الحكومة الإسرائيلية تشدد الرقابة على 35 ألف مقدسي

بعد التصدي لفلسطيني في حادثة طعن ومنع الإسعاف عنه

الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
TT

الحكومة الإسرائيلية تشدد الرقابة على 35 ألف مقدسي

الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)
الشرطة الإسرائيلية في موقع حادث الهجوم الذي وقع السبت في القدس القديمة (إ.ب.أ)

على الرغم من نشر شريط فيديو يبيّن بوضوح أن رجلَي الشرطة الإسرائيليين واصلا إطلاق الرصاص على الشاب الفلسطيني محمد سليمة، بعد طعنه شاباً يهودياً، ومنعا عنه العلاج تاركين إياه ينزف حتى الموت، تبنّت الحكومة برئاسة نفتالي بنيت، رواية الشرطة، وعدّت الشرطيين «بطلين قوميين». وقد طلب عدد من الوزراء، في جلسة أمس، تقييد حريات أهالي القدس الفلسطينيين، وقررت الحكومة في ختام مداولاتها، تشديد الرقابة على مداخل المدينة وتحركات مواطنيها الفلسطينيين.
وحسب وزير الاتصالات، يوعز هندل، فإن «هناك انفلاتاً في الحكم في مدينة القدس، يجعل الفلسطينيين يُهدرون دماء اليهود ويشعرون بأنهم يستطيعون طردنا بالقوة من عاصمتنا الأبدية». وطالب باستعادة هيبة السلطة، والضرب بيد من حديد على كل من يتطاول على القانون «ويسعى لإخافة اليهود ومنعهم من العيش في المدينة المقدسة أو زيارتها».
كانت جلسة الحكومة الإسرائيلية قد التأمت، أمس، في ظل انتقاد الشرطة إجراء تحقيق مع الشرطيين اللذين أطلقا الرصاص على الشاب الفلسطيني لمعرفة ملابسات الحادث. وراح الوزراء، وفي مقدمتهم بنيت، يدافعون عن الشرطيين، لكي يصدوا اتهامات المعارضة اليمينية.
يُذكر أن الحادث وقع في ساعات بعد الظهر من يوم السبت، مقابل منطقة باب العمود، المدخل المركزي للبلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة. ويتضح من شريط فيديو نُشر أمس، أن الشاب الفلسطيني، الذي تبين أنه الأسير السابق الذي لا ينتمي إلى أي تنظيم، محمد شوكت محمد سليمة (25 عاماً) من بلدة سلفيت في الضفة الغربية، كان يسير في الشارع وبشكل مفاجئ استدار وطعن بسكين كان يحمله الشاب اليهودي المتدين أفراهام إليميلخ (21 عاماً)، عدة طعنات في عنقه، فأصابه بجروح متوسطة. وحضر شرطيان وطلبا من الشاب الفلسطيني، الاستسلام، فركض نحوهما وهو يشهر السكين، فأطلقا عليه الرصاص وسقط أرضاً. ومع أنه كان مشلول الحركة وكان بالإمكان السيطرة عليه، استمرا بإطلاق الرصاص عليه وهو ممدد على الأرض. وانضمت في هذه الأثناء قوة شرطة كبيرة، ومنعت تقدم سيارة إسعاف لنقل المصاب، فظل ينزف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
على أثر ذلك، اتهم شهود العيان من الفلسطينيين، الشرطيين الإسرائيليين، بإعدام الشاب سليمة، وعدّت السلطة الفلسطينية أن الأمر «جزء من مسلسل إعدامات تُنفَّذ بحق الفلسطينيين بقرار رسمي من حكومة الاحتلال». وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية إن «الإعدامات باتت سياسية رسمية في إسرائيل ضد الفلسطينيين» وعدّتها «إرهاب دولة».
وقد ثارت ثائرة المعارضة اليمينية بعد الحادثة، واتهمت الحكومة بـ«سياسة الخنوع وتشجيع الإرهاب الفلسطيني». ثم انضم مسؤولون في الحكومة والشرطة إلى الانتقاد، فأعلن الناطق بلسان الشرطة أن التحقيق إجراء روتيني لأي حادث إطلاق نار يسفر عن مقتل شخص. وأضاف أن التحقيق بيّن أن الحادث كان بمثابة «هجوم إرهابي»، ولكنّ نشر مقطع فيديو من مكان الحادث يُظهر الشرطيين وهما يطلقان النار على المشتبه به عدة مرات وهو ممدد على الأرض، «استدعى التدقيق». وخرج المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، كوبي شبتاي، بتصريحات يثني فيها على ما قام به الشرطيان وقال، خلال اتصال هاتفي مع ذوي الشرطيين: «لقد تصرفا بطريقة حازمة ومهنية وسريعة، وبفضلهما تم إنقاذ حياة الإنسان وليس لديّ شك في أنهما كانا بطلين آخرين لشعب إسرائيل في عيد حانوكا». وقال قائد شرطة حرس الحدود في القدس، أمير كوهين: «أؤيد بشكل كامل الجنود الذين استجابوا للحادث كما اقتضت الضرورة وقاموا بتحييد المنفذ، مما منعه من إلحاق المزيد من الأذى بالجنود والإسرائيليين الموجودين في المكان». وأضاف كوهين، في اتصاله مخاطباً ذوي الشرطيين: «شاهدنا جميعاً الفيديو، ورأينا أن ولديكما البطلين تصرفا وفقاً لطريقة تدريبنا لهما ونتوقع منهما أن يتصرفا كحماة للمدنيين».
وفي جلسة الحكومة، أمس، قال بنيت: «لقد تصرف الشرطيان بشكل سريع وحازم، كما هو متوقع من عناصر الشرطة، ضد إرهابي حاول قتل مدني إسرائيلي. أود أن أنقل لهما دعمي الكامل. هذه هي الطريقة التي يُتوقع أن تتصرف بها قواتنا وهذه هي الطريقة التي تتصرف بها. يجب ألا نسمح لعاصمتنا بأن تصبح بؤرة للإرهاب». وقال وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، المشرف على الشرطة: «بعد ثانية أو ثانيتين من إطلاق النار الأول، كان على الشرطيين أن يقررا ما إذا كان الإرهابي سينفّذ تفجيراً انتحارياً. عند وجود شك، ليس هناك شك. لذلك أطلقا الرصاص وضمنا حياة الناس».
وقال وزير الدفاع، بيني غانتس: «نفّذت قوات حرس الحدود في القدس ما هو واضح وهو تحييد المنفّذ بالوسائل التي معها وباحتراف، ويظهر من المواد التي لدينا ومن التحقيق الأوّلي ما جرى، وأسعى لدعم القوات». وكان الوزير العربي في الحكومة وزير التعاون الإقليمي عيساوي فريج، من حزب اليسار «ميرتس»، وحيداً في انتقاد سلوك الشرطة، فقال، خلال الجلسة: «في مواجهة محاولة قتل، يجب إطلاق النار على المهاجمين لإنقاذ الأرواح، ولكن ليس من أجل إزهاق أرواح (المهاجمين) عندما لا يشكلون تهديداً».
من جهتها، قالت النائبة العربية من كتلة «القائمة المشتركة» للأحزاب العربية المعارضة، عايدة توما سليمان، إن الشرطة قامت بإعدام الشاب في الوقت الذي لم يعد يشكّل فيه خطراً. وعدّ زميلها في الكتلة، النائب عوفر كسيف، «إطلاق النار على الشاب سليمة، إعداماً بشكل تعسفي». وأضاف: «إطلاق النار على شخص مصاب ممدد على الأرض في الوقت الذي لم يعد يشكل فيه تهديداً، بغضّ النظر عن أفعاله، جريمة حرب».
وفي الجانب الفلسطيني، نشر مكتب الرئيس محمود عباس، بياناً ندد فيه بإطلاق النار ووصفه بأنه «اغتيال». وحثّ المجتمع الدولي على «التحرك الفوري لوقف جرائم إسرائيل». وطالبت وزارة الخارجية والمغتربين، المجتمع الدولي، بإعادة النظر في كل ما يسمى «الإرهاب»، الذي تطلقه إسرائيل جزافاً بحق الفلسطينيين تحت الاحتلال، وتقييم ودراسة سلوكيات الاحتلال برمّته، عقب احتضان أركان الحكومة الإسرائيلية لقتلة الشاب محمد سليمة، الذي أُعدم بدم بارد في مدينة القدس المحتلة. وأشارت إلى أنها تتابع هذه الجريمة الموثقة من جوانبها وتفاصيلها كافة، تمهيداً لرفعها إلى المحكمة الجنائية الدولية، متوقعين منها التحرك الفوري حتى لا تُتهم هي الأخرى بالتهرب من مسؤوليتها وخضوعها لابتزاز إسرائيل ومن يقف خلفها من دول عظمى تحميها من كل انتقاد.
في القاهرة، قال الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة في الجامعة العربية، سعيد أبو علي، إن «ما قام به جنود الاحتلال الإسرائيلي من إعدام ميداني بحق الشاب الفلسطيني هو جريمة حرب بشعة تعبّر عن ماهية إسرائيل وعقليتها العدوانية المتطرفة والأوامر التي تُعطى لهم من المستويات السياسية بإطلاق النار والقتل المباشر». وطالب أبو علي في تصريح لوكالة «وفا»، أمس (الأحد)، بضرورة توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني قبل فوات الأوان.
كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد داهمت مدينة سلفيت، فجر أمس، واعتقلت شقيق منفذ عملية الطعن في القدس، كما داهمت مدينة رام الله واعتقلت اثنين من أصدقائه. وقررت الحكومة الإسرائيلية، أمس، تعزيز قواتها المرابطة في القدس وزيادة المراقبة على مداخل بوابات البلدة القديمة، التي يعيش فيها 35 ألف فلسطيني. وقال الوزير هندل، صاحب الاقتراح بذلك: «يجب تفتيش كل من يدخل البلدة، حتى لا يصل إليها مسلحون». وقد تم توثيق قيام شرطة الاحتلال باعتقال صبية فلسطينية، أمس، قرب منطقة باب العمود من دون سبب.



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.