز بعض المكونات الخاصة بأكلات العيد.

وتحدثت نوسيبا، التي تقيم بمنطقة ترسا في محافظة الجيزة ولديها خمسة أطفال، عن أول أيام العيد قائلة: «البعض يشتري ذبيحة أو يتشارك مع مجموعة في أضحية واحدة بسبب الوضع الاقتصادي، وبعضنا يلجأ إلى شراء اللحوم، لكننا نحرص على توزيع أكبر قدر من الذبيحة على العائلات السودانية، ثم ننتقل إلى الزيارات العائلية».

تتناول نوسيبا إفطار اليوم الأول في أحد منازل أقاربها، ويكون حسب طقوس سودانية عبارة عن طهي «الكرشة»، ثم يكون الغداء في منزل آخر، ويتكون من الأكلات التراثية مثل «العصيدة والملاح والكبدة».

الحلوى الشامية تبرز في احتفالات السوريين

وتشكل «أكلات العيد» أحد أهم مظاهر احتفالات السوريين في مصر، بجانب الحلوى الشامية الشهيرة. يقول الشاب السوري خالد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «المأكولات السورية والحلويات الشامية تكون حاضرة دائماً في عيد الأضحى، مثل (المنسف الحلبي) و(الشاكرية) و(المعمول)».

أطفال في احتفالية بمفوضية شؤون اللاجئين بمصر (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

ويسترسل خالد، الذي يعمل في أحد متاجر العطور بوسط القاهرة ويعيش بحي بولاق الدكرور، في الحديث عن مظاهر الاحتفال بالعيد فيقول: «أول أيام العيد يبدأ بزيارة العائلات والأصدقاء، ثم يتوجه الشباب أو العائلات إلى أماكن الترفيه في مصر مثل دور السينما والملاهي».

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً التردد على المطاعم السورية المنتشرة بمناطق عديدة في القاهرة والمحافظات المختلفة. وقال: «السوريون المقتدرون يحرصون على توزيع لحوم الأضاحي على العائلات السورية غير المقتدرة، كما انتشر نظام (الشير)؛ إذ يتشارك مجموعة أشخاص في أضحية واحدة».

التقاليد التراثية الفلسطينية

على الرغم من بعض التشابه في طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بين الشعبين، يحرص الفلسطينيون في مصر على التمسك بتقاليدهم التراثية بهدف الحفاظ على الهوية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بحسب عضو الهيئة الإدارية باتحاد الفنانين الفلسطينيين (فرع القاهرة) خالد أبو الفحم.

وأضاف أبو الفحم لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطينيون في مصر يمزجون بين التقاليد المصرية والفلسطينية. نحن نعيش ونعايش الطقوس المصرية بحكم إقامتنا منذ سنوات، ونحرص أيضاً على التمسك بطقوسنا الوطنية للحفاظ على هويتنا، سواء الأطعمة التقليدية أو الموسيقى التراثية».

أطفال يحتفلون بالعيد في مصر (أ.ب)

وكالسوريين والسودانيين، يحرص المقتدرون من الفلسطينيين والمنظمات والجمعيات الأهلية الفلسطينية على وصول لحوم الأضاحي إلى أبناء وطنهم في مصر «على أمل أن تقلل فرحة العيد معاناة التشرذم»، حسبما قال أبو الفحم في معرض حديثه عن أهمية التضامن الاجتماعي.

وأضاف: «نقدم أيضاً العيدية للأطفال، ونقوم بعد صلاة العيد بزيارات اجتماعية لأكبر عدد من الأسر الفلسطينية حيث نقسم أنفسنا إلى مجموعات، كما نحرص على زيارة الجرحى والمرضى الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية».

تكافل اجتماعي بين اليمنيين

ولا يختلف الأمر في تفاصيل التضامن الاجتماعي والتمسك بالطقوس الوطنية عند اليمنيين. وتقول الثلاثينية فردوس سالم لـ«الشرق الأوسط»: «الأسر اليمنية في مصر تحرص على استدعاء الطقوس الوطنية خلال احتفالات عيد الأضحى؛ إذ نطهو الأطعمة اليمنية التقليدية، ونجهز الحلويات، ونشتري ملابس العيد للأطفال، ويحرص الكثيرون من كبار السن على ارتداء الملابس الوطنية اليمنية».

وتؤكد فردوس، التي تعيش في حي فيصل بمحافظة الجيزة: «أجواء العيد تبرز التكافل بين اليمنيين؛ إذ يقوم الكثيرون بإيصال لحوم الأضحية إلى منازل الأسر اليمنية، ثم نزور الأصدقاء والمعارف عقب صلاة العيد، يلي ذلك الخروج إلى المتنزهات أو التجمع في المطاعم اليمنية».


نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير نبيل فهمي، لتسلم مهام منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) المقبل، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو (حزيران).

وكانت الدورة العادية الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب، التي عقدت في مارس (آذار) الماضي عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، قد اعتمدت بالإجماع قراراً برفع توصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للقمة العربية المقبلة بالمملكة العربية السعودية بدعم ترشيح فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من الأول من يوليو 2026.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» إن الأمين العام الجديد بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، مشيرة إلى أن فهمي «زار مقر الجامعة بالعاصمة المصرية القاهرة وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل».

كما عقد فهمي لقاءات مع عدد من المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك.

نبيل فهمي يلتقي المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية مهند العكلوك (مندوبية فلسطين)

وفي مطلع الشهر الحالي، التقى فهمي السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، في مكتبه بالقاهرة. ووفق بيان لمندوبية فلسطين «دار النقاش حول تعزيز فعالية جامعة الدول العربية في إطار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما يشمل تنفيذ قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمندوبين الدائمين».

كما تناول الحديث «تعزيز الأمن القومي العربي وتطوير آليات العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة العربية».

وقال أحد المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة العربية من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، سواء عقدت قمة في موعدها أو أُرجئت.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل صعوبات عقد اجتماع على مستوى القادة العرب، فإن المشاورات الجارية حالياً قد تفضي إلى إتمام التصديق على تعيين فهمي عبر اجتماع افتراضي».

وقال مصدر دبلوماسي عربي آخر: «الوقت الضاغط يُصعّب التحضير للقمة وعقدها قبل موعد تولي الأمين العام الجديد مهام منصبه»، مضيفاً أن «الأمور قد تتضح بعد إجازة عيد الأضحى، لا سيما مع استمرار التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران».

ولفت مصدر ثالث إلى «إمكانية تسلم فهمي منصبه اعتماداً على قرار من وزراء الخارجية العرب أسوة بتجارب سابقة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية (صفحة نبيل فهمي على «فيسبوك»)

وكان الأمين العام الحالي أبو الغيط قد عُين بقرار من مجلس وزراء الخارجية العرب، في دورة غير عادية عقدت بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في مارس 2016، بناء على تفويض من القادة العرب إلى رؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع. وتسلم مهام منصبه في يوليو من العام نفسه دون الحاجة إلى عقد قمة عربية للتصديق على قرار تعيينه.

يذكر أن نبيل فهمي شغل منصب وزير الخارجية المصري في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، كما عمل سفيراً للقاهرة في واشنطن خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999. وعمل والده إسماعيل فهمي، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال الفترة من 1973 وحتى 1977.